الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وقريبا من هذه المناظرة ما جرى لبعض علماء المسلمين مع بعض اليهود ببلاد المغرب

قال له المسلم : في التوراة التي بأيديكم إلى اليوم أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام : إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيا مثلك أجعل كلامي على فيه ، فمن عصاه انتقمت منه . قال له اليهودي : ذلك يوشع بن نون . فقال المسلم : هذا محال من وجوه :

أحدها : أنه قال عندك في آخر التوراة : أنه لا يقوم في بني إسرائيل نبي مثل موسى .

( الثاني ) : أنه قال من إخوتهم ، وإخوة بني إسرائيل إما العرب وإما الروم .

فإن العرب بنو إسماعيل والروم بنو العيص ، وهؤلاء إخوة بني إسرائيل ، فأما [ ص: 386 ] الروم فلم يقم منهم نبي سوى أيوب عليه السلام وكان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون هو الذي بشرت به التوراة ، فلم يبق إلا العرب وهو ابن إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل .

وقد قال الله تعالى في التوراة حين ذكر إسماعيل جد العرب : أنه يضع فسطاطه في وسط بلاد إخوته وهم بنو إسرائيل .

وهذه بشارة بنبوة ابنه محمد الذي نصب فسطاطه ، وملك أمته في وسط بلاد بني إسرائيل ، وهي الشام التي هي مظهر ملكه كما تقدم من قوله : وملكه بالشام .

فقال له اليهودي : فعندكم في القرآن : وإلى مدين أخاهم شعيبا ، وإلى عاد أخاهم هودا ، وإلى ثمود أخاهم صالحا ، والعرب تقول : يا أخا تميم لواحد منهم ، فهذا قوله : أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم .

قال المسلم : الفرق بين الموضعين ظاهر ، فإنه من المحال أن يقال : بنو إسرائيل إخوة بني إسرائيل وبني تميم إخوة بني تميم وبني هاشم إخوة بني هاشم ، وهذا ما لا يعقل في لغة أمة من الأمم ، بخلاف قولك : زيد أخو بني تميم ، وهو أخو عاد ، وصالح أخو ثمود أي واحد منهم ، فهو أخوهم في النسب ، ولو قيل : عاد أخو عاد ، وثمود أخو ثمود ، ومدين أخو مدين ، لكان نقصا ، وكان نظير قولك بنو إسرائيل إخوة بني إسرائيل ، فاعتبار أحد الموضعين بالآخر صريح .

قال اليهودي : أخبر أنه سيقيم هذا النبي لبني إسرائيل ، ومحمد إنما أقيم للعرب ولم يقم لبني إسرائيل ، فهذا الاختصاص يشعر بأنه مبعوث إليهم لا إلى غيرهم .

قال المسلم : هذا من دلائل صدقه ، فإنه ادعى أنه رسول الله إلى أهل الأرض [ ص: 387 ] كتابيهم وأميهم ، ونص الله في التوراة على أنه يقيمه لهم لئلا يتوهم أنه مرسل إلى العرب والأميين خاصة ، والنبي صلى الله عليه وسلم خص بالذكر لحاجة المخاطب إلى ذكره ، ولئلا يتوهم السامع أنه غير مراد باللفظ العام ولا داخل فيه ، وللتنبيه على أن ما عداه أولى بحكمه ولغير ذلك من المقاصد . فكان في تعيين بني إسرائيل إزالة لوهم من توهم أنه مبعوث إلى العرب خاصة ، وقد قال الله تعالى : لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك وهؤلاء قومه ، ولم ينف ذلك أن يكون نذيرا لغيرهم ، فلو أمكنك أن تذكر عنه أنه ادعى أنه رسول إلى العرب خاصة لكان ذلك حجة ، فأما وقد نطق كتابه وعرف الخاص والعام بأنه ادعى أنه مرسل إلى بني إسرائيل وغيرهم فلا حجة لك . قال اليهودي : إن أسلافنا من اليهود كلهم على أنه ادعى ذلك ، ولكن العيسوية منا تزعم أنه نبي العرب خاصة ، ولسنا نقول بقولهم . ثم التفت إلي يهودي معه فقال : نحن قد جرى شأونا على اليهودية ، وبالله أدري كيف أتخلص من هذا العربي ، إلا أنه أقل ما يجب علينا أن نأخذ به أنفسنا النهي عن ذكره بسوء .

وقال محمد بن سعد في الطبقات : حدثنا معن بن عيسى ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن أبي فروة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أنه سأل كعب الأحبار : كيف تجد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ؟ قال : نجده محمد بن عبد الله ، مولده بمكة ، ومهاجره إلى طابة ، ويكون ملكه بالشام ، ليس بفحاش ولا صخاب بالأسواق ، ولا يكافئ بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح . وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي : حدثنا [ ص: 388 ] الحسن بن الربيع ، حدثنا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، عن أبي صالح قال : قال كعب : نجد مكتوبا في التوراة : محمد لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، وأمته الحمادون ، يكبرون الله على كل نجد ، ويحمدونه في كل منزلة ، يأتزرون على أنصافهم ، ويتوضئون على أطرافهم ، مناديهم يناديهم في جو السماء ، صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء ، لهم دوي كدوي النحل ، مولده بمكة ، ومهاجره بطابة ، وملكه بالشام .

قال الدارمي : أخبرنا زيد بن عوف ، حدثنا أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ذكوان أبي صالح ، عن كعب قال : في السطر الأول محمد رسول الله ، عبدي المختار ، لا فظ ولا غليظ ، ولا صخاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، مولده بمكة ، وهجرته بطيبة ، وملكه بالشام . وفي السطر الثاني : محمد رسول الله ، أمته الحمادون يحمدون الله في كل حال ومنزلة ، ويكبرونه على كل شرف ، رعاة الشمس ، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة ، يأتزرون على أوساطهم ، ويوضئون أطرافهم ، وأصواتهم بالليل في جو السماء أصوات النحل .

وقال عاصم بن عمر بن قتادة ، عن نملة بن أبي نملة ، عن أبيه قال : كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبهم ويعلمون الولدان صفته واسمه ومهاجره ، فلما ظهر حسدوا وبغوا .

وذكر أبو نعيم في دلائل النبوة من حديث سليمان بن سحيم ، ورميح بن عبد الرحمن ، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، قال : سمعت [ ص: 389 ] أبا مالك بن سنان ، يقول : جئت لبني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم ، ونحن يومئذ في هدنة من الحرب ، فسمعت يوشع اليهودي ، يقول : أظل خروج نبي يقال له : أحمد يخرج من الحرم ، فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلي كالمستهزئ به : ما صفته ؟ فقال : رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ، في عينيه حمرة ، يلبس الشملة ، ويركب الحمار ، وهذا البلد مهاجره ، قال : فرجعت إلى قومي بني خدرة ، وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع ، فأسمع رجلا منا يقول : ( هذا وحده يقوله ؟ ! ) كل يهود يثرب تقول هذا ، قال أبي : فخرجت حتى جئت يهود بني قريظة فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الزبير بن باطا : قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا بخروج نبي وظهوره ، ولم يبق أحد إلا أحمد هذه مهاجره .

قال أبو سعيد : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخبره أبي هذا الخبر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو أسلم الزبير وذووه من رؤساء يهود لأسلمت يهود كلها ، إنما هم لهم تبع
.

وقال النضر بن سلمة : حدثنا يحيى بن إبراهيم ، عن صالح بن محمد ، عن أبيه ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن محمد بن مسلمة قال : لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له يوشع ، فسمعته يقول وإني لغلام : قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت ، ثم أشار بيده إلى نحو بيت الله الحرام ، فمن أدركه فليصدقه ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمنا وهو بين أظهرنا ولم يسلم حسدا وبغيا .

قال النضر : وحدثنا عبد الجبار بن سعيد ، عن أبي بكر بن عبد الله العامري ، عن سليم بن يسار ، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت ، قال : ما كان في الأوس والخزرج رجل أوصف لمحمد من أبي عامر الراهب ، كان يألفه اليهود ويسألهم عن الدين [ ص: 390 ] ويخبرونه بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن هذه دار هجرته ، ثم خرج إلى يهود تيما فأخبروه بمثل ذلك ، ثم خرج إلى الشام فسأل النصارى فأخبروه بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن مهاجره يثرب ، فرجع أبو عامر وهو يقول : أنا على دين الحنيفية ، وأقام مترهبا ولبس المسوح ، وزعم أنه على دين إبراهيم وأنه ينتظر خروج النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما خرج وظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج إليه وأقام على ما كان عليه . فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حسده وبغى ونافق ، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد بم جئت ؟ بم بعثت ؟ قال : بالحنيفية ، قال : أنت تخلطها بغيرها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتيت بها بيضاء ، أين ما كان يخبرك به الأحبار من اليهود والنصارى من وصفي ؟ فقال : لست بالذي وصفوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كذبت ، فقال : ما كذبت ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : الكاذب أماته الله وحيدا طريدا ، قال : آمين ، ثم رجع إلى مكة وكان مع قريش يتبع دينهم وترك ما كان عليه ، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها طريدا غريبا وحيدا .

وقال الواقدي : حدثني محمد بن سعيد الثقفي ، وعبد الرحمن بن عبد العزيز في جماعة ، كل حدثني بطائفة من الحديث ، عن المغيرة بن شعبة ، أنه دخل على المقوقس ، وأنه قال له : إن محمدا نبي مرسل ، ولو أصاب القبط والروم اتبعوه ، قال المغيرة : فأقمت بالإسكندرية لا أدع كنيسة إلا دخلتها ، وسألت أساقفتها من قبطها ورومها عما يجد من صفة محمد صلى الله عليه وسلم . وكان أسقف من القبط وهو رأس كنيسة أبي محيس ، كانوا يأتون بمرضاهم فيدعو لهم ، لم أر أحدا لا يصلي الخمس أشد اجتهادا منه ، فقلت : أخبرني هل بقي أحد من الأنبياء ؟ قال : نعم وهو آخرهم ليس بينه وبين عيسى أحد ، وهو [ ص: 391 ] نبي قد أمرنا عيسى باتباعه ، وهو النبي الأمي العربي ، اسمه أحمد ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، في عينيه حمرة ، وليس بالأبيض ولا بالآدم يعفي شعره ، ويلبس ما غلظ من الثياب ، ويجتز بما لقي من الطعام ، سيفه على عاتقه ، ولا يبالي من لاقاه يباشر القتال بنفسه ، ومعه أصحابه يفدونه بأنفسهم ، هم له أشد حبا من أولادهم وآبائهم ، يخرج من أرض القرظ ، ومن حرم يذهب إلى حرم ، يهاجر إلى أرض سبخة ونخل ، يدين بدين إبراهيم ، يأتزر على وسطه ، ويغسل أطرافه ، ويخص بما لم يخص به الأنبياء قبله ، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعث إلى الناس كافة ، وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا ، أينما أدركته الصلاة تيمم وصلى ، ومن كان قبلهم مشدد عليهم ، لا يصلون إلا في الكنائس والبيع .

وقال الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا المسعودي ، عن فضيل بن هشام بن سعيد بن زيد ، عن أبيه ، عن جده سعيد بن زيد ، أن زيد بن عمرو ، وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل ، فقال لزيد : من أين أقبلت ؟ قال : من بيت إبراهيم ، قال : وما تلتمس ؟ قال : ألتمس الدين ، قال : ارجع فإنه يوشك أن يظهر الذي تطالب في أرضك ، فرجع وهو يقول : لبيك حقا حقا ، تعبدا ورقا .

وقال ابن قتيبة في كتاب الأعلام : حدثني يزيد بن عمرو ، حدثنا العلاء بن الفضل ، [ ص: 392 ] حدثني أبي ، عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية ، عن أبيه خليفة بن عبدة المنقري ، قال : سألت محمد بن عدي : كيف سماك أبوك محمدا ؟ قال : أما إني قد سألت أبي عما سألتني عنه ، فقال : خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدهم وسفيان بن مجاشع بن دارم ، ويزيد بن عمرو بن ربيعة ، وأسامة بن مالك بن جندب نريد ابن جفنة الغساني ، فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجرات وقرية ديراني فأشرف علينا ، وقال : إن هذه اللغة ما هي لأهل هذا البلد ، قلنا : نعم نحن قوم من مضر ، قال : من أي المضريين ؟ قلنا : من خندف ، قال : أما إنه سيبعث منكم وشيكا نبي ، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا ، فإنه خاتم النبيين ، واسمه محمد ، فلما انصرفنا من عند ابن جفنة الغساني ، وصرنا إلى أهلنا ، ولد لكل رجل منا غلام [ ص: 393 ] فسماه محمدا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكنيسة فإذا هو بيهود ، وإذا يهودي يقرأ عليهم التوراة ، فلما أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وسلم أمسكوا ، وفي ناحيتها رجل مريض ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما لكم أمسكتم ؟ قال المريض : إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا ، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة ، فقرأ حتى أتى على صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هذه صفتك وصفة أمتك : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم مات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : خذوا أخاكم .

وقال محمد بن سعد : حدثنا محمد بن عمر ، قال : حدثني سليمان بن داود بن الحصين ، عن أبيه ، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم ، عن أبي بن كعب ، قال : لما قدم تبع المدينة ونزل بقباء بعث إلى أحبار اليهود فقال : إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية ، ويرجع الأمر إلى العرب ، فقال له شموال اليهودي ، وهو يومئذ أعلمهم ، أيها الملك ! إن هذا بلد يكون إليه مهاجرة نبي من بني إسماعيل ، مولده بمكة ، اسمه أحمد ، وهذه دار هجرته . وإن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتل والجراح كثير من أصحابه وفي عدوهم ، قال تبع : ومن يقاتله يومئذ وهو نبي كما تزعمون ؟ قال : يسير إليه قومه فيقتتلون هاهنا ، قال : فأين قبره ، قال : بهذا البلد ، قال : فإذا قوتل لمن تكون الدائرة ؟ قال : تكون له مرة وعليه مرة ، وبهذا المكان الذي أنت به يكون عليه [ ص: 394 ] وتقتل أصحابه قتلا لم يقتلوه في موطن ، ثم تكون له العاقبة ، ويظهر فلا ينازعه في هذا الأمر أحد ، قال : وما صفته ؟ قال : رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ، في عينيه حمرة ، يركب البعير ، ويلبس الشملة ، سيفه على عاتقه ، لا يبالي من لاقى من أخ وابن عم أو عم ، حتى يظهر أمره ، قال تبع : ما إلى هذه البلد من سبيل ، وما كان يكون خرابها على يدي ، فخرج تبع منصرفا إلى اليمن .

قال يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه : لم يمت تبع حتى صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يهود يثرب يخبرونه ، وأن تبع مات مسلما .

وقال محمد بن سعد : حدثنا محمد بن عمر ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ، قال : كان الزبير بن باطا أعلم اليهود وكان يقول : إني وجدت سفرا كان أبي يكتمه علي ، فيه ذكر أحمد ، نبي يخرج بأرض القرظ ، صفته كذا وكذا ، فيحدث به الزبير بعد أبيه ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث بعد فما هو إلا أن سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة فعمد إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : ليس به .

قال محمد بن عمرو : وحدثني الضحاك بن عثمان ، عن مخرمة بن سليمان ، عن كريب ، عن ابن عباس ، قال : كان يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي صلى الله عليه وسلم عندهم قبل أن يبعث ، وإن دار هجرته بالمدينة ، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أحبار يهود : ولد أحمد الليلة ، هذا الكوكب قد طلع ، فلما تنبأ قالوا تنبأ أحمد ، قد طلع الكوكب ، كانوا يعرفون ذلك ويقرون به ويصفونه ، فما منعهم إلا الحسد والبغي .

[ ص: 395 ] وقال محمد بن سعد : أخبرنا علي بن محمد ، عن أبي عبيدة بن عبد الله ، وعبد الله بن محمد بن عمار بن ياسر وغيره ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات ، فلما كانت ليلة ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال في مجلس من مجالس قريش : هل كان فيكم من مولود هذه الليلة ؟ قالوا : لا نعلمه ، قال : انظروا يا معشر قريش ، احصوا ما أقول لكم ، ولد نبي هذه الأمة أحمد ، وبه شامة بين كتفيه ، فيها شعرات ، فتصدع القوم من مجالسهم ، وهم يعجبون من حديثه ، فلما صاروا في منازلهم ذكروه لأهاليهم ، فقيل لبعضهم : ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام وسماه محمدا ، فأتوا اليهودي في منزله فقالوا له : أعلمت أنه ولد فينا الليلة غلام ؟ فقال : أبعد خبري أم قبله ؟ فقالوا : قبله ، واسمه أحمد ، فقال : فاذهبوا بنا إليه ، فخرجوا معي حتى أتوا أمه ، فأخرجته إليهم ، فرأى الشامة في ظهره ، فغشي عليه - أي اليهودي - ، فلما أفاق ، قالوا : ما لك ؟ ويلك ! فقال : ذهبت النبوة من بني إسرائيل ، وخرج الكتاب من بين أيديهم ، وفازت العرب بالنبوة ، أفرحتم يا معشر قريش ؟ أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب .

قال ابن سعد : وأخبرنا علي بن محمد ، عن علي بن مجاهد ، عن محمد بن إسحاق ، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع ، عن أبي هريرة ، قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس ، فقال : أخرجوا إلي أعلمكم ، فقالوا : عبد الله بن صوريا ، فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فناشده بدينه وبما أنعم الله عليهم ، وأطعمهم من المن والسلوى ، وظللهم [ ص: 396 ] من الغمام ، أتعلم أني رسول الله ؟ قال : اللهم نعم ، وإن القوم ليعرفون ما أعرف ، وإن صفتك ونعتك لبين في التوراة ولكن حسدوك ، قال : فما يمنعك أنت ؟ قال : أكره خلاف قومي عسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم

وقال أبو الشيخ الأصبهاني : حدثنا أبو يحيى الرازي ، حدثنا سهيل بن عثمان ، حدثنا علي بن مسهر ، عن داود ، عن الشعبي ، قال : قال عمر بن الخطاب : كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة ، فأعجب من موافقة التوراة القرآن ، وموافقة القرآن للتوراة ، فقالوا : يا عمر ، ما أحد أحب إلينا منك لأنك تغشانا ، قلت : إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضا ، فبينا أنا عندهم ذات يوم إذ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : هذا صاحبك ، فقلت : أنشدكم الله وما أنزل عليكم من الكتاب ، أتعلمون أنه رسول الله ؟ فقال سيدهم : إنه قد نشدكم الله فأخبروه ، فقالوا : أنت سيدنا فأخبره ، فقال : إنا نعلم أنه رسول الله ، قلت : فأنى أهلككم إن كنتم تعلمون أنه رسول الله ثم لم تتبعوه ؟ قالوا : إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة ، عدونا جبريل وهو ملك الفظاظة والغلظة ، وسلمنا ميكائيل وهو ملك الرأفة والرحمة واللين . وجبريل صاحبه ، قلت : فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ميكائيل ، ولا لميكائيل أن يعادي سلم جبريل ، ولا أن يسالم عدوه ، ثم قمت فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا أقرئك آيات نزلت علي [ ص: 397 ] قلت : قل ، فتلا من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك الآية ، فقلت : والذي بعثك بالحق نبيا ما جئت إلا لأخبرك بقول اليهود ، قال عمر : فلقد رأيتني أشد في دين الله من حجر .

وذكر أبو نعيم من حديث عمرو بن عبسة ، قال : رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ، ورأيت أنها على الباطل يعبدون الحجرة وهي لا تضر ولا تنفع ، فلقيت رجلا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدين ؟ فقال : يخرج رجل من مكة ويرغب عن آلهة قومه ، ويأتي بأفضل الدين ، فإذا سمعت به فاتبعه ، فلم يكن لي هم إلا مكة آتيها فأسأل : هل حدث فيها خبر ؟ فيقولون : لا ، فأنصرف إلى أهلي ، وأعترض الركبان فأسألهم فيقولون : لا ، فإني لقاعد إذ مر بي راكب ، فقلت : من أين جئت ؟ قال : من مكة ، قلت : هل حدث حدث فيها ؟ قال : نعم ، رجل رغب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها ، قلت : صاحبي الذي أريد ، فشددت راحلتي وجئت فأسلمت .

وقال عبد الله بن سعيد : حدثنا موسى بن عبد الرحمن ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وعن مقاتل ، عن الضحاك ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن ثمانية من أساقفة نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم العاقب والسيد فأنزل الله تعالى : فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فقالوا : أخرنا ثلاثة أيام ، فذهبوا إلى بني قريظة والنضير وبني قينقاع فاستشاروهم فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه ، وهو النبي الذي نجده في التوراة والإنجيل ، فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألف حلة في صفر ، [ ص: 398 ] وألف حلة في رجب ودراهم . وقال يونس بن بكير ، عن قيس بن الربيع ، عن يونس بن أبي سلم ، عن عكرمة : أن ناسا من أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ، فلما بعث كفروا به ، فذلك قوله تعالى : فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون .

وقال ابن سعد : حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، عن موسى بن يعقوب الزمعي ، عن سهل مولى عثمة أنه كان نصرانيا ، وكان يتيما في حجر عمه وكان يقرأ الإنجيل ، قال : فأخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مرت بي ورقة أنكرت قراءتها ، فإذا هي ملصقة ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا قصير ولا طويل ، أبيض بين كتفيه خاتم النبوة ، يكثر الاجتباء ولا يقبل الصدقة ، ويركب الحمار والبعير ، ويحتلب الشاة ، ويلبس قميصا مرقوعا ، وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد ، قال : فجاء عمي فرأى الورقة فضربني ، وقال : ما لك وفتح هذه الورقة : فقلت : فيها نعت النبي أحمد ، فقال : إنه لم يأت بعد .

وقال وهب : أوحى الله إلى أشعيا أني مبتعث نبيا أفتح به آذانا صما وقلوبا غلفا ، أجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة معقوله ، والوقار والصدق طبيعته ، والعفو والمغفرة والمعروف خلقه ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأكثر به بعد القلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأؤلف به بين قلوب مختلفة ، وأهواء متشتتة وأمم [ ص: 399 ] مختلفة ، وأجعل أمته خير أمة ، وهم رعاة الشمس ، طوبى لتلك القلوب .

وذكر ابن أبي الدنيا في حديث عثمان بن عبد الرحمن : أن رجلا من أهل الشام من النصارى قدم مكة ، فأتى على نسوة قد اجتمعت في يوم عيد من أعيادهم ، وقد غاب أزواجهن في بعض أمورهم ، فقال : يا نساء تيماء إنه سيكون فيكم نبي يقال له أحمد ، وأيما امرأة منكن استطاعت أن تكون له فراشا فلتفعل ، فحفظت خديجة حديثه .

وقال عبد المنعم بن إدريس ، عن أبيه ، عن وهب ، قال في قصة داود ، وما أوحى الله تعالى إليه في الزبور : يا داود ، إنه سيأتي من بعدك نبي يسمى أحمد ومحمدا ، صادقا سيدا ، لا أغضب عليه أبدا ، ولا يغضبني أبدا ، قد غفرت له قبل أن يغضبني ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأمته مرحومة ، أعطيهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء ، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل ، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء قبلهم ، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم ، يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كما أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم ، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان ، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته لهم ، وما قدموا لآخرتهم من شيء ، طيبة به أنفسهم ، عجلت لهم أضعافا مضاعفة ، ولهم عندي في المدخور أضعافا مضاعفة ، وأفضل من ذلك ، وأعطيتهم على المصائب إذا صبروا واسترجعوا الصلاة والرحمة والهدى ، وإن دعوني استجبت لهم ، يا داود ، من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقا بها ، فهو معي في جنتي وكرامتي ، ومن لقيني وقد كذب محمدا أو كذب [ ص: 400 ] بما جاء به ، واستهزأ بكتابي ، صببت عليه في قبره العذاب صبا ، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره في قبره ، ثم أدخله الدرك الأسفل من النار .

وقال عفان : حدثنا همام ، عن قتادة ، عن زراة بن أوفى ، عن مطرف بن مالك أنه قال : شهدت فتح تستر مع الأشعري فأصبنا قبر دانيال بالسويس ، وكانوا إذا استسقوا خرجوا فاستسقوا به فوجدوا معه رقعة فطلبها نصراني من الحيرة يسمى نعيما فقرأها ، وفي أسفلها : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين فأسلم فيهم يومئذ اثنان وأربعون حبرا ، وذلك في خلافة معاوية فأتحفهم وأعطاهم . قال همام : فأخبرني بسطام بن مسلم أن معاوية بن قرة قال : تذاكرنا الكتاب إلى ما صار ، فمر علينا شهر بن حوشب فدعوناه ، فقال : على الخبير سقطت ، إن الكتاب كان عند كعب فلما احتضر قال : ألا أئتمنه على أمانة يؤديها ؟ قال شهر : فقال ابن عم لي يكنى أبا لبيد : أنا ، فدفع إليه الكتاب ، فقال : إذا بلغت موضع كذا وكذا فاركب قرقورام ثم اقذف به في البحر ففعل ، فانفرج الماء فقذفه فيه ، ورجع إلى كعب فأخبره ، فقال : صدقت إنه من التوراة التي أنزلها الله عز وجل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث