الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وأما بيان ماهية الرجعة فالرجعة عندنا : استدامة الملك القائم ، ومنعه من الزوال ، وفسخ السبب المنعقد لزوال الملك ، وعند الشافعي : هي استدامة من وجه ، وإنشاء من وجه بناء ، على أن الملك عنده قائم من وجه ، زائل من وجه ، وهو عندنا قائم من كل وجه ، وعلى هذا ينبني أن الشهادة ليست بشرط لجواز الرجعة عندنا ، وعنده شرط وجه البناء أن الشهادة شرط ابتداء العقد ، وإنشائه لا شرط البقاء ، والرجعة استيفاء العقد عندنا ، فلا يشترط له الشهادة ، وعنده هي استيفاء من وجه ، وإنشاء من وجه فيشترط لها الشهادة من حيث هي إن شاء لا من حيث هي استيفاء فصح البناء ، ثم الكلام فيه على وجه الابتداء احتج الشافعي بقوله تعالى { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } فظاهر الأمر وجوب العمل فيقتضي وجوب الشهادة .

ولنا نصوص الرجعة من الكتاب ، والسنة مطلقة عن شرط الإشهاد إلا أنه يستحب الإشهاد عليها إذ لو لم يشهد لا يأمن من أن تنقضي العدة ، فلا تصدقه المرأة في الرجعة ، ويكون القول قولها بعد انقضاء العدة فندب إلى الإشهاد لهذا .

وعلى هذا تحمل الآية الكريمة ، وفي الآية ما يدل عليه ; لأنه - سبحانه ، وتعالى - قال : { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } جمع بين الفرقة ، والرجعة ، أمر سبحانه بالإشهاد بقوله { ، وأشهدوا ذوي عدل منكم } ، ومعلوم أن الإشهاد على الفرقة ليس بواجب بل هو مستحب .

كذا على الرجعة أو تحمل على هذا توفيقا بين النصوص بقدر الإمكان ، وكذا لا مهر في الرجعة ولا يشترط فيها رضا المرأة ; لأنها من شرائط ابتداء العقد لا من شرط البقاء ، وكذا إعلامها بالرجعة ليس بشرط حتى لو لم يعلمها بالرجعة جازت ; لأن الرجعة حقه على الخلوص لكونه تصرفا في ملكه بالاستيفاء ، والاستدامة ، فلا يشترط فيه إعلام الغير كالإجازة في الخيار لكنه مندوب إليه ، ومستحب ; لأنه إذا راجعها ولم يعلمها بالرجعة فمن الجائز أنها تتزوج عند مضي ثلاث حيض ظنا منها أن عدتها قد انقضت ، فكان ترك الإعلام فيه تسببا إلى عقد حرام عسى فاستحب له أن يعلمها .

ولو راجعها ولم يعلمها حتى انقضت مدة عدتها ، وتزوجت بزوج آخر ثم جاء زوجها الأول فهي امرأته سواء كان دخل بها الثاني أو لم يدخل ، ويفرق بينها ، وبين الثاني ; لأن الرجعة قد صحت بدون علمها فتزوجها الثاني ، وهي امرأة الأول فلم يصح ، ، وعلى هذا تبنى الرجعة بالفعل بأن جامعها أنها جائزة عندنا ، وعند الشافعي لا يجوز الرجعة إلا بالقول وجه البناء على هذا الأصل أن الرجعة عنده إنشاء النكاح من وجه ، وإنشاء النكاح من كل وجه لا يجوز إلا بالقول ، فكذا إنشاؤه من وجه ، وعندنا هي استدامة النكاح من كل وجه ، فلا تختص بالقول ، ويبنى أيضا على حل الوطء ، وحرمته .

وجه البناء أن الوطء لما كان حلالا عندنا فإذا وطئها فلو لم يجعل الوطء دلالة الرجعة ، وربما لا يراجعها بالقول بل يتركها حتى تنقضي عدتها فيزول الملك عند انقضاء العدة بالطلاق السابق ; لأنه لا فعل منه إلا ذلك فيزول الملك مستندا إلى وقت وجود الطلاق فتبين أن الملك كان زائلا من وقت الطلاق من وجه ، فيظهر أن الوطء كان حراما ، فجعل الإقدام على الوطء دلالة الرجعة صيانة له عن الحرام [ ص: 182 ] وعنده لما كان الوطء حراما لا يقدم عليه ، فلا ضرورة إلى جعله دلالة الرجعة ثم ابتداء الدليل في المسألة قوله تعالى { ، وبعولتهن أحق بردهن } سمى الرجعة ردا ، والرد لا يختص بالقول كرد المغصوب ، ورد الوديعة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم { على اليد ما أخذت حتى ترده } وقوله تعالى { فأمسكوهن بمعروف } وقوله - عز وجل - { فإمساك بمعروف } سمى الرجعة إمساكا ، والإمساك حقيقة يكون بالفعل ، وكذا إن جامعته ، وهو نائم أو مجنون ; لأن ذلك حلال لها عندنا فلو لم يجعل رجعة لصارت مرتكبة للحرام على تقدير انقضاء العدة من غير رجعة من الزوج فجعل ذلك منها رجعة شرعا ضرورة التحرز عن الحرام ; ولأن جماعها كجماعه لها في باب التحريم ، فكذا في باب الرجعة .

وكذلك إذا لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها عن شهوة فهو مراجع لما قلنا ، وإن لمس أو نظر لغير شهوة لم يك رجعة ; لأن ذلك حلال في الجملة .

ألا ترى أن القابلة ، والطبيب ينظران إلى الفرج ، ويمس الطبيب عند الحاجة إليه بغير شهوة ، فلا ضرورة إلى جعله رجعة ، وكذلك إذا نظر إلى غير الفرج لشهوة ; لأن ذلك أيضا مباح في الجملة .

ويكره التقبيل ، واللمس لغير شهوة إذا لم يرد به المراجعة ، وكذا يكره أن يراها متجردة لغير شهوة .

كذا قال أبو يوسف ; لأنه لا يأمن من أن يشتهي فيصير مراجعا من غير إشهاد ، وذلك مكروه ، وكذا لا يأمن من الإضرار بها لجواز أن يشتهي فيصير به مراجعا ، وهو لا يريد إمساكها فيطلقها فتطول العدة عليها فتتضرر به والله تعالى نهى عن ذلك بقوله { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } ، وكذا قال أبو يوسف أن الأحسن إذا دخل عليها أن يتنحنح ، ويسمعها خفق نعليه ليس من أجل أنها حرام ولكن لا يأمن من أن يرى الفرج بشهوة فيكون رجعة بغير إشهاد ، وهذه عبارة أبي يوسف ولو نظر إلى دبرها موضع خروج الغائط بشهوة لم يكن ذلك رجعة كذا ذكر في الزيادات ، وهو قول محمد الأخير ، وكان يقول أولا إنه يكون رجعة ثم رجع ، حكى إبراهيم بن رستم رجوعه ، وهو قياس قول أبي حنيفة ; لأن ذلك السبيل لا يجري مجرى الفرج .

ألا ترى أن الوطء فيه لا يوجب الحد عنده فكان النظر إليه كالنظر إلى سائر البدن ; ولأن النظر إلى الفرج بشهوة إنما كان رجعة لكون الوطء حلالا تقريرا للحل صيانة عن الحرام ، والنظر إلى هذا المحل عن شهوة مما لا يحتمل الحل بحال كما أن الفعل فيه لا يحتمل الحل بحال ، فلا يصلح دليلا على الرجعة .

ولو نظرت إلى فرجه بشهوة قال أبو يوسف : قياس قول أبي حنيفة أن يكون رجعة ، وهذا قبيح ولا يكون رجعة ، وكذا قال أبو يوسف ، والصحيح قياس قول أبي حنيفة لما ذكرنا فيما إذا جامعته ، وهو نائم أو مجنون ; ولأن النظر حلال لها كالوطء فيجعل رجعة تقريرا للحل وصيانة عن الحرمة ; ولأن النظرين يستويان في التحريم .

ألا ترى أن نظرها إلى فرجه كنظره إلى فرجها في التحريم فكذا في الرجعة .

ولو لمسته لشهوة مختلسة أو كان نائما أو اعترف الزوج أنه كان بشهوة فهو رجعة في قول أبي حنيفة ، ومحمد .

وقال أبو يوسف ليس برجعة فأبو حنيفة سوى بينها ، وبين الجارية المشتراة بشرط الخيار للمشتري إذا لمست المشتري أنه يبطل خياره ، ومحمد فرق بينهما فقال : ههنا يكون رجعة ، وهناك لا يكون إجازة للبيع ، وعن أبي يوسف في الجارية روايتان : في رواية فرق فقال : ثمة يكون إجازة للبيع ، وههنا لا يكون رجعة ، وفي رواية سوى بينهما فقال : فعلها لا يكون رجعة ههنا ولا فعل الأمة يكون إجازة ثمة ، فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق بين المسألتين ، ووجه الفرق له على الرواية الأخرى أن بطلان الخيار لا يقف على فعل المشتري بل قد يبطل بغير فعله كما إذا تعيبت في يده بآفة سماوية ، فأما الرجعة ، فلا يجوز أن تثبت إلا باختيار الزوج حتى قال أبو يوسف : إنها إذا لمسته فتركها ، وهو يقدر على منعها كان ذلك رجعة ; لأنه لما مكنها من اللمس فقد حصل ذلك باختياره فصار كأنه لمسها ، وكذلك قال أبو يوسف : إذا ابتدأت اللمس ، وهو مطاوع لها أنه يكون رجعة لما قلنا ، ووجه الفرق لمحمد أن إسقاط الخيار إدخال الشيء في ملك المشتري ، والأمة لا تملك ذلك وليست الرجعة إدخال المرأة على ملك الزوج ; لأنها على ملكه فلو جعلناه بفعلها لم تملكه ما لم يكن ملكا له فصحت الرجعة ، ولأبي حنيفة على نحو ما ذكرنا ، وهو أن اللمس حلال من الجانبين عندنا فلزم تعذر الحل فيه ، وصيانته عن الحرمة ، وذلك يجعله رجعة على ما سبق بيانه كما قال في الجارية إن اللمس منها لو لم يجعل إجازة للبيع ، وربما يفسخ فيتبين أن اللمس حصل في ملك الغير من وجه ، وما [ ص: 183 ] ذكره أبو يوسف أن الرجعة لا تعتبر بغير اختيار الزوج يشكل بما إذا جامعته ، وهو نائم أنه تثبت الرجعة من غير اختيار الزوج ، وما ذكر محمد أن إسقاط الخيار إدخال المبيع في ملك المشتري وليس بممنوع بل المبيع يدخل في ملكه بالسبب السابق عند سقوط الخيار على أن هذا فرقا بين المسألتين فيما وراء المعنى المؤثر ، والفرق بين المسألتين فيما وراء المعنى المؤثر لا يقدح في الجمع بينهما في المعنى المؤثر .

قال محمد : ولو صدقها الورثة بعد موته أنها لمسته بشهوة لكان ذلك رجعة ; لأن الورثة قاموا مقامه فكأنه صدقها قبل موته ، ولو شهد الشهود أنها قبلته لشهوة لم تقبل شهادتهم ; لأن الشهوة معنى في القلب لا يقف عليه الشهود ، فلا تقبل شهادتهم فيه ، وإن شهدوا على الجماع قبلت ; لأن الجماع معنى يوقف عليه ، ويشاهد ولا يحتاج إلى شرط الشهوة فتقبل فيه الشهادة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث