الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة تسع وتسعين وأربعمائة

جزء التالي صفحة
السابق

ذكر حال طرابلس الشام مع الفرنج

كان صنجيل الفرنجي ، لعنه الله ، قد ملك مدينة جبلة ، وأقام على طرابلس يحصرها ، فحيث لم يقدر أن يملكها ، بنى بالقرب منها حصنا ، وبنى تحته ربضا ، وأقام مراصدا لها ، ومنتظرا وجود فرصة فيها ، فخرج فخر الملك أبو علي بن عمار ، صاحب طرابلس ، فأحرق ربضه ، ووقف صنجيل على بعض سقوفه المتحرقة ، ومعه جماعة من القمامصة والفرسان ، فانخسف بهم ، فمرض صنجيل من ذلك عشرة أيام ومات ، وحمل إلى القدس فدفن فيه .

ثم إن ملك الروم أمر أصحابه باللاذقية ليحملوا الميرة إلى هؤلاء الفرنج الذين على طرابلس ، فحملوها في البحر ، فأخرج إليها فخر الملك بن عمار أسطولا ، فجرى [ ص: 527 ] بينهم وبين الروم قتال شديد ، فظهر المسلمون بقطعة من الروم ، فأخذوها ، وأسروا من كان بها وعادوا .

ولم تزل الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت ، فعدمت الأقوات به ، وخاف أهله على نفوسهم وأولادهم وحرمهم ، فجلا الفقراء ، وافتقر الأغنياء ، وظهر من ابن عمار صبر عظيم ، وشجاعة ، ورأي سديد .

ومما أضر بالمسلمين فيها أن صاحبها استنجد سقمان بن أرتق فجمع العساكر وسار إليه ، فمات في الطريق ، على ما ذكرناه ، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه .

وأجرى ابن عمار الجرايات على الجند والضعفى ، فلما قلت الأموال عنده شرع يقسط على الناس ما يخرجه في باب الجهاد ، فأخذ من رجلين من الأغنياء مالا مع غيرهما ، فخرج الرجلان إلى الفرنج وقالا : إن صاحبنا صادرنا ، فخرجنا إليكم لنكون معكم ، وذكرا لهم أنه تأتيه الميرة من عرقة والجبل ، فجعل الفرنج جمعا على ذلك الجانب يحفظه من دخول شيء إلى البلد ، فأرسل ابن عمار وبذل للفرنج مالا كثيرا ليسلموا الرجلين إليه ، فلم يفعلوا فوضع عليهما من قتلهما غيلة ، وكانت طرابلس من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجملا وثروة ، فباع أهلها من الحلى ، والأواني الغربية ، ما لا حد عليه ، حتى بيع كل مائة درهم نقرة بدينار .

وشتان بين هذه الحالة وبين حال الروم أيام السلطان ألب أرسلان ، وقد ذكرت ظفره بهم سنة ثلاث وستين وأربعمائة ، وقد كان بعض أصحابه ، وهو كمشتكين دواتي عميد الملك ، هرب منه خوفا لما قبض على صاحبه عميد الملك ، وسار إلى الرقة فملكها ، وصار معه كثير من التركمان ، فيهم : الأفشين ، وأحمد شاه ، فقتلاه ، وأرسلا أمواله إلى ألب أرسلان ، ودخل الأفشين بلاد الروم ، وقاتل الفردوس ، صاحب أنطاكية ، فهزمه ، وقتل من الروم خلقا كثيرا .

وسار ملك الروم من القسطنطية إلى ملطية ، فدخل الأفشين بلاده ووصل إلى عمورية ، وقتل في غزاته مائة ألف آدمي ، ولما عاد إلى بلاد الإسلام وتفرق من معه عليه خرج عسكر الرها ، وهي حينئذ للروم ، ومعهم بنو نمير من العرب ، فقاتلهم ، ومعه مائتا فارس ، فهزمهم ونهبهم ، ونهب بلاد الروم ، فأرسل ملك الروم رسولا إلى القائم [ ص: 528 ] بأمر الله يسأله الصلح فأرسل إلى ألب أرسلان في ذلك ، فصالح الروم على مائة ألف دينار ، وأربعة آلاف ثوب أصنافا ، وثلاثمائة رأس بغالا .

فشتان بين الحالتين .

وأقول شتان بين حال أولئك المرذولين الذين استعجزهم ، وبين حال الناس في زماننا هذا ، وهو سنة ست عشرة وستمائة مع الفرنج أيضا والتتر ، وسترى ذلك مشروحا ، إن شاء الله تعالى ، لتعلم الفرق ، نسأل الله تعالى أن ييسر للإسلام وأهله قائما يقوم بنصرهم ، وأن يدفع عنهم بمن أحب من خلقه ، وما ذلك على الله بعزيز .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث