الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة إحدى وخمسمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر قدوم ابن عمار بغداذ مستنفرا

في هذه السنة ، في شهر رمضان ، ورد القاضي فخر الملك أبو علي بن عمار ، صاحب طرابلس الشام ، إلى بغداذ ، قاصدا باب السلطان محمد ، مستنفرا على الفرنج ، طالبا تسيير العساكر لإزاحتهم ، والذي حثه على ذلك أنه لما طال حصر الفرنج لمدينة طرابلس ، على ما ذكرناه ، ضاقت عليه الأقوات وقلت ، واشتد الأمر عليه ، وعلى أهل البلد ، فمن الله عليهم ، سنة خمسمائة ، بميرة في البحر من جزيرة قبرس ، وأنطاكية ، وجزائر البنادقة ، فاشتدت قلوبهم وقووا على حفظ البلد ، بعد أن كانوا استسلموا .

فلما بلغ فخر الملك انتظام الأمور للسلطان محمد وزوال كل مخالف رأى لنفسه وللمسلمين قصده والانتصار به ، فاستناب بطرابلس ابن عمه ذا المناقب ، وأمر بالمقام بها ، ورتب معه الأجناد برا وبحرا ، وأعطاهم جامكية ستة أشهر سلفا ، وجعل كل موضع إلى من يقوم بحفظه ، بحيث إن ابن عمه لا يحتاج إلى فعل شيء من ذلك ، وسار إلى دمشق ، فأظهر ابن عمه الخلاف له ، والعصيان عليه ، ونادى بشعار المصريين ، فلما عرف فخر الملك ذلك كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه ، وحمله إلى حصن الخوابي ، ففعلوا ما أمرهم .

وكان ابن عمار قد استصحب معه الهدايا ما لم يوجد عند ملك مثله من الأعلاق النفيسة ، والأشياء الغريبة ، والخيل الرائقة ، فلما وصلها لقيه عسكرها ، وطغتكين أتابك ، وخيم على ظاهر البلد ، وسأله طغتكين الدخول إليه ، فدخل يوما واحدا إلى الطعام ، وأدخله حمامه ، وسار عنها ومعه ولد طغتكين يشيعه .

[ ص: 559 ] فلما وصل إلى بغداذ أمر السلطان الأمراء كافة بتلقيه وإكرامه ، وأرسل إليه شبارته وفيها دسته الذي يجلس عليه ليركب فيها ، فلما نزل إليها قعد بين يدي موضع السلطان ، فقال له من بها من خواص السلطان : قد أمرنا أن يكون جلوسك في دست السلطان ، فلما دخل على السلطان أجلسه ، وأكرمه ، وأقبل عليه بحديثه .

وسير الخليفة خواصه ، وجماعة أرباب المناصب ، فلقوه ، وأنزله الخليفة وأجرى عليه الجراية العظيمة ، وكذلك أيضا فعل السلطان ، وفعل معه ما لم يفعل مع الملوك الذين معهم أمثاله ، وهذا جميعه ثمرة الجهاد في الدنيا ، ولأجر الآخرة أكبر .

ولما اجتمع بالسلطان قدم هديته ، وسأل السلطان عن حاله ، وما يعانيه في مجاهدة الكفار ، ويقاسيه من ركوب الخطوب في قتالهم ، فذكر له حاله ، وقوة عدوه ، وطول حصره ، وطلب النجدة ، وضمن أنه إذا سيرت العساكر معه أوصل إليهم جميع ما يلتمسونه ، فوعده السلطان بذلك ، وحضر دار الخلافة ، وذكر أيضا نحوا مما ذكره عند السلطان ، وحمل هدية جميلة نفيسة ، وأقام إلى أن رحل السلطان عن بغداذ في شوال ، فأحضره عنده بالنهروان ، وقد تقدم إلى الأمير حسين بن أتابك قتلغ تكين ليسير معه العساكر التي سيرها إلى الموصل مع الأمير مودود لقتال جاولي سقاوو ، ليمضوا معه إلى الشام ، وخلع عليه السلطان خلعا نفيسة ، وأعطاه شيئا كثيرا ، وودعه ، وسار ومعه الأمير حسين فلم يجد ذلك نفعا ، وكان ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى .

ثم إن فخر الملك بن عمار عاد إلى دمشق منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسمائة ، فأقام بها أياما ، وتوجه منها مع عسكر من دمشق إلى جبلة ، فدخلها وأطاعه أهلها .

[ ص: 560 ] وأما أهل طرابلس ، فإنهم راسلوا الأفضل أمير الجيوش بمصر يلتمسون منه واليا يكون عندهم ، ومعه الميرة في البحر ، فسير إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب واليا ، ومعه الغلة وغيرها مما تحتاج إليه البلاد في الحصار ، فلما صار فيها قبض على جماعة من أهل ابن عمار وأصحابه ، وأخذ ما وجده من ذخائره وآلاته وغير ذلك ، وحمل الجميع إلى مصر في البحر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث