الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 115 ] ذكر فتح مكة

وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد غزوة مؤتة جمادى الآخرة ورجبا ، ثم إن بني بكر بن عبد مناة عدت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له : الوتير ، وكانت خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبكر في عهد قريش في صلح الحديبية ، وكان سبب ذلك أن رجلا من بني الحضرمي اسمه مالك بن عباد ، وكان حليفا للأسود بن رزن الدئلي ، ثم البكري في الجاهلية خرج تاجرا ، فلما كان بأرض خزاعة قتلوه وأخذوا ماله ، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه ، فعدت خزاعة على بني الأسود بن رزن ، وهم سلمى ، وكلثوم ، وذؤيب ، فقتلوهم بعرفة ، وكانوا من أشراف بني بكر ، فبينما خزاعة وبكر على ذلك جاء الإسلام واشتغل الناس به ، فلما كان صلح الحديبية ودخلت خزاعة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخلت بكر في عهد قريش ، اغتنمت بكر تلك الهدنة ، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرهم بقتل بني الأسود ، فخرج نوفل بن معاوية الدئلي بمن تبعه من بكر حتى بيت خزاعة على ماء الوتير .

وقيل : كان سبب ذلك أن رجلا من خزاعة سمع رجلا من بكر ينشد هجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فشجه ، فهاج الشر بينهم ، وثارت بكر بخزاعة حتى بيتوهم بالوتير ، وأعانت قريش بني بكر على خزاعة بسلاح ودواب ، وقاتل معهم جماعة من قريش مختفين ، منهم : صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهل بن عمرو ، فانحازت خزاعة إلى الحرم ، وقتل منهم نفر . فلما دخلت خزاعة الحرم ، قالت بكر : يا نوفل ، إنا قد دخلنا الحرم ، إلهك إلهك ! فقال : لا إله له اليوم ، يا بني بكر أصيبوا ثأركم ، فلعمري إنكم لتسرفون في الحرم ، أفلا تصيبون ثأركم فيه ؟

فلما نقضت بكر وقريش العهد الذي بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج عمرو بن سالم الخزاعي ، ثم الكعبي ، حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فوقف عليه ، ثم قال :

[ ص: 116 ]

لاهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا     فوالدا كنا وكنت ولدا
ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا     فانصر رسول الله نصرا أعتدا
وادع عباد الله يأتوا مددا     فيهم رسول الله قد تجردا
أبيض مثل البدر ينمي صعدا     إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا     إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا     وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا     وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا     فقتلونا ركعا وسجدا



فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : قد نصرت يا عمرو بن سالم ! ثم عرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنان من السماء فقال : إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب .

وكان بين عبد المطلب وخزاعة حلف قديم ، فلهذا قال عمرو بن سالم :

حلف أبينا وأبيه الأتلدا

ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فنادوه وهو يغتسل ، فقال : يا لبيكم ! وخرج إليهم ، فأخبروه الخبر ثم انصرفوا راجعين إلى مكة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليجدد العهد خوفا ، ويزيد في المدة .

ومضى بديل فلقي أبا سفيان بعسفان يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - ليجدد العهد خوفا منه ، فقال لبديل : من أين أقبلت ؟ قال : من خزاعة في الساحل وبطن هذا الوادي . قال : أوما أتيت محمدا ؟ قال : لا . فقال أبو سفيان لأصحابه لما راح بديل : انظروا بعر ناقته ، فإن جاء المدينة لقد علف النوى . فنظروا بعر الناقة ، فرأوا فيه النوى .

[ ص: 117 ] ثم خرج أبو سفيان حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي ، فلما أراد أن يجلس على فراش رسول الله طوته عنه . فقال : أرغبت به عني أم رغبت بي عنه ؟ فقالت : هو فراش رسول الله ، وأنت مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس عليه . فقال : لقد أصابك بعدي شر . ثم خرج حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلمه ، فلم يرد عليه شيئا ، ثم أتى أبا بكر فكلمه ليكلم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما أنا بفاعل . ثم أتى عمر فكلمه فقال : أنا أشفع لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به . ثم خرج حتى أتى عليا وعنده فاطمة والحسن غلام ، فكلمه في ذلك ، فقال له : والله لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر لا نستطيع أن نكلمه فيه . فقال لفاطمة : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري ابنك هذا أن يجير بين الناس فيكون سيد العرب ؟ فقالت : ما بلغ ابني أن يجير بين الناس ، وما يجير على رسول الله أحد . فالتفت إلى علي فقال له : أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني . قال : أنت سيد كنانة ، فقم فأجر بين الناس والحق بأرضك . فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس ، قد أجرت بين الناس . ثم ركب بعيره وقدم مكة ، وأخبر قريشا ما جرى له وما أشار به علي عليه . فقالوا له : والله ما زاد على أن يسخر بك .

ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجهز وأمر الناس بالتجهز إلى مكة ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها . فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يعلمهم الخبر ، وسيره مع امرأة من مزينه اسمها كنود ، وقيل : مع سارة مولاة لبني المطلب . فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا والزبير ، فأدركاها وأخذا منها الكتاب ، وجاءا به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحضر حاطبا وقال له : ما حملك على هذا ؟ فقال : والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، ما بدلت ولا غيرت ، ولكن لي بين أظهرهم أهل وولد ، وليس لي عشيرة ، فصانعتهم عليهم . فقال عمر : دعني أضرب عنقه ؛ فإنه قد نافق . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : وما يدريك يا عمر ؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، وأنزل الله في حاطب : ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إلى آخر الآية .

ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين [ ص: 118 ] الغفاري ، وخرج لعشر مضين من رمضان ، وفتح مكة لعشر بقين منه ، فصام حتى بلغ ما بين عسفان وأمج ، فأفطروا ، واستوعب معه المهاجرون والأنصار ، فسبعت سليم ، وألفت مزينة ، وفي كل القبائل عدد وإسلام ، وأدركه عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس ، ولقيه العباس بن عبد المطلب بالسقيا ، وقيل : بذي الحليفة ، مهاجرا ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرسل رحله إلى المدينة ويعود معه ، وقال له : أنت آخر المهاجرين ، وأنا آخر الأنبياء .

ولقيه أيضا مخرمة بن نوفل ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وعبد الله بن أمية بنيق العقاب ، فالتمسا الدخول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلمته أم سلمة فيهما وقالت له : ابن عمك وابن عمتك . قال : لا حاجة لي بهما ، أما ابن عمي فهتك عرضي ، وأما ابن عمتي فهو الذي قال بمكة ما قال . فلما سمعا ذلك وكان مع أبي سفيان ابن له اسمه جعفر ، فقال : والله ليأذن لي ، أو لآخذن بيد ابني هذا ، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا . فرق لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأدخلهما إليه ، فأسلما .

وقيل : إن عليا قال لأبي سفيان بن الحارث : ائت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل وجهه ، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف : تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه فعلا ولا قولا ، ففعل ذلك . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، وقربهما ، فأسلما ، وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما مضى :

لعمرك إني يوم أحمل راية     لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله     فهذا أواني حين أهدى وأهتدي
وهاد هداني غير نفسي ونالني     مع الله من طردت كل مطرد



الأبيات . فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره وقال : أنت طردتني كل مطرد ؟
.

[ ص: 119 ] وقيل : إن أبا سفيان لم يرفع رأسه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حياء منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث