الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 65 ] 585

ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة

ذكر فتح شقيف أرنون

في هذه السنة ، في ربيع الأول ، سار صلاح الدين إلى شقيف أرنون ، وهو من أمنع الحصون ، ليحصره ، فنزل صاحب الشقيف ، وهو أرناط صاحب صيدا ، وكان أرناط هذا لمن أعظم الناس دهاء ومكرا ، فدخل إليه واجتمع به ، وأظهر له الطاعة والمودة .

وقال له : أنا محب لك ، ومعترف بإحسانك ، وأخاف أن يعرف المركيس ما بيني وبينك ، فينال أولادي وأهلي منه أذى ، فإنهم عنده ، فأشتهي أن تمهلني حتى أتوصل في تخليصهم من عنده ، وحينئذ أحضر أنا وهم عندك ، ونسلم الحصن إليك ، ونكون في خدمتك ، نقنع بما تعطينا من إقطاع فظن صلاح الدين صدقه ، فأجابه إلى ما سأل ، فاستقر الأمر بينهما أن يسلم الشقيف في جمادى الآخرة .

وأقام صلاح الدين بمرج عيون ينتظر الميعاد ، وهو قلق مفكر ، لقرب انقضاء مدة الهدنة بينه وبين البيمند ، صاحب أنطاكية ، فأمر تقي الدين ابن أخيه أن يسير في من معه من عساكره ، ومن يأتي من بلاد المشرق ، ويكون مقابل أنطاكية لئلا يغير صاحبها على بلاد الإسلام عند انقضاء الهدنة .

وكان أيضا منزعج الخاطر ، كثير الهم ، لما بلغه من اجتماع الفرنج بمدينة صور ، [ ص: 66 ] وما يتصل بهم من الأمداد في البحر ، وأن ملك الفرنج الذي كان قد أسره صلاح الدين وأطلقه ، بعد فتح القدس ، قد اصطلح هو والمركيس ، بعد اختلاف كان بينهما ، وأنهم قد اجتمعوا في خلق ، لا يحصون ، فإنهم قد خرجوا من مدينة صور إلى ظاهرها .

فكان هذا وأشباهه مما يزعجه ، ويخاف من ترك الشقيف وراء ظهره والتقدم إلى صور‍ وفيها الجموع المتوافرة فتنقطع الميرة عنه ، إلا أنه مع هذه الأشياء مقيم على العهد مع أرناط صاحب الشقيف .

وكان أرناط ، في مدة الهدنة ، يشتري الأقوات من سوق العسكر والسلاح وغير ذلك مما يحصن به شقيفه ، وكان صلاح الدين يحسن الظن ، وإذا قيل له عنه مما هو فيه من المكر ، وإن قصده المطاولة إلى أن يظهر الفرنج من صور ، وحينئذ يبدي فضيحته ، ويظهر مخالفته لا يقبل فيه .

فلما قارب انقضاء الهدنة تقدم صلاح الدين من معسكره إلى القرب من شقيف أرنون وأحضر عنده أرناط ، وقد بقي من الأجل ثلاثة أيام . فقال له في معنى تسليم الشقيف ، فاعتذر بأولاده وأهله ، وأن المركيس يمكنهم من المجيء إليه وطلب التأخير مدة أخرى .

فحينئذ علم السلطان مكره وخداعه ، فأخذه وحبسه ، وأمره بتسليم الشقيف ، فطلب قسيسا ، ذكره ، ليحمله رسالة إلى من بالشقيف ليسلموه ، فأحضروه عنده ، فساره بما لم يعلموا ، فمضى ذلك القسيس إلى الشقيف ، فأظهر أهله العصيان ، فسير صلاح الدين أرناط إلى دمشق وسجنه ، وتقدم إلى الشقيف فحصره وضيق عليه ، وجعل ، عليه من يحفظه ، ويمنع عنه الذخيرة والرجال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث