الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة أربع عشرة وستمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر مدينة دمياط وعودها إلى المسلمين

كان من أول هذه الحادثة إلى آخرها أربع سنين غير شهر ، وإنما ذكرناها هاهنا ؛ لأن ظهورهم كان فيها وسقناها سياقة متتابعة ليتلو بعضها بعضا ، فنقول : في هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في البحر من رومية الكبرى وغيرها من بلاد الفرنج في الغرب والشمال ، إلا أن المتولي لها كان صاحب رومية ، لأنه يتنزل عند الفرنج بمنزلة عظيمة ، لا يرون مخالفة أمره ولا العدول عن حكمه فيما سرهم وساءهم ، فجهز العساكر من عنده مع جماعة من مقدمي الفرنج ، وأمر غيره من ملوك الفرنج إما أن يسير بنفسه ، أو يرسل جيشا ، ففعلوا ما أمرهم فاجتمعوا بعكا من ساحل الشام .

وكان الملك العادل أبو بكر بن أيوب بمصر ، فسار منها إلى الشام ، فوصل إلى الرملة ، ومنها إلى لد ، وبرز الفرنج من عكا ليقصدوه ، فسار العادل نحوهم ، فوصل إلى نابلس عازما على أن يسبقهم إلى أطراف البلاد مما يلي عكا ليحميها منهم ، [ ص: 303 ] فساروا هم فسبقوه ، فنزل على بيسان من الأردن ، فتقدم الفرنج إليه في شعبان عازمين على محاربته لعلمهم أنه في قلة من العسكر ، لأن العساكر كانت متفرقة في البلاد .

فلما رأى العادل قربهم منه لم ير أن يلقاهم في الطائفة التي معه ، خوفا من هزيمة تكون عليه ، وكان حازما ، كثير الحذر ، ففارق بيسان نحو دمشق ليقيم بالقرب منها ، ويرسل إلى البلاد ويجمع العساكر ، فوصل إلى مرج الصفر فنزل فيه .

وكان أهل بيسان ، وتلك الأعمال ، لما رأوا الملك العادل عندهم اطمأنوا ، فلم يفارقوا بلادهم ظنا منهم أن الفرنج لا يقدمون عليه ، فلما أقدموا سار على غفلة من الناس ، فلم يقدر على النجاة إلا القليل ، فأخذ الفرنج كل ما في بيسان من ذخائر قد جمعت ، وكانت كثيرة ، وغنموا شيئا كثيرا ، ونهبوا البلاد من بيسان إلى بانياس ، وبثوا السرايا في القرى فوصلت إلى خسفين ونوى وأطراف البلاد ، ونازلوا بانياس ، وأقاموا عليها ثلاثة أيام ، ثم عادوا عنها إلى مرج عكا ومعهم من الغنائم والسبي والأسرى ما لا يحصى كثرة ، سوى ما قتلوا ، وأحرقوا ، وأهلكوا ، فأقاموا أياما استراحوا خلالها .

ثم جاءوا إلى صور ، وقصدوا بلد الشقيف ، ونزلوا بينهم وبين بانياس مقدار فرسخين ، فنهبوا البلاد : صيدا والشقيف ، وعادوا إلى عكا ، وكان هذا من نصف رمضان إلى العيد ، والذي سلم من تلك البلاد كان مخفا حتى قدر على النجاة .

ولقد بلغني أن العادل لما سار إلى مرج الصفر رأى في طريقه رجلا يحمل شيئا ، وهو يمشي تارة ، وتارة يقعد ليستريح ، فعدل العادل إليه وحده ، فقال له : يا شيخ لا تعجل ، وارفق بنفسك فعرفه الرجل ، فقال : يا سلطان المسلمين ! أنت لا تعجل ، فإنا إذا رأيناك قد سرت إلى بلادك وتركتنا مع الأعداء كيف لا نعجل !

وبالجملة الذي فعله العادل هو الحزم والمصلحة لئلا يخاطر باللقاء على حال تفرق من العساكر . [ ص: 304 ] ولما نزل العادل على مرج الصفر سير ولده الملك المعظم عيسى ، وهو صاحب دمشق ، في قطعة صالحة من الجيش إلى نابلس ليمنع الفرنج عن البيت المقدس .

ذكر حصر الفرنج قلعة الطور وتخريبها

لما نزل الفرنج بمرج عكا تجهزوا ، وأخذوا معهم آلة الحصار من مجانيق وغيرها ، وقصدوا قلعة الطور ، وهي قلعة منيعة على رأس جبل بالقرب من عكا كان العادل قد بناها عن قريب ، فتقدموا إليها وحصروها وزحفوا إليها ، وصعدوا في جبلها حتى وصلوا إلى سورها وكادوا يملكونه .

فاتفق أن بعض المسلمين ممن فيها قتل بعض ملوكهم ، فعادوا عن القلعة فتركوها ، وقصدوا عكا ، وكانت مدة مقامهم على الطور سبعة عشر يوما .

ولما فارقوا الطور أقاموا قريبا ، ثم ساروا في البحر إلى ديار مصر ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى ، فتوجه الملك المعظم إلى قلعة الطور ، فخربها إلى أن ألحقها بالأرض ; لأنها بالقرب من عكا ويتعذر حفظها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث