الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقواله الدالة على أحواله

ومن أقواله الدالة على أحواله تحفظه من الآفات ، وتزوده من الساعات .

وقد قيل : إن التصوف تصحيح المعاملة ، لتصحيح المنازلة .

حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، ثنا مالك بن مغول ، ثنا أبو يعفور ، عن المسيب [ ص: 130 ] بن رافع ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ، وبنهاره إذا الناس يفطرون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخلطون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون . وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا ، حكيما حليما عليما سكيتا . وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون جافيا ، ولا غافلا ، ولا صخابا ولا صياحا ، ولا حديدا .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا محمد بن علي الصايغ ، ثنا سعيد بن منصور ، ثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن يحيى بن وثاب . قال : قال ابن مسعود : إني لأكره أن أرى الرجل فارغا ، لا في عمل الدنيا ، ولا في عمل الآخرة .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا محمد بن شبل ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المسيب بن رافع ، قال : قال عبد الله بن مسعود : إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شيء من عمل الدنيا ، ولا عمل الآخرة .

حدثنا سليمان بن أحمد بن النضر الأزدي ، ثنا معاوية بن عمرو . وثنا زائدة ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، قال : قال عبد الله : لا ألفين أحدكم جيفة ليل ، قطرب نهار .

وسمعت أبا بكر بن مالك يقول : قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حكي لي عن ابن عيينة أنه قال : القطرب الذي يجلس ههنا ساعة ، وههنا ساعة .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا بشر بن موسى ، ثنا خلاد بن يحيى ، ثنا مسعر ، عن زبيد ، عن مرة ، عن عبد الله ، قال : ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك ، ومن يقرع باب الملك يفتح له .

حدثنا أحمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا وكيع ، عن مسعر ، عن معن ، قال : قال عبد الله بن مسعود : إن استطعت أن تكون أنت المحدث ، وإذا سمعت الله يقول : ( ياأيها الذين آمنوا ) فارعها سمعك ، فإنه خير يأمر به ، أو شر ينهى عنه .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا الدبري ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، قال : قال ابن مسعود : إن هذا القرآن مأدبة الله ، فمن استطاع أن يتعلم منه شيئا فليفعل ، فإن أصفر البيوت من الخير الذي [ ص: 131 ] ليس فيه من كتاب الله شيء ، وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء كخراب البيت الذي لا عامر له ، وإن الشيطان يخرج من البيت الذي تسمع فيه سورة البقرة .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا محمد بن أبي سهل ، ثنا عبد الله بن محمد العبسي ، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، ثنا هارون بن عنترة ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، قال : قال عبد الله : إنما هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ، ولا تشغلوها بغيره .

حدثنا أبو أحمد الغطريفي ، ثنا أبو خليفة ، ثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا قرة بن خالد ، عن عون بن عبد الله ، قال : قال لي عبد الله : ليس العلم بكثرة الرواية ، ولكن العلم الخشية .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا محمد بن فضيل ، ثنا يزيد - يعني ابن أبي زياد - عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : قال عبد الله : تعلموا العلم فإذا علمتم فاعملوا .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا عبد الرحمن ، ثنا معاوية بن صالح ، عن عدي بن عدي ، قال : قال ابن مسعود : ويل لمن لا يعلم ، ولو شاء الله لعلمه ، وويل لمن يعلم ، ثم لا يعمل سبع مرات .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا بشر بن موسى ، ثنا يحيى بن إسحاق ، حدثني أبو عوانة ، عن هلال الوزان ، عن عبد الله بن عكيم ، قال : سمعت ابن مسعود - في هذا المسجد - يبدأ باليمين قبل الكلام ، فقال : ما منكم من أحد إلا أن ربه تعالى سيخلو به كما يخلوا أحدكم بالقمر ليلة البدر ، فيقول : يا ابن آدم ما غرك بي ؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين ، ابن آدم ماذا عملت فيما علمت ؟ .

حدثنا محمد بن إسحاق ، ثنا إبراهيم بن سعدان ، ثنا بكر بن بكار ، ثنا المسعودي ، عن القاسم ، قال : قال ابن مسعود : إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان تعلمه ، للخطيئة يعملها .

قال أبو نعيم : وكان لفضول الدنيا من أهل وولد شانيا ، وعلى نفسه وأحواله وأوراده زاريا ، ولما منحه الله عز وجل من توحيده راجيا .

وقد قيل : إن التصوف حث النفس على النجا ، للاعتلاء على الخوف والرجا .

حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، ثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، ثنا هشيم ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن أبي جحيفة ، قال : قال عبد الله : ذهب صفو الدنيا [ ص: 132 ] وبقي كدرها ، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا محمد بن شبل ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبد الله بن إدريس ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن أبي جحيفة ، قال : قال عبد الله : إنما الدنيا كالثغب ذهب صفوه وبقي كدره .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا عمر بن حفص السدوسي ، ثنا عاصم بن علي ، قال : ثنا المسعودي ، ثنا علي بن بذيمة ، عن قيس بن حبتر ، عن عبد الله قال : ألا حبذا المكروهان : الموت ، والفقر ، وايم الله إن هو إلا الغنى أو الفقر . وما أبالي بأيهما ابتليت . إن كان الغنى إن فيه للعطف ، وإن كان الفقر إن فيه للصبر .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ثنا يزيد ، ثنا المسعودي ، عن عون بن عبد الله ، قال : قال عبد الله : لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ، ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى ، والتواضع أحب إليه من الشرف ، وحتى يكون حامده وذامه عنده سواء ، قال : ففسرها أصحاب عبد الله ، قالوا : حتى يكون الفقر في الحلال ، أحب إليه من الغنى في الحرام . والتواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله . وحتى يكون حامده وذامه عنده في الحق سواء .

حدثنا أبو محمد بن حبان ، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلم ، ثنا هناد بن السري ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن مغيرة بن سعد بن الأخرم ، عن أبيه ، قال : قال عبد الله : والله الذي لا إله غيره ، ما يضر عبدا يصبح على الإسلام ويمسي عليه ما أصابه في الدنيا .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا محمد بن سهل ، ثنا عبد الله بن محمد العبسي ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سويد ، قال : قال عبد الله : والذي لا إله غيره ، ما أصبح عند آل عبد الله ما يرجون أن يعطيهم الله به خيرا ، أو يدفع عنهم به سوءا ، إلا أن الله قد علم أن عبد الله لا يشرك به شيئا .

حدثنا أحمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن مجالد ، أخبرني عامر بن [ ص: 133 ] مسروق ، قال : قال رجل عند عبد الله : ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين ، أكون من المقربين أحب إلي ، قال : فقال عبد الله : لكن هناك رجل ود لو أنه إذا مات لم يبعث - يعني نفسه - .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا محمد بن علي الصايغ ، ثنا سعيد بن منصور ، ثنا أبو معاوية ، ثنا السري بن يحيى ، عن الحسن ، قال : قال عبد الله بن مسعود : لو وقفت بين الجنة والنار فقيل لي اختر نخيرك من أيهما تكون أحب إليك ؟ أو تكون رمادا ، لأحببت أن أكون رمادا .

أخبرنا عبد الله بن محمد ، ثنا محمد بن أسد ، ثنا أبو داود الطيالسي ، ثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، أن الحارث بن سويد ، قال : قال ابن مسعود : لو تعلمون علمي لحثوتم التراب على رأسي .

حدثنا عبد الرحمن بن العباس ، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ، ثنا أبو الوليد ، ثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، قال : ثنا أبو الأحوص ، قال : دخلنا على ابن مسعود وعنده بنون ثلاثة كأمثال الدنانير ، فجعلنا ننظر إليهم ففطن بنا ، فقال : كأنكم تغبطوني بهم ؟ قلنا : وهل يغبط الرجل إلا بمثل هؤلاء ، فرفع رأسه إلى سقف بيت له قصير قد عشش فيه خطاف ، فقال : لأن أكون نفضت يدي من تراب قبورهم ، أحب إلي من أن يقع بيض هذا الخطاف فينكسر .

حدثنا عبد الرحمن بن العباس ، ثنا إبراهيم الحربي ، ثنا مسدد ، ثنا إسماعيل ، عن الجريري ، عن أبي عثمان ، عن ابن مسعود : أنه كان يجالسه بالكوفة ، فبينما هو يوم في صفة له وتحته فلانة وفلانة - امرأتان ذواتا منصب وجمال - وله منهما ولد كأحسن الولد ، إذ شقشق على رأسه عصفور ثم قذف أذى بطنه ، فنكته بيده ، وقال : لأن يموت آل عبد الله ، ثم أتبعهم أحب إلي من أن يموت هذا العصفور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث