الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


حدثنا محمد بن المظفر ، ثنا محمد بن محمد بن سليمان ، ثنا دحيم ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا ابن عجلان ، عن الزهري أن أبا إدريس الخولاني حدثه أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ، قال : إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتتح القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير والأحمر والأسود ، فيوشك قائل يقول : ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه ؟ فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره . إياكم إياكم ما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة ، وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان يقول في الحكيم كلمة الضلالة ، وقد يقول المنافق كلمة الحق . فاقبلوا الحق فإن على الحق نورا . فقالوا : وما يدرينا رحمك [ ص: 233 ] الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة ؟ قال : هي كلمة تنكرونها منه وتقولون : ما هذه ؟ فلا يثنيكم فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون ، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة ، من ابتغاهما وجدهما .

حدثنا محمد بن علي ، ثنا أبو العباس بن قتيبة ، ثنا يزيد بن موهب ، ثنا الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب أن أبا يزيد الخولاني أخبره يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ ، قال : وكان لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال حين يجلس : الله حكم قسط ، تبارك اسمه ، هلك المرتابون . وقال معاذ يوما : إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والحر والعبد ، فيوشك قائل أن يقول : ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ، ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره ، فإياكم وما يبتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة ، وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم ، وقد يقول المنافق كلمة الحق . قلت لمعاذ بن جبل : ما يدريني رحمك الله أن الحكيم يقول كلمة الضلالة وأن المنافق يقول كلمة الحق ؟ قال : بلى ، اجتنب من كلام الحكيم المستهترات التي يقال : ما هذه ؟ ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله يرجع ويتبع الحق إذا سمعه ، فإن على الحق نورا .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا عبد الله بن صندل ، ثنا فضيل بن عياض ، عن سليمان بن مهران ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة : قال : قال رجل لمعاذ بن جبل : علمني ، قال : وهل أنت مطيعي ؟ قال : إني على طاعتك لحريص ، قال : صم وأفطر ، وصل ونم ، واكتسب ولا تأثم ، ولا تموتن إلا وأنت مسلم ، وإياك ودعوة المظلوم .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا سهل بن موسى ، ثنا عمرو بن علي ، قال : سمعت عون بن بكر الراسبي يحدث عن ثور بن يزيد ، قال : كان معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه إذا تهجد من الليل قال : اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم ، اللهم طلبي للجنة بطيء وهربي من النار ضعيف ، اللهم اجعل لي عندك هدى ترده إلي يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن [ ص: 234 ] أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا سليمان بن حيان ، ثنا زياد - مولى لقريش - عن معاوية بن قرة ، قال : قال معاذ بن جبل لابنه : يا بني إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع ، لا تظن أنك تعود إليها أبدا ، واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين ، حسنة قدمها ، وحسنة أخرها .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا سهل بن موسى ، ثنا محمد بن عبد الأعلى ، ثنا خالد بن الحارث ، ثنا ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، قال : أتى رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه ، فقال : إني موصيك بأمرين إن حفظتهما حفظت : إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا ، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر ، فآثر نصيبك من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى تنتظمه لك انتظاما فتزول به معك أينما زلت .

حدثنا محمد بن علي بن حبيش ، ثنا أحمد بن يحيى الحلواني ، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، ثنا فضيل بن عياض ، عن سليمان ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، قال : جاء رجل إلى معاذ رضي الله تعالى عنه فجعل يبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ فقال : والله ما أبكي لقرابة بيني وبينك ، ولا لدنيا كنت أصيبها منك ، ولكن كنت أصيب منك علما فأخاف أن يكون قد انقطع ، قال : فلا تبك فإنه من يرد العلم والإيمان يؤته الله تعالى كما آتى إبراهيم عليه السلام ، ولم يكن يومئذ علم ولا إيمان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث