الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء

السؤال السادس : لم لم يقل : ثلاث قروء، كما يقال : ثلاثة حيض .

الجواب : لأنه اتبع تذكير اللفظ ، ولفظ القرء مذكر . فهذا ما يتعلق بالسؤالات في هذه الآية ، وبقي من الكلام في هذه الآية مسألة واحدة في حقيقة القروء، فنقول : القروء جمع قرء وقرء، ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الحيض والطهر، قال أبو عبيدة : الأقراء من الأضداد في كلام العرب، والمشهور أنه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعا، وقال آخرون : إنه حقيقة في الحيض، مجاز في الطهر، ومنهم من عكس الأمر، وقال قائلون : إنه موضوع بحيثية معنى واحد مشترك بين الحيض والطهر، والقائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أقوال :

فالأول : أن القرء هو الاجتماع، ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم، وفي [ ص: 76 ] وقت الطهر يجتمع الدم في البدن، وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي .

والقول الثاني : وهو قول أبي عبيد : أنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة.

والقول الثالث : وهو قول أبي عمرو بن العلاء : أن القرء هو الوقت، يقال : أقرأت النجوم : إذا طلعت، وأقرأت : إذا أفلت، ويقال : هذا قارئ الرياح ، لوقت هبوبها، وأنشدوا للهذلي :

إذا هبت لقارئها الرياح

وإذا ثبت أن القرء هو الوقت دخل فيه الحيض والطهر؛ لأن لكل واحد منهما وقتا معينا، واعلم أنه تعالى أمر المطلقة أن تعتد بثلاثة قروء، والظاهر يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى ثلاثة أقراء إن تخرج عن عهدة التكليف، إلا أن العلماء أجمعوا على أنه لا يكفي ذلك، بل عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من أحد الجنسين، واختلفوا فيه ، فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنها الأطهار، روي ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة، والفقهاء السبعة ومالك وربيعة وأحمد رضي الله عنهم في رواية، وقال علي وعمر وابن مسعود : هي الحيض، وهو قول أبي حنيفة، والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وإسحاق رضي الله عنهم. وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر، وعندهم أطول، حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءا ، وإن حاضت عقيبه في الحال، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، ومن الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها، ثم قال : إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل ، وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، أو يمضي عليها وقت صلاة.

حجة الشافعي من وجوه :

الحجة الأولى : قوله تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) [الطلاق : 1] ومعناه في وقت عدتهن، لكن الطلاق في زمان الحيض منهي عنه ، فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض، أجاب صاحب الكشاف عنه فقال : بمعنى مستقبلات لعدتهن، كما يقول : لثلاث بقين من الشهر، يريد مستقبلا لثلاث، وأقول : هذا الكلام يقوي استدلال الشافعي رضي الله عنه ؛ لأن قول القائل : لثلاث بقين من الشهر ، معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه، فكذا هاهنا قوله : ( فطلقوهن لعدتهن ) معناه : طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه، ولما كان الأمر حاصلا بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة، وذلك هو المطلوب.

الحجة الثانية : ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : هل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء : الأطهار. ثم قال الشافعي رضي الله عنه : والنساء بهذا أعلم؛ لأن هذا إنما يبتلى به النساء.

الحجة الثالثة : "القرء" عبارة عن الجمع، يقال : ما قرأت الناقة نسلا قط، أي ما جمعت في رحمها ولدا قط ، ومنه قول عمرو بن كلثوم :

هجان اللون لم تقرأ جنينا

وقال الأخفش : يقال : ما قرأت حيضة، أي : ما ضمت رحمها على حيضة، وسمي الحوض مقرأة لأنه يجتمع فيه الماء، وأقرأت النجوم : إذا اجتمعت للغروب، وسمي القرآن قرآنا لاجتماع حروفه وكلماته ولاجتماع العلوم الكثيرة فيه. وقرأ القارئ ؛ أي جمع الحروف بعضها إلى بعض .

[ ص: 77 ]

إذا ثبت هذا فنقول : وقت اجتماع الدم إنما هو زمان الطهر ؛ لأن الدم يجتمع في ذلك الزمان في البدن.

فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم؛ لأن الدم يجتمع في هذا الزمان في الرحم.

قلنا : الدماء لا تجتمع في الرحم البتة ، بل تنفصل قطرة قطرة ، أما وقت الطهر فالكل مجتمع في البدن ، فكان معنى الاجتماع في وقت الطهر أتم، وتمام التقرير فيه أن اسم القرء لما دل على الاجتماع فأكثر أحوال الرحم اجتماعا واشتمالا في الدم آخر الطهر؛ إذ لو لم تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج، فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع ، فكان آخر الطهر هو القرء في الحقيقة ، وهذا كلام بين.

الحجة الثالثة : أن الأصل أن لا يكون لأحد على أحد من العقلاء المكلفين حق الحبس والمنع من التصرفات ، تركنا العمل به عند قيام الدليل عليه، وهو أقل ما يسمى بالأقراء الثلاثة ، وهي الأطهار؛ لأن الاعتداد بالأطهار أقل زمانا من الاعتداد بالحيض، فلما كان كذلك أثبتنا الأقل - ضرورة العمل بهذه الآية - وطرحنا الأكثر وفاء بالدلائل الدالة على أن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره قدرة الحبس والمنع.

الحجة الرابعة : أن ظاهر قوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء أن تخرج عن العهدة، وكل واحد من الطهر ومن الحيض يسمى بهذا الاسم، فوجب أن تخرج المرأة عن العهدة بأيهما كان على سبيل التخيير، إلا أنا بينا أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض، فعلى هذا تكون المرأة مخيرة بين أن تعتد بالمدة الناقصة أو بالمدة الزائدة، وإذا كان كذلك كانت متمكنة من أن تترك القدر الزائد ، لا إلى بدل، وكل ما كان كذلك لم يكن واجبا ، فإذن الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب ، وذلك يقتضي أن لا يكون الاعتداد بمدة الحيض واجبا ، وهو المطلوب.

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه :

الأول : أن الأقراء في اللغة وإن كانت مشتركة بين الأطهار والحيض إلا أن في الشرع غلب استعمالها في الحيض؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " دعي الصلاة أيام أقرائك " ، وإذا ثبت هذا كان صرف الأقراء المذكورة في القرآن إلى الحيض أولى.

الحجة الثانية : أن القول بأن الأقراء حيض يمكن معه استيفاء ثلاثة أقراء بكمالها ؛ لأن هذا القائل يقول : إن المطلقة يلزمها تربص ثلاث حيض، وإنما تخرج عن العهدة بزوال الحيضة الثالثة ، ومن قال : إنه طهر ، يجعلها خارجة من العدة بقرأين وبعض الثالث؛ لأن عنده إذا طلقها في آخر الطهر تعتد بذلك قرءا ، فإذا كان في أحد القولين تكمل الأقراء الثلاثة دون القول الآخر كان القول الأول أليق بالظاهر، أجاب الشافعي رضي الله عنه عن ذلك أن الله قال : ( الحج أشهر معلومات ) [البقرة : 197] والأشهر جمع وأقله ثلاثة، ثم إنا حملنا الآية على شهرين وبعض الثالث، وذلك هو شوال، وذو القعدة، وبعض ذو الحجة، فكذا هاهنا جاز أن تحمل هذه الثلاثة على طهرين وبعض طهر، أجاب الجبائي من شيوخ المعتزلة عن هذا الجواب من وجهين :

الأول : أنا تركنا الظاهر في تلك الآية لدليل، فلم يلزمنا أن نترك الظاهر هاهنا من غير دليل .

والثاني : أن في [ ص: 78 ] العدة تربصا متصلا، فلا بد من استيفاء الثلاثة ، وليس كذلك أشهر الحج؛ لأنه ليس فيها فعل متصل، فكأنه قيل : هذه الأشهر وقت الحج ، لا على سبيل الاستغراق، وأجاب المتأخرون من أصحابنا عن هذه الحجة من وجهين :

الأول : كما أن حمل الأقراء على الأطهار يوجب النقصان عن الثلاثة، فحمله على الحيض يوجب الزيادة؛ لأنه إذا طلقها في أثناء الطهر كان ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة فتحصل الزيادة ، وعذرهم عنه أن هذه لا بد من تحملها لأجل الضرورة؛ لأنه لو جاز الطلاق في الحيض لأمرناه بالطلاق في آخر الحيض حتى تعتد بأطهار كاملة، وإذا اختص الطلاق بالطاهر صارت تلك الزيادة متحملة للضرورة، فنحن أيضا نقول : لما صارت الأقراء مفسرة بالأطهار، والله تعالى أمرنا بالطلاق في الطهر، صار تقدير الآية : يتربصن بأنفسهن ثلاثة أطهار ، طهر الطلاق فيه.

والوجه الثاني في الجواب أنا بينا أن القرء اسم للاجتماع وكمال الاجتماع إنما يحصل في آخر الطهر قرءا تاما، وعلى هذا التقدير لم يلزم دخول النقصان في شيء من القرء.

الحجة الثالثة لهم : أنه تعالى نقل إلى الشهور عند عدم الحيض فقال : ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ) [الطلاق : 4] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار ، وأيضا لما كانت الأشهر شرعت بدلا عن الأقراء والبدل يعتبر بتمامها ، فإن الأشهر لا بد من إتمامها ، وجب أيضا أن يكون الكمال معتبرا في المبدل، فلا بد وأن تكون الأقراء الكاملة هي الحيض، أما الأطهار فالواجب فيها قرءان وبعض.

الحجة الرابعة لهم : قوله صلى الله عليه وسلم : " طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان " وأجمعوا على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة، فوجب أن تكون عدة الحرة هي الحيض.

الحجة الخامسة : أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة، فكذا العدة تكون بالحيضة؛ لأن المقصود من الاستبراء والعدة شيء واحد.

الحجة السادسة لهم : أن الغرض الأصلي في العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر، فوجب أن يكون المعتبر هو الحيض دون الطهر.

الحجة السابعة لهم : أن القول بأن القروء هي الحيض احتياط وتغليب لجانب الحرمة؛ لأن المطلقة إذا مر عليها بقية الطهر وطعنت في الحيضة الثالثة ، فإن جعلنا القرء هو الحيض، فحينئذ يحرم للغير التزوج بها، وإن جعلنا القرء طهرا، فحينئذ يحل للغير التزوج بها، وجانب التحريم أولى بالرعاية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال " ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، ولأن هذا أقرب إلى الاحتياط، فكان أولى ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " فهذا جملة الوجوه في هذا الباب.

واعلم أن عند تعارض هذه الوجوه تضعف الترجيحات، ويكون حكم الله في حق الكل ما أدى اجتهاده إليه.

أما قوله تعالى : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) فاعلم أن انقضاء العدة لما كان مبنيا على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء، ووضع الحمل في حق الحامل، وكان الوصول إلى علم ذلك [ ص: 79 ] للرجال متعذرا - جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو على مذهب الشافعي رضي الله عنه اثنان وثلاثون يوما وساعة؛ لأن أمرها يحمل على أنها طلقت طاهرة فحاضت بعد ساعة، ثم حاضت يوما وليلة ، وهو أقل الحيض، ثم طهرت خمسة عشر يوما ، وهو أقل الطهر، مرة أخرى يوما وليلة، ثم طهرت خمسة عشر يوما، ثم رأت الدم ، فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملا فادعت أنها أسقطت كان القول قولها؛ لأنها على أصل أمانتها.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث