الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض

واحتج المخالف بوجوه :

الأول : أن معجزات الأنبياء كانت أعظم من معجزاته ، فإن آدم عليه السلام كان مسجودا للملائكة ، وما كان محمد عليه السلام كذلك ، وأن إبراهيم عليه السلام ألقي في النيران العظيمة فانقلبت روحا وريحانا عليه ، وأن موسى عليه السلام أوتي تلك المعجزات العظيمة ، ومحمد ما كان [ ص: 169 ] له مثلها ، وداود لان له الحديد في يده ، وسليمان كان الجن والإنس والطير والوحش والرياح مسخرين له ، وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وعيسى أنطقه الله في الطفولية وأقدره على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم .

الحجة الثانية : أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلا ، فقال : ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) [ النساء : 125 ] ، وقال في موسى عليه السلام ( وكلم الله موسى تكليما ) [ النساء : 164 ] ، وقال في عيسى عليه السلام : ( فنفخنا فيه من روحنا ) [ التحريم : 12 ] وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام .

الحجة الثالثة : قوله عليه السلام : " لا تفضلوني على يونس بن متى " وقال صلى الله عليه وسلم : " لا تخيروا بين الأنبياء " .

الحجة الرابعة : روي عن ابن عباس قال : كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا نوحا بطول عبادته ، وإبراهيم بخلته ، وموسى بتكليم الله تعالى إياه ، وعيسى برفعه إلى السماء ، وقلنا : رسول الله أفضل منهم ، بعث إلى الناس كافة ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهو خاتم الأنبياء ، فدخل رسول الله فقال : فيم أنتم ؟ فذكرنا له فقال : " لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا " وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها .

والجواب : أن كون آدم عليه السلام مسجودا للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من محمد عليه السلام ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : " آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة " وقال : " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، وهذا أعظم من السجود ، وأيضا أنه تعالى صلى بنفسه على محمد ، وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة عليه ، وذلك أفضل من سجود الملائكة ، ويدل عليه وجوه :

الأول : أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديبا ، وأمرهم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تقريبا .

والثاني : أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة ، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة .

الثالث : أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة ، وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ، ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين .

والرابع : أن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم .

فإن قيل : إنه تعالى خص آدم بالعلم ، فقال : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) [ البقرة : 31 ] وأما محمد عليه السلام فقال في حقه : ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) [ الشورى : 52 ] وقال : ( ووجدك ضالا فهدى ) [ الضحى : 7 ] وأيضا فمعلم آدم هو الله تعالى ، قال : ( وعلم آدم الأسماء ) [ البقرة : 31 ] ومعلم محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله : ( علمه شديد القوى ) [ النجم : 5 ] .

والجواب : أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم : ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) [ النساء : 113 ] وقال عليه السلام : " أدبني ربي فأحسن تأديبي " ، وقال تعالى : ( الرحمن علم القرآن ) [ الرحمن : 1 - 2 ] وكان عليه السلام يقول : ( أرنا الأشياء كما هي ) وقال تعالى لمحمد عليه السلام : ( وقل رب زدني علما ) [ طه : 114 ] وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى : ( علمه شديد القوى ) [ النجم : 5 ] فذاك بحسب التلقين ، وأما التعليم فمن الله تعالى ، كما أنه تعالى قال : ( قل يتوفاكم ملك الموت ) [ السجدة : 11 ] ثم قال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) [ الزمر : 42 ] .

[ ص: 170 ] فإن قيل : قال نوح عليه السلام ( وما أنا بطارد المؤمنين ) [ الشعراء : 114 ] وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ) [ الأنعام : 52 ] وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن .

قلنا : إنه تعالى قال : ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) [ نوح : 1 ] فكان أول أمره العذاب ، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) [ الأنبياء : 107 ] ، ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) [ التوبة : 128 ] إلى قوله : ( رءوف رحيم ) [ التوبة : 128 ] فكان عاقبة نوح أن قال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) [ نوح : 26 ] وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) [ الإسراء : 79 ] وأما سائر المعجزات فقد ذكر في كتب دلائل النبوة في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث