الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران

المسألة الثانية : ( اصطفى ) في اللغة اختار ، فمعنى : اصطفاهم ، أي جعلهم صفوة خلقه ، تمثيلا بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، ويقال على ثلاثة أوجه : صفوة ، وصفوة وصفوة ، ، ونظير هذه الآية قوله لموسى : ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ) [الأعراف : 144 ] وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب ( وإنهم عندنا لمن المصطفين ) [ص : 47 ] .

إذا عرفت هذا فنقول . في الآية قولان الأول : المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعا إلى دينهم وشرعهم وملتهم ، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني : أن يكون المعنى : إن الله اصطفاهم ، أي صفاهم من الصفات الذميمة ، وزينهم بالخصال الحميدة ، وهذا القول أولى لوجهين أحدهما : أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار . والثاني : أنه موافق لقوله تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [الأنعام : 124 ] وذكر الحليمي في كتاب " المنهاج " أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية ، والقوى الروحانية ، أما القوى الجسمانية ، فهي إما مدركة ، وإما محركة .

أما المدركة : فهي إما الحواس الظاهرة ، وإما الحواس الباطنة ، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة ؛ أحدها : القوة الباصرة ، ولقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخصوصا بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان :

الأول : قوله - صلى الله عليه وسلم - : " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " .

والثاني : قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري " .

ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله تعالى : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) [الأنعام : 75 ] ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي - رحمه الله - : وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبي - صلى الله عليه وسلم - أقوى من بصرها .

وثانيها : القوة السامعة ، وكان - صلى الله عليه وسلم - أقوى الناس في هذه القوة ، ويدل عليه وجهان :

أحدهما : قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى " فسمع أطيط السماء .

والثاني : أنه سمع دويا وذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن ، قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ، فإنهم زعموا أن فيثاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك ، ونظير هذه القوة لسليمان - عليه السلام - في قصة النمل ( قالت نملة ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم ) [النمل : 18 ] فالله تعالى أسمع سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضا في باب تقوية الفهم ، وكان ذلك حاصلا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - حين تكلم مع الذئب ومع البعير .

ثالثها : تقوية قوة الشم ، كما في حق يعقوب -عليه السلام - ، فإن يوسف - عليه السلام - لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه ، فلما فصلت العير قال يعقوب : ( إني لأجد ريح يوسف ) [يوسف : 94 ] فأحس بها من مسيرة أيام .

ورابعها : تقوية قوة الذوق ، كما في حق رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حين قال : " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم " .

وخامسها : تقوية القوة اللامسة كما في حق الخليل حيث جعل الله تعالى النار بردا وسلاما عليه ، فكيف يستبعد هذا ويشاهد مثله في السمندل والنعامة ، وأما الحواس الباطنة فمنها قوة [ ص: 20 ] الحفظ ، قال تعالى : ( سنقرئك فلا تنسى ) [الأعلى : 6 ] ومنها قوة الذكاء قال علي - عليه السلام - : " علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب " فإذا كان حال الولي هكذا ، فكيف حال النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأما القوى المحركة : فمثل عروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المعراج ، وعروج عيسى حيا إلى السماء ، ورفع إدريس وإلياس على ما وردت به الأخبار ، وقال الله تعالى : ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) [النمل : 40 ] .

وأما القوى الروحانية العقلية : فلا بد وأن تكون في غاية الكمال ، ونهاية الصفاء .

واعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس ، ومن لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء ، والفطنة ، والحرية ، والاستعلاء ، والترفع عن الجسمانيات والشهوات ، فإذا كانت الروح في غاية الصفاء والشرف ، وكان البدن في غاية النقاء والطهارة كانت هذه القوى المحركة المدركة في غاية الكمال ؛ لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من جوهر الروح واصلة إلى البدن ، ومتى كان الفاعل والقابل في غاية الكمال كانت الآثار في غاية القوة والشرف والصفاء .

إذا عرفت هذا فقوله : ( إن الله اصطفى آدم ونوحا ) معناه : إن الله تعالى اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول : الملك أفضل من البشر ، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول : البشر أشرف المخلوقات ، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم -عليه السلام - ، هم شيث وأولاده ، إلى إدريس ، ثم إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم حصل من إبراهيم شعبتان : إسماعيل وإسحاق ، فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين : يعقوب وعيصو ، فوضع النبوة في نسل يعقوب ، ووضع الملك في نسل عيصو ، واستمر ذلك إلى زمان محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فلما ظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - نقل نور النبوة ونور الملك إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وبقيا أعني الدين والملك لأتباعه إلى قيام القيامة ، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث