الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن هذا لهو القصص الحق

( إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين )

قوله تعالى : ( إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله ( إن هذا ) إشارة إلى ما تقدم ذكره من الدلائل ، ومن الدعاء إلى المباهلة ( لهو القصص الحق ) ، والقصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين ، ويرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة ، فبين تعالى أن الذي أنزله على نبيه هو القصص الحق ليكون على ثقة من أمره ، والخطاب وإن كان معه فالمراد به الكل .

المسألة الثانية : " هو " في قوله : ( لهو القصص الحق ) فيه قولان : أحدهما : أن يكون فصلا وعمادا ، ويكون خبر " إن " هو قوله : ( القصص الحق ) .

فإن قيل : فكيف جاز دخول اللام على الفصل ؟

قلنا : إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجود ؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ منه ، وأصلها أن تدخل على المبتدأ .

والقول الثاني : أنه مبتدأ ، والقصص خبره ، والجملة خبر " إن " .

المسألة الثالثة : قرئ " لهو " بتحريك الهاء على الأصل ، وبالسكون لأن اللام ينزل من " هو " منزلة بعضه فخفف كما خفف عضد .

[ ص: 75 ]

المسألة الرابعة : يقال : قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا ، وأصله اتباع الأثر ، يقال : خرج فلان قصصا في أثر فلان ، وقصا ، وذلك إذا اقتص أثره ، ومنه قوله تعالى : ( وقالت لأخته قصيه ) [ القصص : 11 ] ، وقيل للقاص إنه قاص لإتباعه خبرا بعد خبر ، وسوقه الكلام سوقا ، فمعنى القصص الخبر المشتمل على المعاني المتتابعة .

ثم قال : ( وما من إله إلا الله ) ، وهذا يفيد تأكيد النفي ؛ لأنك لو قلت : عندي من الناس أحد ، أفاد أن عندك بعض الناس ، فإذا قلت : ما عندي من الناس من أحد ، أفاد أنه ليس عندك بعضهم ، وإذا لم يكن عندك بعضهم ، فبأن لا يكون عندك كلهم أولى ، فثبت أن قوله : ( وما من إله إلا الله ) مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى .

ثم قال : ( وإن الله لهو العزيز الحكيم ) وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى ، وذلك لأن اعتمادهم على أمرين : أحدهما : أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فكأنه تعالى قال : هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية ، بل لا بد وأن يكون عزيزا غالبا لا يدفع ولا يمنع ، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك ، وكيف وأنتم تقولون إن اليهود قتلوه ؟ والثاني : أنهم قالوا : إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها فيكون إلها ، فكأنه تعالى قال : هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلهية ، بل لا بد وأن يكون حكيما ، أي عالما بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور ، فذكر ( العزيز الحكيم ) هاهنا إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين ونظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله : ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) [ آل عمران : 6 ] .

ثم قال : ( فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ) ، والمعنى : فإن تولوا عما وصفت من أن الله هو الواحد ، وأنه يجب أن يكون عزيزا غالبا قادرا على جميع المقدورات ، حكيما عالما بالعواقب والنهايات مع أن عيسى - عليه السلام - ما كان عزيزا غالبا ، وما كان حكيما عالما بالعواقب والنهايات .

فاعلم أن توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد ، فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم إلى الله ، فإن الله عليم بفساد المفسدين ، مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة ، قادر على مجازاتهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث