الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 117 ]

( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون )

قوله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون )

اعلم أنه تعالى لما بين أن الإنفاق لا ينفع الكافر البتة علم المؤمنين كيفية الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة ، فقال : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) ، وبين في هذه الآية أن من أنفق مما أحب كان من جملة الأبرار ، ثم قال في آية أخرى : ( إن الأبرار لفي نعيم ) [ الانفطار : 13 ] ، وقال أيضا : ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ) [ الإنسان : 5 ] ، وقال أيضا : ( إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) [ المطففين : 22 - 26 ] ، وقال : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) [ البقرة : 177 ] ، فالله تعالى لما فصل في سائر الآيات كيفية ثواب الأبرار اكتفى هاهنا بأن ذكر أن من أنفق ما أحب نال البر ، وفيه لطيفة أخرى :

وهي أنه تعالى قال : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ) [ البقرة : 177 ] إلى آخر الآية ، فذكر في هذه الآية أكثر أعمال الخير ، وسماه البر ثم قال في هذه الآية : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) ، والمعنى أنكم وإن أتيتم بكل تلك الخيرات المذكورة في تلك الآية فإنكم لا تفوزون بفضيلة البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أنفق ما يحبه كان ذلك أفضل الطاعات ، وهاهنا بحث وهو : أن لقائل أن يقول : كلمة " حتى " لانتهاء الغاية ، فقوله : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) يقتضي أن من أنفق مما أحب فقد نال البر ومن نال البر دخل تحت الآيات الدالة على عظم الثواب للأبرار ، فهذا يقتضي أن من أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم وإن لم يأت بسائر الطاعات ، وهو باطل .

وجواب هذا الإشكال : أن الإنسان لا يمكنه أن ينفق محبوبه إلا إذا توسل بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف من الأول ، فعلى هذا الإنسان لا يمكنه أن ينفق الدنيا في الدنيا إلا إذا تيقن سعادة الآخرة ، ولا يمكنه أن يعترف بسعادة الآخرة إلا إذا أقر بوجود الصانع العالم القادر ، وأقر بأنه يجب عليه الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فإذا تأملت علمت أن الإنسان لا يمكنه إنفاق الدنيا في الدنيا إلا إذا كان مستجمعا لجميع الخصال المحمودة في الدنيا ، ولنرجع إلى التفسير ، فنقول في الآية مسائل :

المسألة الأولى : كان السلف إذا أحبوا شيئا جعلوه لله ، روي أنه لما نزلت هذه الآية ، قال أبو طلحة : يا رسول الله لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي إلي أفأتصدق به ؟ فقال عليه السلام : " بخ بخ ذاك مال رابح ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين " ، فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها في أقاربه ، ويروى أنه جعلها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب رضي الله عنهما ، وروي أن زيد بن حارثة - رضي الله عنه - جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة ، فوجد زيد في نفسه ، فقال عليه السلام : " إن الله قد قبلها " ، واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له : لم أعتقتها ولم تصب منها ؟ فقال : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) .

المسألة الثانية : للمفسرين في تفسير البر قولان : أحدهما : ما به يصيرون أبرارا حتى يدخلوا في قوله : [ ص: 118 ] ( إن الأبرار لفي نعيم ) [ الانفطار : 13 ] ، فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة .

والثاني : الثواب والجنة ، فكأنه قال : لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالإنفاق على هذا الوجه .

أما القائلون بالقول الأول ، فمنهم من قال : ( البر ) هو التقوى واحتج بقوله : ( ولكن البر من آمن بالله ) إلى قوله : ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) [ البقرة : 177 ] ، وقال أبو ذر : إن البر هو الخير ، وهو قريب مما تقدم .

وأما الذين قالوا : البر هو الجنة فمنهم من قال : ( لن تنالوا البر ) أي لن تنالوا ثواب البر ، ومنهم من قال : المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم ، وهو من قول الناس : برني فلان بكذا ، وبر فلان لا ينقطع عني ، وقال تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) إلى قوله : ( أن تبروهم ) [ الممتحنة : 8 ] .

المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في قوله : ( مما تحبون ) منهم من قال : إنه نفس المال ، قال تعالى : ( وإنه لحب الخير لشديد ) [ العاديات : 8 ] ، ومنهم من قال : أن تكون الهبة رفيعة جيدة ، قال تعالى : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) [ البقرة : 267 ] ، ومنهم من قال : ما يكون محتاجا إليه قال تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ) [ الإنسان : 8 ] أحد تفاسير الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه ، وقال : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) [ الحشر : 9 ] ، وقال عليه السلام : " أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر " ، والأولى أن يقال : كل ذلك معتبر في باب الفضل وكثرة الثواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث