الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أفلا يتدبرون القرآن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) .

قوله تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) .

اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم ، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه ، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص ، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته . فقال : ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) فاحتج تعالى بالقرآن على صحة نبوته وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور وأدبارها ، ومنه قوله : إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها ، ويقال في فصيح الكلام : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، أي لو عرفت في صدر أمري ما عرفت من عاقبته .

المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ لو [ ص: 157 ] لم تحمل الآية على ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها البتة ، والعلماء قالوا : دلالة القرآن على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه :

أولها : فصاحته .

وثانيها : اشتماله على الإخبار عن الغيوب .

والثالث : سلامته عن الاختلاف ، وهذا هو المذكور في هذه الآية .

ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه :

الأول : قال أبو بكر الأصم : معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد ، والله تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا ، ويخبره عنها على سبيل التفصيل ، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق ، فقيل لهم : إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه ، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت ، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك ليس إلا بإعلام الله تعالى .

والثاني : وهو الذي ذهب إليه أكثر المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير ، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم ، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة ، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله .

فإن قيل : أليس أن قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 22- 23 ] كالمناقض لقوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) [ الأنعام : 103 ] وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر ، وقوله : ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) [ الحجر : 92 ] كالمناقض لقوله : ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) [ الرحمن : 39 ] .

قلنا : قد شرحنا في هذا التفسير أنه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها البتة .

الوجه الثالث : في تفسير قولنا : القرآن سليم عن الاختلاف : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة ، حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك ، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد ، ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة ، فإذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكبيرة ، فلا بد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا ، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه لمعجز من عند الله تعالى ، وضرب القاضي لهذا مثلا فقال : إن الواحد منا لا يمكنه أن يكتب الطوامير الطويلة بحيث لا يقع في شيء من تلك الحروف خلل ونقصان ، حتى لو رأينا الطوامير الطويلة مصونة عن مثل هذا الخلل والنقصان لكان ذلك معدودا في الإعجاز فكذا ههنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث