الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( ذلك الفضل من الله ) وفيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : لا شك أن قوله تعالى : ( ذلك ) إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من وصف الثواب ، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن الثواب غير واجب على الله ، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا للطاعة ، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة ، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا ، وإن كانت صالحة للمعصية أيضا لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق الداعي إلى الطاعة ، ويصير مجموع القدرة والداعي موجبا للفعل ، فخالق هذا المجموع هو الذي أعطى الطاعة ، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : نعم الله على العبد لا تحصى وهي موجبة للطاعة والشكر ، وإذا كانت الطاعات تقع في مقابلة النعم السالفة امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أن الوجوب يستلزم استحقاق الذنب عند الترك ، وهذا الاستحقاق ينافي الإلهية ، فيمتنع حصوله في حق الإله تعالى ، فثبت أن ظاهر الآية كما دل على أن الثواب كله فضل من الله تعالى ، فالبراهين العقلية القاطعة دالة [ ص: 141 ] على ذلك أيضا ، وقالت المعتزلة : الثواب وإن كان واجبا لكن لا يمتنع إطلاق اسم الفضل عليه ، وذلك أن العبد إنما استحق ذلك الثواب لأن الله تعالى كلفه والتكليف تفضل ، ولأنه تعالى هو الذي أعطى العقل والقدرة وأزاح الأعذار والموانع حتى تمكن المكلف من فعل الطاعة ، فصار ذلك بمنزلة من وهب لغيره ثوبا كي ينتفع به ، فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا ههنا .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : قوله : ( ذلك الفضل من الله ) فيه احتمالان :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون التقدير : ذلك هو الفضل من الله ، ويكون المعنى أن ذلك الثواب لكمال درجته كأنه هو الفضل من الله وأن ما سواه فليس بشيء .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أن يكون التقدير : ذلك الفضل هو من الله ، أي ذلك الفضل المذكور ، والثواب المذكور هو من الله لا من غيره ، ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( وكفى بالله عليما ) وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل ، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية