الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء

ثم قال تعالى : ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) . واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب ، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ، ومن آثاره ، فلا جرم نبه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني ، وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور ، والغرور : هو أن يظن الإنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار ، وجميع أحوال الدنيا كذلك ، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره ، وينال من الدنيا أمله ومقصوده ، ويستولي على أعدائه ، ويقع في قلبه أن الدنيا دول ، فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره ، إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره ، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه ، وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فإنه لا بد وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة ؛ فإن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى ، وكان الإلف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاما ، وأعظم تأثيرا في حصول الغم والحسرة ، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب .

[ ص: 41 ] وفي الآية وجه آخر : وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية .

ثم قال تعالى : ( أولئك مأواهم جهنم ) واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه ، والاستغراق في طيبات الدنيا ، والانهماك في معاصي الله سبحانه وإن كان في الحال لذيذا إلا أن عاقبته عذاب جهنم ، وسخط الله ، والبعد عن رحمته ، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور .

ثم قال تعالى : ( ولا يجدون عنها محيصا ) المحيص : المعدل والمفر .

قال الواحدي -رحمه الله- : هذه الآية تحتمل وجهين :

أحدهما : أنه لا بد لهم من ورودها .

الثاني : التخليد الذي هو نصيب الكفار ، وهذا غير بعيد ؛ لأن الضمير في قوله : ( ولا يجدون ) عائد إلى الذين تقدم ذكرهم ، وهم الذين قال الشيطان : لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا . والأظهر أن الذي يكون نصيبا للشيطان هم الكفار .

ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ) .

واعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر : ( خالدين فيها أبدا ) ولو كان الخلود يفيد التأبيد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل ، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام ، وأما في آيات الوعيد فإنه يذكر الخلود ولم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار ، وذلك يدل على أن عقاب الفساق منقطع .

ثم قال : ( وعد الله حقا ) قال صاحب "الكشاف" : هما مصدران :

الأول : مؤكد لنفسه ، كأنه قال : وعد وعدا ، و" حقا " مصدر مؤكد لغيره ، أي : حق ذلك حقا .

ثم قال : ( ومن أصدق من الله قيلا ) وهو توكيد ثالث بليغ .

وفائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني الباطلة ، والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه ، وقرأ حمزة والكسائي : ( أصدق من الله قيلا ) بإشمام الصاد الزاي ، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن ، نحو : ( قصد السبيل ) [النحل : 9] ( فاصدع بما تؤمر ) [الحجر : 94] والقيل : مصدر قال قولا وقيلا ، وقال ابن السكيت : فالقيل والقال : اسمان لا مصدران .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث