الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا

ثم قال تعالى : ( والصلح خير ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف ، والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا ؟ والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده ، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه .

وأما إذا قلنا : إنه يفيد العموم فههنا بحث ، وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق ؟ الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى ؛ وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملا ويخرج عن الإفادة ، فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه .

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : من الناس من حمل قوله : ( والصلح خير ) على الاستغراق ، ومنهم من حمله على المعهود السابق ، يعني : الصلح بين الزوجين خير من الفرقة ، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة ، وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى ، فاندفع استدلالهم ، والله أعلم .

المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" : هذه الجملة اعتراض ، وكذلك قوله : ( وأحضرت الأنفس الشح ) إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب فحصل المقصود .

المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر أولا قوله : ( فلا جناح عليهما أن يصلحا ) ، فقوله : ( فلا جناح ) يوهم أنه رخصة ، والغاية فيه ارتفاع الإثم ، فبين تعالى أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم فكذلك فيه خير عظيم ومنفعة كثيرة ، فإنهما إذا تصالحا على شيء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض ، أما قوله تعالى : ( وأحضرت الأنفس الشح ) .

فاعلم أن الشح هو البخل ، والمراد أن الشح جعل [ ص: 54 ] كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها ، يعني : أن النفوس مطبوعة على الشح ، ثم يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها ، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها ، وعدم حصول اللذة بمجانستها .

ثم قال تعالى : ( وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) وفيه وجوه :

الأول : أنه خطاب مع الأزواج ، يعني : وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وتيقنتم النشوز والإعراض ، وما يؤدي إلى الأذى والخصومة فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا ، وهو يثيبكم عليه .

الثاني : أنه خطاب للزوج والمرأة ، يعني : وإن يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم .

الثالث : أنه خطاب لغيرهما ، يعني : إن تحسنوا في المصالحة بينهما ، وتتقوا الميل إلى واحد منهما .

وحكى صاحب " الكشاف " : أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بني آدم ، وامرأته من أجملهم ، فنظرت إليه يوما ، ثم قالت : الحمد لله ، فقال ما لك ؟ فقالت : حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة ؛ لأنك رزقت مثلي فشكرت ، ورزقت مثلك فصبرت ، وقد وعد الله بالجنة عباده الشاكرين والصابرين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث