الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة

( يب ) كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة ، فقال يوما لأبي حنيفة : إني أريد أن أتزوج ابنة فلان وقد خطبتها ، إلا أنهم قد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي ، فقال : احتل واقترض وادخل عليها ، فإن الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك ، ثم أقرضه أبو حنيفة ذلك القدر ، ثم قال له : بعد الدخول أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد ، وأنك تسافر بأهلك معك ، فأظهر الرجل ذلك ، فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاءوا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه ، فقال لهم أبو حنيفة : له ذلك ، فقالوا : وكيف الطريق إلى دفع ذلك ؟ فقال أبو حنيفة : الطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه منه ، فأجابوه إليه ، فذكر أبو حنيفة ذلك للزوج ، فقال الزوج : فأنا أريد منهم شيئا آخر فوق ذلك ، فقال أبو حنيفة : أيما أحب إليك أن ترضى بهذا القدر وإلا أقرت لرجل بدين فلا تملك المسافرة بها حتى تقضي ما عليها من الدين ، فقال الرجل : الله الله لا يسمعوا بهذا ، فلا آخذ منهم شيئا ، ورضي بذلك القدر ، فحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين .

( يج ) عن الليث بن سعد قال : قال رجل لأبي حنيفة : لي ابن ليس بمحمود السيرة أشتري له الجارية بالمال العظيم فيعتقها ، وأزوجه المرأة بالمال العظيم فيطلقها ، فقال له أبو حنيفة : اذهب به معك إلى سوق النخاسين فإذا وقعت عينه على جارية فابتعها لنفسك ثم زوجها إياه ، فإن طلقها عادت إليك مملوكة ، وإن أعتقها لم يجز عتقه إياها ، قال الليث : فوالله ما أعجبني جوابه كما أعجبني سرعة جوابه .

( يد ) سئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته نهارا في رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب ، فقال أبو حنيفة : يسافر مع امرأته [ ص: 181 ] فيطؤها نهارا في رمضان .

( يه ) جاء رجل إلى الحجاج ، فقال : سرقت لي أربعة آلاف درهم فقال الحجاج : من تتهم ؟ فقال : لا أتهم أحدا ، قال : لعلك أتيت من قبل أهلك ؟ قال : سبحان الله ! امرأتي خير من ذلك ، قال الحجاج لعطاره : اعمل لي طيبا ذكيا ليس له نظير ، فعمل له الطيب ، ثم دعا الشيخ ، فقال : ادهن من هذه القارورة ولا تدهن منها غيرك ، ثم قال الحجاج لحرسه : اقعدوا على أبواب المساجد وأراهم الطيب ، وقال : من وجد منه ريح هذا الطيب فخذوه ، فإذا رجل له وفرة فأخذوه ، فقال الحجاج : من أين لك هذا الدهن ؟ قال : اشتريته قال : اصدقني وإلا قتلتك ، فصدقه فدعا الشيخ ، وقال هذا صاحب الأربعة آلاف ، عليك بامرأتك فأحسن أدبها ، ثم أخذ الأربعة آلاف من الرجل ، وردها إلى صاحبها .

( يو ) قال الرشيد يوما لأبي يوسف : عند جعفر بن عيسى جارية هي أحب الناس إلي وقد عرف ذلك ، وقد حلف أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ، وهو الآن يطلب حل يمينه ، فقال : يهب النصف ويبيع النصف ولا يحنث .

( يز ) قال محمد بن الحسن : كنت نائما ذات ليلة ، فإذا أنا بالباب يدق ويقرع ، فقلت : انظروا من ذاك ؟ فقالوا : رسول الخليفة يدعوك فخفت على روحي فقمت ومضيت إليه ، فلما دخلت عليه قال : دعوتك في مسألة : إن أم محمد - يعني زبيدة - قلت لها أنا الإمام العدل ، والإمام العدل في الجنة ، فقالت لي : إنك ظالم عاص فقد شهدت لنفسك بالجنة فكفرت بكذبك على الله ، وحرمت عليك ، فقلت له يا أمير المؤمنين إذا وقعت في معصية هل تخاف الله في تلك الحالة أو بعدها ؟ فقال : إي والله أخاف خوفا شديدا ، فقلت : أنا أشهد أن لك جنتين ، لا جنة واحدة قال تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [الرحمن : 46] فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر متبادرة إلي .

(يح) يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله ، فخاف أبو يوسف على نفسه ، فلبس إزاره ومشى خائفا إلى دار الخليفة ، فلما دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه ، فعند ذلك هدأ روعه ، قال الرشيد : إن حليا لنا فقد من الدار فاتهمت فيه جارية من جواري الدار الخاصة ، فحلفت لتصدقيني أو لأقتلنك وقد ندمت فاطلب لي وجها ، فقال أبو يوسف : فأذن لي في الدخول عليها ، فأذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر ، فأخلى المجلس ، ثم قال لها : أمعك الحلي ؟ فقالت : لا والله ، فقال لها : احفظي ما أقول لك ولا تزيدي عليه ولا تنقصي عنه إذا دعاك الخليفة وقال لك : أسرقت الحلي ؟ فقولي : نعم ، فإذا قال لك : فهاتها فقولي ما سرقتها ، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر بإحضار الجارية فحضرت ، فقال للخليفة : سلها عن الحلي ، فقال لها الخليفة : أسرقت الحلي ؟ قالت : نعم ، قال لها : فهاتها ، قالت : لم أسرقها والله ، قال أبو يوسف : قد صدقت يا أمير المؤمنين في الإقرار ، أو الإنكار وخرجت من اليمين ، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم ، فقالوا : إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد ، فقال : إن القاضي أعتقنا الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد ، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى منزله .

" يط " قال بشر المريسي للشافعي : كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد ؟ وكانت هذه المناظرة عند الرشيد ، فقال الشافعي : هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس ؟ فأقر به خوفا وانقطع .

" ك " أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله عنهما ، فسلم عليه وسأله حاجة وقال : سمعت جدك يقول : إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة : إما عربي شريف ، أو مولى كريم ، أو حامل القرآن [ ص: 182 ] أو صاحب وجه صبيح فأما العرب فشرفت بجدك ، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم ، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل ، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أردتم أن تنظروا إلي فانظروا إلى الحسن والحسين ، فقال الحسين : سمعت أبي عليا يقول : قيمة كل امرئ ما يحسنه ، وسمعت جدي يقول : المعروف بقدر المعرفة ، فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي ، وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي ، وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد حمل إلي صرة مختومة من العراق فقال : سل ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال : أي الأعمال أفضل ؟ قال الأعرابي : الإيمان بالله ، قال : فما نجاة العبد من الهلكة ؟ قال : الثقة بالله ، قال : فما يزين المرء ؟ قال : علم معه حلم قال : فإن أخطأه ذلك ؟ قال : فمال معه كرم ، قال : فإن أخطأه ذلك ؟ قال : ففقر معه صبر قال : فإن أخطأه ذلك قال : فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه ، فضحك الحسين ورمى بالصرة إليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث