الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

المسألة الثانية : أما الصد عن سبيل الله ففيه وجوه :

أحدها : أنه صد عن الإيمان بالله وبمحمد عليه السلام .

وثانيها : صد للمسلمين من أن يهاجروا إلى الرسول عليه السلام .

وثالثها : صد المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت .

ولقائل أن يقول : الرواية دلت على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر في قصة عبد الله بن جحش ، وقصة الحديبية كانت بعد غزوة بدر بمدة طويلة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن ما كان في معلوم الله تعالى كان كالواقع ، وأما الكفر بالله فهو الكفر بكونه مرسلا للرسل ، مستحقا للعبادة ، قادرا على البعث ، وأما قوله : ( والمسجد الحرام ) فإن عطفناه على الضمير في ( به ) كان المعنى : وكفر بالمسجد الحرام ، ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به ، فقد كفروا بما هو السبب في فضيلته التي بها يتميز عن سائر البقاع ، ومن قال : إنه معطوف على سبيل الله كان المعنى : وصد عن المسجد الحرام ; وذلك لأنهم صدوا عن المسجد الحرام الطائفين والعاكفين والركع السجود .

وأما قوله تعالى : ( وإخراج أهله منه ) فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد ، بل من مكة ، وإنما جعلهم أهلا له ؛ إذ كانوا هم القائمين بحقوق البيت كما قال تعالى : ( وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ) [الفتح : 26] وقال تعالى : ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ) [الأنفال : 34] فأخبر تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر ، أي كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام ، وهذا تفريع على قول الزجاج . وإنما قلنا : إن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين :

أحدهما : أن كل واحد من هذه الأشياء كفر ، والكفر أعظم من القتال .

والثاني : أنا ندعي أن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام ، وهو القتال الذي صدر عنعبد الله بن جحش ، وهو ما كان قاطعا بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام ، وهؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام ، فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر .

أما قوله تعالى : ( والفتنة أكبر من القتل ) فقد ذكروا في الفتنة قولين :

أحدهما : هي الكفر ، وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، وهو عندي ضعيف ; لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك ، فإنه تعالى قال : ( وكفر به ) ( أكبر ) فحمل الفتنة على الكفر يكون تكرارا ، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء .

والقول الثاني : أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم ، تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم ، وتارة بالتعذيب ، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر ، وهذا قول محمد بن إسحاق ، وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان ، يقال : فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه ، ومنه قوله تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) [التغابن : 15] أي امتحان لكم ; لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل الله تفكر في ولده ، فصار ذلك مانعا له عن الإنفاق ، وقال تعالى : ( الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) [العنكبوت : 1 ، 2] أي : لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء ، وقال : ( وفتناك فتونا ) [طه : 40] وإنما هو الامتحان بالبلوى ، وقال : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) [العنكبوت : 10] والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار وقال : ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ) [البروج : 10] والمراد أنهم آذوهم وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم ، وقال : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) [النساء : 101] وقال : ( ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صالي الجحيم ) [الصافات : 162] وقال : ( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ) [آل عمران : 7] أي المحنة في الدين ، وقال : ( واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) [المائدة : 49] وقال : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) [آل عمران : 7] وقال : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) [يونس : 85] والمعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال : ( فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون ) [القلم : 65] قيل : المفتون المجنون ، والجنون فتنة ; إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول .

فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان ، وإنما قلنا : إن الفتنة أكبر من القتل ؛ لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلا عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي .

روي أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش صاحب هذه السرية إلى مؤمني مكة : إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام ، قال : ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) والمعنى ظاهر ، ونظيره قوله تعالى : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) [البقرة : 120] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث