الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة التضحية ليلا ونهارا

جزء التالي صفحة
السابق

982 - مسألة : والتضحية جائزة من الوقت الذي ذكرنا يوم النحر إلا أن يهل هلال المحرم ، والتضحية ليلا ونهارا جائز .

واختلف الناس في هذا فروينا من طريق ابن أبي شيبة نا أبو أسامة عن هشام هو ابن حسان - عن محمد بن سيرين قال : النحر يوم واحد إلى أن تغيب الشمس . [ ص: 40 ]

وعن حميد بن عبد الرحمن أنه كان لا يرى الذبح إلا يوم النحر - وهو قول أبي سليمان .

وقول آخر : رويناه من طريق وكيع عن محمد بن عبد العزيز عن جابر بن زيد قال : النحر في الأمصار يوم ، وبمنى ثلاثة أيام .

وقول ثالث : أن التضحية يوم النحر ويومان بعده - روينا من طريق ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن زر عن علي قال : النحر ثلاثة أيام أفضلها أولها .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا جرير عن منصور عن مجاهد عن مالك بن ماعز ، أو ماعز بن مالك الثقفي : أن أباه سمع عمر يقول : إنما النحر في هذه الثلاثة الأيام .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا هشيم عن أبي حمزة عن حرب بن ناجية عن ابن عباس قال : أيام النحر ثلاثة أيام .

ومن طريق وكيع عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس النحر ثلاثة أيام .

ومن طريق ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عياش عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : الأضحى يوم النحر ويومان بعده .

ومن طريق وكيع عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال : ما ذبحت يوم النحر ، والثاني ، والثالث فهي الضحايا .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح حدثني أبو مريم سمعت أبا هريرة يقول : الأضحى ثلاثة أيام .

ومن طريق وكيع عن شعبة عن قتادة عن أنس قال : الأضحى يوم النحر ويومان بعده .

وبه يقول أبو حنيفة ، ومالك - ولا يصح شيء من هذا كله إلا عن أنس وحده لأنه عن عمر من طريق مجهول عن أبيه - مجهول أيضا .

وعن علي من طريق ابن أبي ليلى - وهو سيئ الحفظ - عن المنهال - وهو متكلم [ ص: 41 ] فيه ; وعن ابن عباس من طريق ابن أبي ليلى - وهو سيئ الحفظ - وأبي حمزة - وهو ضعيف .

ومن طريق ابن عمر عن إسماعيل بن عياش وعبد الله بن نافع ، وكلاهما ضعيف .

ومن طريق أبي هريرة عن معاوية بن صالح - وليس بالقوي - عن أبي مريم - وهو مجهول .

وقول رابع وهو أن التضحية يوم النحر وثلاثة أيام بعده - : روينا من طريق محمد بن المثنى نا عبيد الله بن موسى نا ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال : الأيام المعلومات : يوم النحر ، وثلاثة أيام بعده - : هكذا في كتابي ولا أدري لعله وهم ، والله أعلم .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا أبو أسامة عن هشام عن عطاء قال : النحر أربعة أيام إلى آخر أيام التشريق .

ومن طريق وكيع نا همام بن يحيى سمعت عطاء يقول : النحر أربعة أيام إلى آخر أيام التشريق .

ومن وكيع نا همام بن يحيى سمعت عطاء يقول : النحر ما دامت الفساطيط بمنى .

ومن طريق وكيع عن شعبة عن قتادة عن الحسن قال : النحر يوم النحر وثلاثة أيام بعده .

ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري فيمن نسي أن يضحي يوم النحر ؟ قال : لا بأس أن يضحي أيام التشريق .

ومن طريق ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عياش عن عمر بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز قال : الأضحى أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده - وهو قول الشافعي .

وقول خامس : كما روينا من طريق ابن أبي شيبة نا أبو داود الطيالسي عن حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم هو التيمي - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وسليمان بن يسار ، قالا جميعا : الأضحى إلى هلال المحرم لمن استأنى بذلك . [ ص: 42 ]

قال أبو محمد : أما من قال النحر يوم الأضحى وحده فقال : إنه مجمع عليه وما عداه فمختلف فيه ; فلا توجد شريعة باختلاف لا نص فيه ؟ قال علي : صدقوا ، والنص يجيز قولنا على ما نأتي به بعد هذا إن شاء الله تعالى .

وأما من قال بقول أبي حنيفة ، ومالك ، فإنهم احتجوا بأنه قول روي عن عمر ، وعلي ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وأنس ، ولا يعرف لهم من الصحابة رضي الله عنهم مخالف ، ومثل هذا لا يقال بالرأي .

قال علي : قد ذكرنا قضايا عظيمة خالفوا فيها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم لا يعرف لهم منهم مخالف ، فكيف ولا يصح شيء مما ذكرنا إلا عن أنس وحده على ما بينا قبل وإن كان هذا إجماعا فقد خالف عطاء ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن ، والزهري ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار - : الإجماع ، وأف لكل إجماع يخرج عنه هؤلاء .

وقد روينا عن ابن عباس ما يدل على خلافه لهذا القول ولا نعلم لمن قال : أربعة أيام حجة أيضا ، إلا أن أيام منى ثلاثة أيام يوم النحر فقط وليس هذا حجة .

قال أبو محمد : الأضحية فعل خير وقربة إلى الله تعالى : وفعل الخير حسن في كل وقت ، قال الله تعالى : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير } فلم يخص تعالى وقتا من وقت ولا رسوله عليه السلام ، فلا يجوز تخصيص وقت بغير نص ، فالتقريب إلى الله تعالى بالتضحية حسن ما لم يمنع منه نص أو إجماع ، ولا نص في ذلك ولا إجماع إلى آخر ذي الحجة .

وقد روينا خبرا يلزمهم الأخذ به - وأما نحن فلا نحتج به ويعيذنا الله تعالى من أن نحتج بمرسل ، وهو ما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا إبراهيم بن محمد الدينوري نا محمد بن أحمد بن الجهم نا أحمد بن الهيثم نا مسلم نا يحيى هو ابن أبي كثير - عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وسليمان بن يسار ، قالا جميعا " بلغنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 43 ] { الأضحى إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني بذلك } وهذا من أحسن المراسيل وأصحها فيلزم الحنفيين والمالكيين القول به وإلا فقد تناقضوا .

قال علي : وأجاز أبو حنيفة ، والشافعي : أن يضحى بالليل - وهو قول عطاء .

وقال مالك : لا يجوز أن يضحى ليلا - وما نعلم لهذا القول حجة أصلا إلا أنهم قال قائلهم : قال الله تعالى : { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } قالوا : فلم يذكر الليل .

قال علي : وهذا منهم إيهام يمقت الله تعالى عليه ، لأن الله تعالى لم يذكر في هذه الآية ذبحا ، ولا تضحية ، ولا نحرا لا في نهار ، ولا في ليل ، وإنما أمر الله تعالى بذكره في تلك الأيام المعلومات أفترى يحرم ذكره في لياليهن ؟ إن هذا لعجب ومعاذ الله من هذا ، وليس هذا النص بمانع من ذكره تعالى وحمده على ما رزقنا من بهيمة الأنعام في ليل أو نهار في العام كله .

وهذا مما حرفوا فيه الكلم عن مواضعه ، ولا يختلفون فيمن حلف أن لا يكلم زيدا ثلاثة أيام أن الليل يدخل في ذلك مع النهار .

وذكروا حديثا لا يصح رويناه من طريق بقية بن الوليد عن مبشر بن عبيد الحلبي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالليل } .

قال أبو محمد : هذه فضيحة الأبد ، وبقية ليس بالقوي ، ومبشر بن عبيد مذكور بوضع الحديث عمدا ، ثم هو مرسل ، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة لأنهم يجيزون الذبح بالليل فيخالفونه فيما فيه ويحتجون به فيما ليس فيه وهذا عظيم جدا .

وقال قائل منهم : لما كانت ليلة النحر لا يجوز التضحية فيها وكان يومه تجوز التضحية فيه كانت ليالي سائر أيام التضحية كذلك .

قال علي : وهذا قياس والقياس كله باطل ; ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل ، لأن يوم النحر هو مبدأ دخول وقت التضحية وما قبله ليس وقتا للتضحية ، ولا يختلفون معنا في أن من طلوع الشمس إلى أن يمضي بعد ابيضاضها وارتفاعها وقت واسع من يوم النحر لا تجوز فيه التضحية فيلزمهم أن يقيسوا على ذلك اليوم ما بعده من [ ص: 44 ] أيام التضحية فلا يجيزوا التضحية فيها إلا بعد مضي مثل ذلك الوقت وإلا فقد تناقضوا وظهر فساد قولهم ، وما نعلم أحدا من السلف قبل مالك منع من التضحية ليلا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث