الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الوضوء والغسل

قال ( وإذا حت النجاسة عن الثوب لم يجزه إلا في المني اليابس خاصة ) ; لأن الثوب رقيق تتداخل النجاسة في أجزائه فلا يخرجه إلا الماء فأما الحت يزيل ما على ظاهره دون ما يتداخل في أجزائه فأما المني فالكلام فيه في فصلين . أحدهما أنه نجس عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله طاهر لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال المني كالمخاط فأمطه عنك ، ولو بإذخرة ، ولأنه أصل لخلقة الآدمي فكان طاهرا كالتراب لاستحالة أن يقال : إن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - خلقوا من شيء نجس ، وهذا ; لأن المستحيل من غذاء الحيوان إنما يكون نجسا إذا كان يستحيل إلى نتن ، وفساد ، والمني غير مستحيل إلى فساد ، ونتن فهو كاللبن ، والبيضة .

( ولنا ) قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر { إنما يغسل الثوب من خمس من البول ، والغائط ، والخمر ، والدم ، والمني } ، ولأنه خارج من البدن يجب الاغتسال بخروجه فكان نجسا كدم الحيض ، وخروجه من مكان النجاسات فلا بد أن يتنجس بالمجاورة ، وإن يكن نجسا في نفسه ، وكونه أصل خلقة الآدمي لا ينفي صفة النجاسة عنه كالعلقة ، والمضغة ، وإن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما شبهه بالمخاط في المنظر لا في الحكم ، وأمر بالإماطة ليتمكن من غسله فإن قبل الإماطة تنتشر النجاسة في الثوب إذا أصابه الماء ، والفصل الثاني أنه ما دام رطبا لا يطهر إلا بالغسل فإن جف فحته ، وفرك الثوب القياس أن لا يطهر ; لأنه دم إلا أنه نضيج فهو كسائر أنواع الدم لا يطهر إلا بالغسل . استحسن علماؤنا - رحمهم الله تعالى - فقالوا يطهر بالفرك لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله تعالى عنها في المني إذا رأيته رطبا فاغسليه ، وإذا رأيته يابسا فافركيه } . { ، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي } ، ولأن جرم المني لا يتداخل في أجزاء الثوب بل هو على ظاهره يزول بالفرك فهو نظير سيف المجاهد ، وسكين القصاب إذا مسحه بالتراب يطهر به ، وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في المني إذا أصاب البدن لا يطهر به إلا بالغسل ; لأن لين البدن يمنع زوال أثره بالحت ، وروي عن محمد رحمه الله تعالى قال إذا كان المني غليظا فجف يطهر بالفرك ، وإن كان رقيقا لا يطهر إلا بالغسل ، وقال إذا أصاب المني ثوبا ذا طاقين فالطاق الأعلى يطهر بالفرك ، والأسفل لا يطهر إلا بالغسل ; لأنه إنما يصيبه البلة دون الجرم ، وهذه مسألة مشكلة فإن الفحل لا يمني حتى يمذي ، والمذي لا يطهر بالفرك إلا أنه جعل [ ص: 82 ] المذي في هذه الحالة مغلوبا مستهلكا بالمني فكان الحكم للمني دون المذي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث