الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

كتاب الإجارات

( قال : الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي إملاء : اعلم أن الإجارة عقد على المنفعة بعوض هو مال والعقد على المنافع شرعا نوعان أحدهما : بغير عوض كالعارية والوصية بالخدمة والآخر : بعوض وهو الإجارة وجواز هذا العقد عرف بالكتاب والسنة ) أما الكتاب فقوله تعالى { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } أي في العمل بأجر وقال : الله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام { على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك } ، وما ثبت شريعة لمن قبلنا فهو لازم لنا ما لم يقم الدليل على انفساخه وقال صلى الله عليه وسلم { : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه } فالأمر بإعطاء الأجر دليل صحة العقد ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يؤاجرون ويستأجرون فأقرهم على ذلك وبين أحكامه وزعم بعض مشايخنا رحمهم الله أن القياس يأبى جواز هذا العقد ; لأنه يرد على المعدوم وهي المنفعة التي توجد في مدة الإجارة والمعدوم ليس بمحل للعقد ; لأنه ليس بشيء فيستحيل وصفه بأنه معقود عليه ولأنه ملك المعقود عليه بعد الوجود لا بد منه لانعقاد العقد والمعدوم لا يوصف بأنه مملوك ولا يمكن جعل العقد مضافا ; لأن المعاوضات لا تحتمل الإضافة كالبيع والنكاح ( قال : ) رضي الله عنه وهذا عندي ليس بقوي واشتراط الوجود والملك فيما يضاف إليه العقد لعينه بل للقدرة على التسليم ، وذلك لا يتحقق في المانع فإن الوجود يعجزه عن التسليم بحكم العقد هنا ; لأن المنافع أعراض لا تبقى وقتين والتسليم حكم العقد والحكم يعقب السبب فلا يتصور بقاء الموجود من المنفعة عند العقد إلى وقت التسليم فإذا كان بالوجود يتحقق العجز عن التسليم عند وجوب التسليم فلا معنى لاشتراط الوجود عند العقد ولكن تقام العين المنتفع بها موجودة في ملك العقد مقام المنفعة في حكم جواز العقد ولزومه كما تقام المرأة مقام ما هو المقصود بالنكاح في حكم العقد والتسليم

وتقام الذمة التي هي محل المسلم فيه مقام ملك المعقود عليه في حكم جواز السلم ، أو [ ص: 75 ] يجعل العقد مضافا للانعقاد إلى وقت وجود المنفعة ليقترن الانعقاد بالاستيفاء فيتحقق بهذا الطريق التمكن من استيفاء المعقود عليه وهو معنى قول مشايخنا رحمهم الله : إن الإجارة عقود متفرقة يتجدد انعقادها بحسب ما يحدث من المنفعة وإنما يفعل كذلك لحاجة الناس فالفقير محتاج إلى مال الغني والغني محتاج إلى عمل الفقير وحاجة الناس أصل في شرع العقود فيشرع على وجه ترتفع به الحاجة ويكون موافقا لأصول الشرع ، ثم يرد هذا العقد تارة على المنفعة وعلى العمل أخرى وفي الوجهين لا بد من إعلام ما يرد عليه العقد على وجه تنقطع به المنازعة فإعلام المنفعة ببيان المدة ، أو المسافة ، وذكر المدة لبيان مقدار العقود عليه لا للتوقيت في العقد فإن المنافع لما كانت تحدث شيئا فشيئا فمقدارها يصير معلوما ببيان المدة بمنزلة الكيل والوزن في المقدرات ، أو ببيان المسافة فإن مقدار السير والمشي يصير به معلوما وإعلام العمل ببيان محله والمعقود عليه فيه وصف يحدثه في المحل من قصارة ، أو دباغة ، أو خياطة فيختلف مقداره باختلاف المحل ; ولهذا لا يتعين عليه إقامة العمل بيده إلا أن يشترط عليه ذلك فحينئذ يجب الوفاء بالشرط ; لأنه مفيد فبين الناس تفاوت في إقامة العمل بأيديهم وكما يجب إعلام ما يرد عليه العقد يجب إعلام البدل لقطع المنازعة وقد دل عليه الحديث الذي بدأ به الكتاب ورواه عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا ينكح على خطبته وقال : لا تناجشوا ولا تبيعوا بإلقاء الحجر ومن استأجر أجيرا فليعلمه أجره } .

وهذا حديث طويل بدأ ببعضه كتاب النكاح وببعضه كتاب الإجارات وهو مشهور تلقته العلماء رحمهم الله بالقبول وبالعمل به وفيه دليل على أنه لا يحل الاستيام على سوم الغير .

وهذا اللفظ يروى بروايتين بكسر الميم فيكون نهيا والنهي مجزوم ولكن المجزوم إذا حرك لاستقبال الألف واللام حرك بالكسر ، وبرفع الميم وهو نهي بصيغة الخبر وأبلغ ما يكون من النهي هذا كالأمر فإن أبلغ الأمر ما يكون بصيغة الخبر

قال سفيان بن عيينة رحمه الله بظاهر الحديث إذا استام على سوم الغير واشترى ، أو نكح على خطبة الغير فالعقد باطل ; لأن النهي يوجب فساد المنهي عنه ولكنا نقول هذا نهي لمعنى في غير المنهي عنه غير متصل به وهو الأذى والوحشة الذي يلحق صاحبه ، وذلك ليس من العقد في شيء فيوجب الاستياء ولا يفسد العقد كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة ، ثم هذا النهي بعد ما ركن أحدهما إلى صاحبه ، فأما إذا ساومه بشيء ولم يركن أحدهما إلى صاحبه فلا بأس للغير أن يساومه ويشتريه [ ص: 76 ] على ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعبد فساومه ولم يشتره فاشتراه آخر فأعتقه . } الحديث ، وهذا ; لأن بيع المزايدة لا بأس به على ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم باع قعبا وحلسا ببيع من يزيد } وصفة بيع المزايدة أن ينادي الرجل على سلعته بنفسه ، أو بنائبه ويزيد الناس بعضهم على بعض فما لم يكف عن النداء فلا بأس للغير أن يزيد وإذا ساومه إنسان بشيء فكف عن النداء ورضي بذلك فحينئذ يكره للغير أن يزيد ويكون هذا استياما على سوم الغير ، وكذلك إذا خطب امرأة ولم تركن إليه فلا بأس للغير أن يخطبها على ما روي { أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن معاوية يخطبني ، وإن أبا الجهم يخطبني فقال : صلى الله عليه وسلم أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له وأما أبو الجهم فهو لا يرفع العصا عن أهله انكحي أسامة بن زيد فإنك تجدين فيه خيرا كثيرا } ، فأما بعد ما ركن أحدهما إلى صاحبه لا يحل لأحد أن يخطبها ; لأن معنى الأذى إنما يتحقق في هذه الحال والمراد بالنجش الإثارة ومنه سمي الصياد ناجشا ; لأنه ينثر الصيد عن أوكارها فالمراد أن يطلب السلعة بثمن يعلم أنها لا تساوي ذلك ولا يقصد شراءها وإنما يقصد أن يرغب الغير في شرائها به وهذا من باب الخداع والغرور

وقوله : { ولا تبيعوا بإلقاء الحجر } وفي بعض الروايات { ولا تنابذوا } وهو عبارة عن هذا المعنى أيضا فالنبذ هو الطرح وهذه أنواع بيوع كانوا تعارفوها في الجاهلية وهي أن يرمي الحجر إلى سلعة إنسان فإن أصابها وجب البيع بينهما ، أو يطلب سلعة من إنسان فإن طرح إليه صاحبها وجب البيع بينهما ، ثم نهى الشرع عن ذلك ; لما فيه من الغرر كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع الغرر } ومقصوده آخر الحديث { ومن استأجر أجيرا فليعلمه أجره } وهذا دليل جواز الإجارة وجواز استئجار الحر للعمل ووجوب إعلام الأجر وأنه لا يجب تسليم الأجر بنفس العقد ; لأنه أمر بالإعلام ولو كان التسليم يجب بنفس العقد لكان الأولى أن يقول فليؤته أجره وفي قوله صلى الله عليه وسلم { : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه } دليل على ذلك أيضا فإنه أمر بالمسارعة إلى أداء الأجرة وجعل أول أوقات المسارعة ما بعد الفراغ من العمل قبل جفوف العرق فدل أن أول وقت الوجوب هذا وعن أبي أمامة قال : { قلت لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما إني أكري إبلي إلى مكة أفتجزيني من حجتي ؟ فقال : ألست تلبي وتقف وترمي الجمار ؟ قلت : بلى قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني عنه فلم يجبه حتى أنزل الله تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } فقال : صلى الله عليه وسلم أنتم حاج } . [ ص: 77 ] وفي هذا دليل جواز الإجارة وجواز كراء الإبل إلى مكة شرفها الله من غير بيان المدة ; لأن ذكر المسافة في الإعلام كبيان المدة ، ثم أشكل على السائل حال حجه ; لأن خروجه كان لتعاهد إبله واكتساب الكراء لنفسه وهو موضع الإشكال فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من أشراط الساعة اكتساب الدنيا بعمل الآخرة فأزال ابن عمر رضي الله عنهما إشكاله بما ذكر له من مباشرة أعمال الحج وهذا بيان له أن بالذهاب لا يتأدى الحج وإنما يتأدى بالإحرام والوقوف والطواف والرمي وهو بهذه الأعمال لا يبتغي عرض الدنيا وهذا جواب تام لو اقتصر عليه ولكنه أحب أن يزيده وضوحا فروى الحديث ; لأن الأول دليل يستدرك بالتأمل وقد شبه ذلك بالسراج والخبر دليل واضح وهو مشبه بالشمس وكم من عين لا تبصر بضوء السراج وتبصر إذا بزغ الضياء الوهاج

ثم فيه دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر نزول الوحي في بعض ما يسأل عنه ; فإنه أخر جواب هذا السائل حتى نزلت الآية ، ثم بين له أنه لا نقصان في الحج وأهل الحديث يروون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن التجارة في طريق الحج ولما كان إكراء الإبل في معناه روى ابن عمر رضي الله عنهما الحديث فيه وعلى هذا قلنا الرستاقي إذا دخل المصر يوم الجمعة لشراء الدهن واللحم وشهد الجمعة فهو في الثواب ، والذي لا شغل له سوى إقامة الجمعة سواء ; لأن مقصود المسلم إقامة العبادة فيما سوى ذلك يكون تبعا له ولا يتمكن نقصان في ثواب العبادة وإن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : أتى رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال : إني أجرت نفسي من قوم وحططت لهم من أجري أفيجزيني من حجتي ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا من الدين قال الله تعالى { ليس عليكم جناح } الآية وإنما أشكل على هذا السائل ما أشكل على الأول وكأنه بلغه الحديث الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي استؤجر بدينارين للخروج مع المجاهد { وإنما لك دينارك في الدنيا والآخرة } فظن مثله في الحج وحط بعض الأجر به ليرتفع به نقصان حجه فإن الحط إحسان وانتداب إلى ما ندب في الشرع ومثله مشروع جبر النقصان الفرائض كالنوافل فأزال ابن عباس رضي الله عنهما إشكاله وبين أنه لا نقصان في حجه ولم يأمره بالكف عن حط الأجر ، وإن كان حجه بدونه تماما ; لأن المنع من البر والإحسان لا يحسن ، وهو على ما أفتى به ابن عباس رضي الله عنهما بخلاف حال من استؤجر للخروج مع المجاهد ; فإنه خرج ليخدم غيره لا ليباشر الجهاد وهذا خرج ليباشر أعمال الحج ويخدم في الطريق غيره فكان هذا تبعا لا يتمكن به نقصان [ ص: 78 ] في الأصل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث