الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله

قوله تعالى : ما كان للمشركين . الآيتين . أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس قال : ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله . وقال : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله فنفى المشركين من المسجد، من آمن بالله واليوم الآخر يقول : من وحد الله، وآمن بما أنزل الله، وأقام الصلاة يعني الصلوات الخمس، ولم يخش إلا الله يقول : لم يعبد إلا الله، فعسى أولئك يقول : أولئك هم المهتدون . كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا يقول : إن ربك سيبعثك مقاما محمودا، وهي الشفاعة، وكل "عسى" في القرآن فهي واجبة .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة ، أنه قرأ : ( ما كان للمشركين أن يعمروا [ ص: 258 ] مسجد الله ) . قال : إنما هو مسجد واحد .

وأخرج ابن المنذر عن حماد قال : سمعت عبد الله بن كثير يقرأ هذا الحرف : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله )، ( إنما يعمر مسجد الله ) .

وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، والدارمي، والترمذي وحسنه، وابن ماجه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن خزيمة ، وابن حبان، وأبو الشيخ ، والحاكم وصححه، وابن مردويه ، والبيهقي في "سننه"، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، قال الله : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ويأت المسجد فيصلي فلا صلاة له، وقد عصى الله ورسوله، قال الله : إنما يعمر مساجد الله الآية .

[ ص: 259 ] وأخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله سبحانه يقول : إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، والمتحابين في، والمستغفرين بالأسحار، صرفت عنهم .

وأخرج عبد الرزاق ، والبيهقي ، عن معمر، عن رجل من قريش يرفع الحديث قال : يقول الله تبارك وتعالى : إن أحب عبادي إلي الذين يتحابون في والذين يعمرون مساجدي، والذين يستغفرون بالأسحار، أولئك الذين إذا أردت بخلقي عذابا ذكرتهم، فصرفت عذابي عن خلقي .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، والبزار وحسنه، والطبراني ، والبيهقي ، عن أبي الدرداء، أنه كتب إلى سلمان : يا أخي، ليكن المسجد بيتك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المسجد بيت كل تقي، وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة، والجواز على الصراط إلى رضوان الرب .

[ ص: 260 ] وأخرج عبد الرزاق ، والبيهقي ، عن قتادة قال : كان يقال : ما رئي المسلم إلا في ثلاث؛ : في مسجد يعمره، أو بيت يكنه، أو ابتغاء رزق من فضل ربه .

وأخرج أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشمي في جزئه المشهور بـ "نسخة أبي مسهر" عن أبي إدريس الخولاني قال : المساجد مجالس الكرام .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن للمساجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم، إن غابوا يفتقدونهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم . ثم قال : جليس المسجد على ثلاث خصال؛ أخ مستفاد، أو كلمة محكمة أو رحمة منتظرة .

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بيوت الله في الأرض المساجد، وإن حقا على الله أن يكرم الزائر .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، والبيهقي في "شعب الإيمان"، عن عمرو بن ميمون الأودي قال : أخبرنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المساجد بيوت الله [ ص: 261 ] في الأرض، وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها .

وأخرج البزار ، وأبو يعلى ، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عمار بيوت الله هم أهل الله . وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا عاهة من السماء أنزلت صرفت عن عمار المساجد .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن سلام قال : إن للمساجد أوتادا هم أوتادها، وإن لهم جلساء من الملائكة، تفتقدهم الملائكة إذا غابوا، فإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم .

وأخرج الطبراني في "الأوسط"، وابن عدي، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ألف المسجد ألفه الله .

وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي قال : سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 262 ] يقول : من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب أخا مستفادا في الله، وعلما مستظرفا، وكلمة تدعوه إلى الهدى، وكلمة تصرفه عن الردى، ويترك الذنوب حياء وخشية أو نعمة أو رحمة منتظرة .

وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من توضأ في بيته فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر . وأخرجه ابن أبي شيبة ، وأحمد في "الزهد" عن سلمان، موقوفا .

وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بشر المشائين في ظلم الليالي إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والطبراني ، والبيهقي ، عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نورا يوم القيامة . [ ص: 263 ] وأخرج الطبراني عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الغدو والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح . وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عبد الرحمن بن معقل قال : كنا نتحدث أن المسجد حصن حصين من الشيطان .

وأخرج الطبراني ، والبيهقي ، عن ابن عباس قال : المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض .

وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا أوسع منه في الجنة . [ ص: 264 ] وأخرج أحمد ، والطبراني ، عن بشر بن حيان قال : جاء واثلة بن الأسقع ونحن نبني مسجدنا، فوقف علينا فسلم، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من بنى مسجدا يصلى فيه، بنى الله له بيتا في الجنة أفضل منه .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، والبزار، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها، بنى الله له بيتا في الجنة .

وأخرج الطبراني في "الأوسط"، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من بنى مسجدا لا يريد به رياء ولا سمعة، بنى الله له بيتا في الجنة .

وأخرج الطبراني في "الأوسط"، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بنى بيتا يعبد الله فيه، من مال حلال، بنى الله له بيتا في الجنة من در وياقوت .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من بنى مسجدا ولو [ ص: 265 ] كمفحص قطاة، بنى الله له بيتا في الجنة .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله، بنى الله له بيتا في الجنة .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابنوا المساجد واتخذوها جما .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن ابن عباس قال : أمرنا أن نبني المساجد جما والمدائن شرفا .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن ابن عمر قال : نهينا أن نصلي في مسجد مشرف .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شقيق قال : إنما كانت المساجد جما، وإنما شرف الناس في حديث من الدهر .

[ ص: 266 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أنس بن مالك قال : كان يقال : ليأتين على الناس زمان يبنون المساجد يتباهون بها ولا يعمرونها إلا قليلا .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن يزيد بن الأصم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أمرت بتشييد المساجد .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن ابن عباس قال : لتزخرفن مساجدكم كما زخرفت اليهود والنصارى مساجدهم .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أبي قال : إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم .

وأخرج الطبراني في "مسند الشاميين" عن علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من علق قنديلا في مسجد صلى عليه سبعون ألف ملك، [ ص: 267 ] واستغفر له ما دام ذلك القنديل يقد .

وأخرج سليم الرازي في "الترغيب" عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوءه .

وأخرج أبو بكر الشافعي في "رباعياته"، والطبراني ، عن أبي قرصافة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها . وسمعته يقول : إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين . وسمعته يقول : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة . فقالوا : يا رسول الله، وهذه المساجد التي تبنى في الطرق؟ فقال : وهذه المساجد التي تبنى في الطرق .

وأخرج أحمد عن أنس قال : مررت مع النبي صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة، فرأى فيه قبة من لبن فقال : لمن هذه؟ قلت : لفلان . فقال : أما إن كل بناء هد على صاحبه يوم القيامة، إلا ما كان في مسجد . ثم مر فلم [ ص: 268 ] يرها، قال : ما فعلت القبة؟ قلت : بلغ صاحبها ما قلت فهدمها . فقال : رحمه الله .

وأخرج أحمد في "الزهد" والحكيم الترمذي ، عن مالك بن دينار قال : يقول الله إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى جلساء القرآن وعمار المساجد وولدان الإسلام سكن غضبي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث