الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الذين هم في صلاتهم خاشعون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : الذين هم في صلاتهم خاشعون .

أخرج سعيد بن منصور ، وابن جرير ، والبيهقي في "سننه" عن محمد بن سيرين قال : نبئت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى يرفع بصره إلى السماء، فنزلت : الذين هم في صلاتهم خاشعون .

وأخرج عبد الرزاق في " المصنف " عن ابن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره إلى السماء ، فأمره بالخشوع ، فرمى ببصره نحو مسجده .

وأخرج عبد بن حميد ، وأبو داود في " مراسيله " ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في "سننه" ، عن ابن سيرين قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام في [ ص: 557 ] الصلاة نظر هكذا وهكذا؛ يمينا وشمالا فنزلت : الذين هم في صلاتهم خاشعون فحنى رأسه .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن محمد بن سيرين قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ويلتفتون يمينا وشمالا، فأنزل الله : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون فقالوا برؤوسهم؛ فلم يرفعوا أبصارهم بعد ذلك في الصلاة، ولم يلتفتوا يمينا ولا شمالا .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، عن ابن سيرين قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما ينظر إلى الشيء في الصلاة فيرفع بصره حتى نزلت آية، إن لم تكن هذه فلا أدري ما هي ؛ الذين هم في صلاتهم خاشعون فوضع رأسه .

وأخرج الحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في "سننه" عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت : الذين هم في صلاتهم خاشعون فطأطأ رأسه .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عمر في قوله : الذين هم في صلاتهم خاشعون قال : كانوا إذا قاموا في الصلاة أقبلوا على صلاتهم وخفضوا [ ص: 558 ] أبصارهم إلى موضع سجودهم، وعلموا أن الله يقبل عليهم، فلا يلتفتون يمينا ولا شمالا .

وأخرج ابن المبارك في " الزهد " وعبد الرزاق ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في "سننه" عن علي، أنه سئل عن قوله : الذين هم في صلاتهم خاشعون قال : الخشوع في القلب، وأن تلين كنفك للمرء المسلم، وألا تلتفت في صلاتك .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : الذين هم في صلاتهم خاشعون قال : خائفون ساكنون .

وأخرج الحكيم الترمذي ، والبيهقي في " شعب الإيمان " عن أبي بكر الصديق قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تعوذوا بالله من خشوع النفاق ، قالوا يا رسول الله، وما خشوع النفاق؟ قال : خشوع البدن ونفاق القلب .

وأخرج ابن المبارك ، وابن أبي شيبة ، وأحمد في " الزهد " عن أبي الدرداء قال : استعيذوا بالله من خشوع النفاق ، قيل له : وما خشوع النفاق؟ قال : أن [ ص: 559 ] ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عن قتادة قال : الخشوع في القلب، وهو الخوف وغض البصر في الصلاة .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير عن إبراهيم : الذين هم في صلاتهم خاشعون قال : الخشوع في القلب ، وقال : ساكنون .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن الحسن في قوله : الذين هم في صلاتهم خاشعون قال : كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا بذلك الجناح .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن الزهري : الذين هم في صلاتهم خاشعون قال : هو سكون المرء في صلاته .

وأخرج ابن المبارك ، وعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عن مجاهد في الآية قال : الخشوع في الصلاة السكون فيها .

[ ص: 560 ] وأخرج ابن سعد ، وابن أبي شيبة ، وأحمد في " الزهد " عن مجاهد ، عن عبد الله بن الزبير ، أنه كان يقوم في الصلاة كأنه عود، وكان أبو بكر يفعل ذلك ، وقال مجاهد : هو الخشوع في الصلاة .

وأخرج الحكيم الترمذي من طريق القاسم بن محمد، عن أسماء بنت أبي بكر عن أم رومان والدة عائشة قالت : رآني أبو بكر الصديق أتميل في صلاتي فزجرني زجرة كدت أنصرف من صلاتي، ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول : إذا قام أحدكم في الصلاة فليسكن أطرافه لا يتميل تميل اليهود، فإن سكون الأطراف في الصلاة من تمام الصلاة .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى رجلا يعبث بحليته في صلاته فقال : لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه .

وأخرج ابن سعد ، عن أبي قلابة قال : سألت مسلم بن يسار عن الخشوع في الصلاة فقال : تضع بصرك حيث تسجد .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، وأبو داود ، والنسائي عن عائشة قالت : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة فقال : هو اختلاس [ ص: 561 ] يختلسه الشيطان من صلاة العبد .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة ، أنه قال في مرضه : أقعدوني أقعدوني؛ فإن عندي وديعة أودعنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يلتفت أحدكم في صلاته، فإن كان لا بد فاعلا ففي غير ما افترض الله عليه .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة من طريق عطاء قال : سمعت أبا هريرة يقول : إذا صليت فإن ربك أمامك، وأنت مناجيه، فلا تلتفت . قال عطاء : وبلغني أن الرب يقول : يا ابن آدم إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال : إياكم والالتفات في الصلاة؛ فإنه لا صلاة للملتفت، وإذا غلبتم على تطوع فلا تغلبوا على المكتوبة .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن ابن مسعود قال : إن الله لا يزال مقبلا على العبد ما دام في صلاته ما لم يحدث أو يلتفت .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن سعد قال : إذا قام الرجل إلى [ ص: 562 ] الصلاة أقبل الله عليه بوجهه، فإذا التفت أعرض عنه .

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال : إذا قام الرجل في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه ما لم يلتفت .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم قال : إن من تمام الصلاة أن لا تعرف من عن يمينك ولا من عن شمالك .

وأخرج الحاكم وصححه من طريق جبير بن نفير عن عوف بن مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى السماء يوما فقال : هذا أوان يرفع العلم . فقال له رجل من الأنصار يقال له : ابن لبيد : يا رسول الله، كيف يرفع وقد أثبت في الكتب ووعته القلوب؟ فقال : إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة . ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، قال : فلقيت شداد بن أوس فحدثته فقال : صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع ؟ قلت : بلى . قال : الخشوع حتى لا ترى خاشعا .

وأخرج الحاكم وصححه، من طريق جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال : كنا [ ص: 563 ] مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشخص ببصره إلى السماء ثم قال : هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء . فقال زياد بن لبيد : يا رسول الله وكيف يختلس العلم منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا . فقال : ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذا التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا يغني عنهم . فلقيت عبادة بن الصامت فقلت له : ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ وأخبرته ، فقال : صدق، وإن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس؛ الخشوع ، يوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيه رجلا خاشعا .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد في " الزهد " والحاكم وصححه، عن حذيفة قال : أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ، ولتنقضن عرا الإسلام عروة عروة، وليصلين النساء وهن حيض، ولتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم، حتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة تقول إحداهما : ما بال الصلاة الخمس، لقد ضل من كان قبلنا، إنما قال الله : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل [هود : 114 ] . لا تصلوا إلا ثلاثا . وتقول الأخرى : إنا المؤمنون بالله كإيمان الملائكة، ما فينا كافر ولا منافق . حق على الله أن يحشرهما مع الدجال .

[ ص: 564 ] وأخرج أحمد عن أبي اليسر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : منكم من يصلي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع . حتى بلغ العشر .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، والدارمي ، ومسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه ، عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والطيالسي، والبخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والدارمي ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم . فاشتد في ذلك حتى قال : لينتهين، عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والطبراني ، عن ابن مسعود قال : لينتهين أقوام [ ص: 565 ] يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم .

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال : أما يخشى أحدكم إذا رفع بصره إلى السماء أن لا يرجع إليه بصره؟ يعني : وهو في الصلاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث