الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : هم الذين يقولون لا تنفقوا الآيتين .

أخرج ابن مردويه ، والضياء في «المختارة»، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا في عسيف لعمر بن الخطاب .

وأخرج ابن مردويه ، عن زيد بن أرقم، وعبد الله بن مسعود أنهما قرأا : (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله) .

[ ص: 502 ] وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن قتادة في قوله : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله قال : إن عبد الله بن أبي قال لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله؛ فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا .

وفي قوله : يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال : قد قالها منافق عظيم النفاق في رجلين اقتتلا، أحدهما غفاري والآخر جهني، فظهر الغفاري على الجهني وكان بين جهينة وبين الأنصار حلف، فقال رجل من المنافقين، وهو عبد الله بن أبي : يا بني الأوس والخزرج، عليكم صاحبكم وحليفكم، ثم قال : والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فسعى بها بعضهم إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر : يا نبي الله، مر معاذا أن يضرب عنق هذا المنافق، فقال : «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» .

وذكر لنا أنه كثر على رجل من المنافقين عنده، فقال : «هل يصلي»؟ قال : نعم، ولا خير في صلاته، قال : «نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين» .


وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا يقول : لا تطعموا محمدا وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة فيتركوا نبيهم .

وفي قوله : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال : قال ذلك عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وأناس معه من المنافقين .

وأخرج سعيد بن منصور ، والبخاري ، ومسلم والترمذي ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي في «الدلائل»، عن جابر بن عبد الله قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة - قال سفيان : يرون أنها غزوة بني المصطلق - فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال المهاجري : يا للمهاجرين، وقال الأنصاري : يا للأنصار، فسمع ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : «ما بال دعوى الجاهلية» قالوا : رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «دعوها فإنها منتنة» فسمع ذلك عبد الله بن أبي فقال : أوقد فعلوها؟! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام عمر فقال : يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال [ ص: 504 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - : «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» زاد الترمذي : فقال له ابنه عبد الله : والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – العزيز، ففعل .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عكرمة قال : كان بين غلام من الأنصار وغلام من بني غفار في الطريق كلام، فقال عبد الله بن أبي : هنيئا لكم بلوس هنيئا، جمعتم سراق الحجيج من مزينة وجهينة، فغلبوكم على ثماركم! ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عكرمة قال : لما حضر عبد الله بن أبي الموت، قال ابن عباس : فدخل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجرى بينهما كلام، فقال له عبد الله بن أبي : قد أفقه ما تقول، ولكن من علي اليوم، وكفني بقميصك هذا، وصل علي، قال ابن عباس : فكفنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بقميصه، وصلى عليه، والله أعلم أي صلاة كانت؟ وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يخدع إنسانا قط، غير أنه قال يوم الحديبية كلمة حسنة، فسئل عكرمة : ما هذه الكلمة؟ قال : قالت له قريش : يا أبا حباب، إنا قد منعنا محمدا طواف هذا البيت، ولكنا نأذن لك فقال : لا، [ ص: 505 ] لي في رسول الله أسوة حسنة، قال : فلما بلغوا المدينة أخذ ابنه السيف، ثم قال لوالده : أنت تزعم لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟! والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وأخرج الحميدي في «مسنده» عن أبي هارون المدني قال : قال عبد الله بن عبد الله بن أبي لأبيه : والله لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول : رسول الله - صلى الله عليه وسلم – الأعز، وأنا الأذل .

وأخرج الطبراني ، عن أسامة بن زيد : لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بني المصطلق، قام ابن عبد الله بن أبي فسل على أبيه السيف، وقال : والله علي ألا أغمده حتى تقول : محمد الأعز وأنا الأذل، فقال : ويلك! محمد الأعز وأنا الأذل، فبلغت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فأعجبه، وشكرها له .

وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج قال : لما قدموا المدينة سل عبد الله بن أبي على أبيه السيف، وقال : لأضربنك أو تقول : أنا الأذل ومحمد الأعز، فلم يبرح حتى قال ذلك .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة، أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بني المصطلق، لما أتوا المنزل كان بين غلمان من المهاجرين وغلمان من الأنصار [ ص: 506 ] قتال، فقال غلمان من المهاجرين : يا للمهاجرين، وقال غلمان من الأنصار : يا للأنصار، فبلغ ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال : أما والله لو أنهم لم ينفقوا عليهم انفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم بالرحيل، فأدرك ركبا من بني عبد الأشهل في المسير، فقال لهم : «ألم تعلموا ما قال المنافق عبد الله بن أبي»؟ قالوا : وماذا قال يا رسول الله؟ قال : «قال : أما والله لو لم تنفقوا عليهم لانفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل« قالوا : صدق يا رسول الله، فأنت والله العزيز وهو الذليل .

وأخرج عبد بن حميد ، عن محمد بن سيرين، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان معسكرا، وأن رجلا من قريش كان بينه وبين رجل من الأنصار كلام، حتى اشتد الأمر بينهما، فبلغ ذلك عبد الله بن أبي، فخرج فنادى : غلبني على قومي من لا قوم له، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فأخذ سيفه ثم خرج عامدا ليضربه، فذكر هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله [الحجرات : 1] فرجع حتى دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : «ما لك يا عمر»؟ قال : العجب من ذلك المنافق! يقول : غلبني على قومي من لا قوم له، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : قم فناد في الناس [ ص: 507 ] يرتحلوا» فتفرق القوم، فخرج عمر فنادى : يا أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مرتحل، فارتحلوا، فساروا حتى إذا كان بينهم وبين المدينة مسيرة ليلة، تعجل عبد الله بن عبد الله بن أبي، حتى أناخ بجامع طرق المدينة، ودخل الناس، حتى جاء أبوه عبد الله بن أبي، فقال : وراءك، فقال : ما لك ويلك؟! قال : والله لا تدخلها أبدا إلا أن يأذن رسول الله، وليعلمن اليوم من الأعز من الأذل، فرجع حتى لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشكا إليه ما صنع ابنه، فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن خل عنه حتى يدخل، ففعل، ثم لم يلبثوا إلا أياما قلائل حتى اشتكى عبد الله فاشتد وجعه، فقال لابنه عبد الله : يا بني، ائت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فادعه؛ فإنك إن أنت طلبت ذلك إليه فعل، ففعل ابنه، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول، إن عبد الله بن أبي شديد الوجع، وقد طلب إلي أن آتيك فتأتيه؛ فإنه قد اشتاق إلى لقائك، فأخذ نعليه فقام، وقام معه نفر من أصحابه حتى دخلوا عليه، فقال لأهله حين دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أجلسوني، فأجلسوه، فبكى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أجزعا يا عدو الله الآن»؟ فقال : يا رسول الله، إني لم أدعك لتؤنبني، ولكن دعوتك لترحمني، فاغرورقت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : «ما حاجتك»؟ قال : حاجتي إذا أنا مت أن تشهد غسلي، وتكفني في ثلاثة أثواب من أثوابك، وتمشي مع جنازتي، وتصلي علي، ففعل [ ص: 508 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية بعد : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث