الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم

قوله تعالى : فويل للذين يكتبون الآية .

أخرج وكيع، والنسائي ، وابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم قال : نزلت في أهل الكتاب .

وأخرج أحمد، وهناد بن السري في " الزهد "، وعبد بن حميد ، والترمذي ، وابن أبي الدنيا في (صفة النار) ، وأبو يعلى ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك " وصححه، وابن مردويه ، والبيهقي في “ البعث “ عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره .

وأخرج ابن جرير عن عثمان بن عفان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : فويل لهم مما كتبت أيديهم قال : الويل جبل في النار . وهو الذي أنزل في اليهود، لأنهم حرفوا التوراة؛ زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما كانوا يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة .

[ ص: 434 ] وأخرج البزار، وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن في النار حجرا يقال له : ويل . يصعد عليه العرفاء وينزلون فيه .

وأخرج الحربي في " فوائده " عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويحك يا عائشة . فجزعت منها، فقال لي : يا حميراء إن ويحك أو ويك رحمة، فلا تجزعي منها، ولكن اجزعي من الويل .

وأخرج أبو نعيم في " دلائل النبوة " عن علي بن أبي طالب قال : الويح والويل بابان، فأما الويح فباب رحمة، وأما الويل فباب عذاب .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن المنذر ، والطبراني ، والبيهقي في “ البعث “ عن ابن مسعود قال : ويل واد في جهنم، يسيل فيه صديد أهل النار .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير قال : الويل واد من فيح في جهنم .

[ ص: 435 ] وأخرج ابن المبارك في “ الزهد “، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في “ البعث “ عن عطاء بن يسار قال : ويل واد في جهنم، لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدة حره .

وأخرج هناد في “ الزهد “، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم عن ابن عياض قال : ويل سيل من صديد في أصل جهنم، وفي لفظ : ويل واد في جهنم يسيل فيه صديدهم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال : إذا سمعت الله يقول : ويل فهي النار .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : فويل للذين يكتبون الكتاب الآية، قال : هم أحبار اليهود وجدوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة أكحل أعين ربعة، جعد الشعر حسن الوجه، فلما وجدوه في التوراة محوه حسدا وبغيا، فأتاهم نفر من قريش فقالوا : تجدون في التوراة [ ص: 436 ] نبيا أميا؟ فقالوا : نعم نجده طويلا أزرق سبط الشعر فأنكرت قريش وقالوا : ليس هذا منا .

وأخرج البيهقي في “ الدلائل “ عن ابن عباس قال : وصف الله محمدا صلى الله عليه وسلم في التوراة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حسده أحبار اليهود فغيروا صفته في كتابهم وقالوا : لا نجد نعته عندنا وقالوا للسفلة : ليس هذا نعت النبي الذي يحرم كذا وكذا كما كتبوه وغيروا، ونعت هذا كذا كما وصف . فلبسوا على الناس، وإنما فعلوا ذلك لأن الأحبار كانت لهم مأكلة يطعمهم إياها السفلة لقيامهم على التوراة، فخافوا أن تؤمن السفلة فتنقطع تلك المأكلة .

وأخرج عبد الرزاق في " المصنف "، والبخاري ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في " شعب الإيمان " عن ابن عباس أنه قال : يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه أحدث أخبار الله تعرفونه غضا محضا لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به [ ص: 437 ] ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلهم، ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : كان ناس من اليهود يكتبون كتابا، من عندهم ويبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله فيأخذون ثمنا قليلا .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم ليتأكلوا الناس، فقالوا : هذا من عند الله وما هي من عند الله .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : ليشتروا به ثمنا قليلا قال : عرضا من عرض الدنيا فويل لهم [ ص: 438 ] قال : فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب وويل لهم مما يكسبون يقول : مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن أبي داود في " المصاحف "، وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي، أنه كره كتابة المصاحف بالأجر، وتلا هذه الآية فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم الآية .

وأخرج وكيع عن الأعمش، أنه كره أن يكتب المصاحف بالأجر، وتأول هذه الآية فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله .

وأخرج وكيع، وابن أبي داود عن محمد بن سيرين أنه يكره شراء المصاحف وبيعها .

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد، وابن أبي داود عن أبي الضحى قال : [ ص: 439 ] سألت ثلاثة من أهل الكوفة عن شراء المصاحف ؛ عبد الله بن يزيد الخطمي ومسروق بن الأجدع وشريحا، فكلهم قال : لا تأخذ لكتاب الله ثمنا .

وأخرج ابن أبي داود من طريق قتادة عن زرارة عن مطرف قال : شهدت فتح تستر مع الأشعري، فأصبنا دانيال بالسوس، وأصبنا معه ريطتين من كتان، وأصبنا معه ربعة فيها كتاب الله، وكان أول من وقع عليه رجل من بلعنبر يقال له : حرقوص فأعطاه الأشعري الريطتين وأعطاه مائتي درهم، وكان معنا أجير نصراني يسمى نعيما، فقال : بيعوني هذه الربعة بما فيها فقالوا : إن لم يكن فيها ذهب أو فضة أو كتاب الله . قال : فإن الذي فيها كتاب الله . فكرهوا أن يبيعوه الكتاب، فبعناه الربعة [ ص: 440 ] بدرهمين، ووهبنا له الكتاب، قال قتادة : فمن ثم كره بيع المصاحف، لأن الأشعري وأصحابه كرهوا بيع ذلك الكتاب .

وأخرج ابن أبي داود من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن : أنهما كرها بيع المصاحف .

وأخرج ابن أبي داود عن حماد بن أبي سليمان، أنه سئل عن بيع المصاحف، فقال : إن إبراهيم يكره بيعها وشراءها .

وأخرج ابن أبي داود عن سالم قال : كان ابن عمر إذا أتى على الذي يبيع المصاحف قال : بئس التجارة .

وأخرج ابن أبي داود عن عبادة بن نسي، أن عمر كان يقول : لا تبيعوا المصاحف ولا تشتروها .

وأخرج ابن أبي داود عن ابن سيرين وإبراهيم، أن عمر كان يكره بيع المصاحف وشراءها .

وأخرج ابن أبي داود عن ابن مسعود : أنه كره بيع المصاحف وشراءها .

[ ص: 441 ] وأخرج ابن أبي داود من طريق نافع عن ابن عمر قال : وددت أن الأيدي تقطع على بيع المصاحف .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن أبي داود من طريق سعيد بن جبير قال : وددت أني رأيت الأيدي تقطع على بيع المصاحف وشرائها .

وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة قال : سمعت سالم بن عبد الله يقول : بئس التجارة المصاحف .

وأخرج ابن أبي داود، عن جابر بن عبد الله : أنه كره بيع المصاحف وشراءها .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن أبي داود، عن عبد الله بن شقيق العقيلي : أنه [ ص: 442 ] كان يكره بيع المصاحف . قال : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشددون في بيع المصاحف، ويرونه عظيما .

وأخرج ابن أبي داود عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب : أنه كره بيع المصاحف كراهية شديدة وكان يقول : أعن أخاك بالكتاب أو هب له .

وأخرج ابن أبي داود عن علي بن حسين قال : كانت المصاحف لا تباع وكان الرجل يأتي بورقه عند المنبر، فيقول : من الرجل يحتسب فيكتب لي؟ ثم يأتي الآخر فيكتب حتى يتم المصحف .

وأخرج ابن أبي داود عن مسروق، وعلقمة، وعبد الله بن يزيد الأنصاري وشريح وعبيدة، أنهم كرهوا بيع المصاحف وشراءها، وقالوا : لا نأخذ لكتاب الله ثمنا .

[ ص: 443 ] وأخرج ابن أبي داود عن إبراهيم عن أصحابه قال : كانوا يكرهون بيع المصاحف وشراءها .

وأخرج ابن أبي داود عن أبي العالية، أنه كان يكره بيع المصاحف، وقال : وددت أن الذين يبيعون المصاحف ضربوا .

وأخرج ابن أبي داود عن ابن سيرين قال : كانوا يكرهون بيع المصاحف وكتابتها بالأجر .

وأخرج ابن أبي داود عن ابن جريج قال : قال عطاء : لم يكن من مضى يبيعون المصاحف، إنما حدث ذلك الآن، وإنما يجلسون بمصاحفهم في الحجر فيقول أحدهم للرجل إذا كان كاتبا وهو يطوف : يا فلان إذا فرغت تعال فاكتب لي، قال : فيكتب الصفح وما كان من ذلك حتى يفرغ من مصحفه .

وأخرج ابن أبي داود عن عمرو بن مرة قال : كان في أول الزمان يجتمعون فيكتبون المصاحف، ثم إنهم استأجروا العباد فكتبوها لهم، ثم إن العباد بعد كتبوها فباعوها، وأول من باعها العباد .

[ ص: 444 ] وأخرج أبو عبيد، وابن أبي داود عن عمران بن جرير قال : سألت أبا مجلز عن بيع المصاحف قال : إنما بيعت في زمن معاوية فلا تبعها .

وأخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال : كتاب الله أعز من أن يباع .

وأخرج ابن سعيد عن حنظلة قال : كنت أمشي مع طاوس فمر بقوم يبيعون المصاحف فاسترجع .

ذكر من رخص في بيعها وشرائها .

أخرج ابن أبي داود عن ابن عباس أنه سئل عن بيع المصاحف فقال : لا بأس إنما يأخذون أجور أيديهم .

وأخرج ابن أبي داود عن ابن الحنفية أنه سئل عن بيع المصاحف قال : لا بأس إنما يبيع الورق .

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد، وابن أبي داود عن الشعبي قال : لا بأس ببيع المصاحف، إنهم لا يبيعون كتاب الله إنما يبيعون الورق وعمل [ ص: 445 ] أيديهم .

وأخرج ابن أبي داود عن جعفر عن أبيه قال : لا بأس بشراء المصاحف وأن يعطى الأجر على كتابتها .

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد، وابن أبي داود عن مطر الوراق، أنه سئل عن بيع المصاحف، فقال : كان خيرا أو حبرا هذا الأمة لا يريان ببيعها بأسا الحسن والشعبي .

وأخرج ابن أبي داود عن حميد، أن الحسن كان يكره بيع المصاحف، فلم يزل به مطر الوراق حتى رخص فيه .

وأخرج ابن أبي داود من طرق عن الحسن قال : لا بأس ببيع المصاحف ونقطها بالأجر .

وأخرج ابن أبي داود عن الحكم : أنه كان لا يرى بأسا بشراء المصاحف وبيعها .

[ ص: 446 ] وأخرج أبو عبيد، وابن أبي داود عن أبي شهاب موسى بن نافع قال : قال لي سعيد بن جبير : هل لك في مصحف عندي قد كفيتك عرضه فتشتريه .

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد، وابن أبي داود من طرق عن ابن عباس قال : اشتر المصاحف ولا تبعها .

وأخرج ابن أبي داود عن ابن عباس قال : رخص في شراء المصاحف، وكره في بيعها، قال ابن أبي داود : كذا قال رخص كأنه صار مسندا .

وأخرج أبو عبيد، وابن أبي داود، عن جابر بن عبد الله في بيع المصاحف قال : ابتعها ولا تبعها .

وأخرج ابن أبي داود عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، مثله .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر ، مثله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث