الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( السادس : قتل صيد البر ) إجماعا لقوله تعالى : { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ( واصطياده ) أي صيد البر ، وإن لم يقتله أو يجرحه ، لقوله تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ( وهو ) أي صيد البر ( الوحشي المأكول والمتولد منه ) أي الوحشي المأكول ( ومن غيره ) كمتولد بين وحشي وأهلي ومأكول وحشي وغيره ، كسمع ، تغليبا للتحريم ( والاعتبار ) في كونه وحشيا أو أهليا ( بأصله فحمام وبط ) وهو الإوز ( وحشي ) ولو استأنس يحرم قتله واصطياده ويجب جزاؤه

وإن توحش أهلي من إبل وبقر ونحوهما لم يحرم أكله ولا جزاء فيه قال أحمد في بقرة صارت وحشية لا شيء فيه لأن الأصل فيها الإنسية ( فمن أتلفه ) أي صيد البر والمتولد منه ومن غيره وهو محرم ( أو تلف ) ما ذكر ( بيده ) كله ( أو بعضه بمباشرة إتلافه أو سبب ولو ) كان السبب ( بجناية دابة محرم متصرف فيها ) بأن يكون راكبا أو سائقا أو قائدا فيضمن ما أتلفت بيدها وفيهما ، لا ما نفحت برجلها وإن انفلتت لم يضمن ما أتلفته ( أو بإشارة محرم لمريد صيد أو دلالته ) أي المحرم لمن يريد صيده ( أن لم يره ) صائده ( أو بإعانته ) أي المحرم لمن يريد صيده ( ولو بمناولته آلته ) أي الصيد أو إعارتها له كرمح ، وسكين ، ولو كان مع الصائد آلته

وإن دله أو أشار إليه بعد رؤية [ ص: 543 ] صائد له ، أو ضحك المحرم ، أو استشرف عند رؤية الصيد ففطن له غيره ، أو أعاره آلة لغير الصيد فاستعملها فيه فلا إثم ولا ضمان ( ويحرم ) على المحرم ( ذلك ) المذكور من الإشارة والدلالة والإعانة لأنه معونة على محرم أشبه الإعانة على قتل آدمي معصوم ولا تحرم ( دلالة ) محرم ( على طيب ولباس ) لأنه لا ضمان فيهما بالسبب ولا يتعلق بهما حكم يختص بالدال عليهما بخلاف الصيد فإنه يحرم على الدال أكله منه ويجب عليه جزاؤه ، وقوله ( فعليه ) أي من أتلفه بمباشرة أو سبب ( الجزاء ) جواب : فمن أي جزاء الصيد الذي أتلفه أو تلف بيده بمباشرة أو سبب من دلالة أو غيرها لخبر أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون قال النبي صلى الله عليه وسلم { هل أشار إليه إنسان منكم ، أو أمره بشيء ؟ قالوا : لا } وفيه { أبصروا حمارا وحشا فلم يؤذنوني ، وأحبوا لو أني أبصرته فالتفت فأبصرته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم : ناولوني السوط والرمح قالوا : والله لا نعينك عليه } متفق عليه

وروى النجاد الضمان عن علي وابن عباس في محرم أشار ( إلا أن يقتله ) أي الصيد ( محرم ) ويكون الدال ونحوه محرما ( ف ) جزاؤه ( بينهما ) أي القاتل والدال ونحوه لأنهما اشتركا في التحريم فكذلك في الجزاء ( ولو دل ونحوه ) بأن أشار أو أعان ( حلال ) محرما على صيد فقتله المحرم ( ضمنه محرم وحده ) أي دون الحلال الدال أو نحوه ( كشركة غيره ) أي المحرم ( معه ) بأن اشترك حلال ومحرم في قتل صيد فلا ضمان على الحلال لأنه ليس محلا لضمانه ويضمنه المحرم كله تغليبا للإيجاب ، كصيد بعضه بالحل وبعضه بالحرم وكشركة نحو سبع

وإن سبق حلال أو نحو سبع إلى صيد فجرحه ثم قتله المحرم فعليه جزاؤه مجروحا وإن جرحه محرم ثم قتله حلال ضمن المحرم أرش جرحه فقط وإن جرحه محرم ثم قتله محرم فعلى الأول أرش جرحه وعلى الثاني تتمة الجزاء ( ولو دل حلال حلالا على صيد بالحرم فقتله فكدلالة محرم محرما ) فالجزاء بينهما نصا

( وإن نصب ) حلال ( شبكة ونحوها ) كفخ ( ثم أحرم أو أحرم ثم حفر بئرا بحق ) كما لو حفرها في داره أو للمسلمين في طريق واسع أو بموات ( لم يضمن ما حصل من تلف صيد بسببه ) أي نصب الشبكة ونحوها وحفر البئر لعدم تعديه ( إلا أن ) ( يتحيل ) على الصيد في الإحرام بنصب نحو الشبكة قبل إحرامه ليأخذه بعد [ ص: 544 ] تحلله منه فيضمن عقوبة له بضد قصده كنصب اليهود الشبكة يوم الجمعة وأخذهم يوم الأحد ما سقط فيها فإن حفر بئرا بغير حق كطريق ضيق ضمن ما تلف به مطلقا لتعديه ، كتلف آدمي بها ( وحرم أكله ) أي المحرم ( من ذلك كله ) أي ما صاده أو دل أو أعان عليه أو أشار إليه ونحوه لمفهوم حديث أبي قتادة

( وكذا ما ذبح ) للمحرم ( أو صيد لأجله ) نصا لحديث الصحيحين { إن الصعب بن جثامة أهدى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا فرد عليه فلما رأى ما في وجهه قال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم } وكذا ما أخذه من بيض الصيد ولبنه لأجله ( ويلزمه ) أي المحرم ( بأكله ) أي ما صيد أو ذبح لأجله ( الجزاء ) أي جزاء ما أكله مما ذبح أو صيد له لأنه إتلاف منع منه بسبب الإحرام أشبه قتل الصيد وما قتله المحرم ثم أكله ضمنه لقتله لا لأكله نصا لأنه ميتة وهي لا تضمن ( وما حرم عليه ) أي المحرم ( لدلالة ) عليه أو إعانة عليه ( أو صيد أو ذبح له ) أي المحرم ( لا يحرم على محرم غيره ك ) ما لا يحرم ( على حلال ) لما روى مالك والشافعي عن عثمان " أنه أتى بلحم صيد ، فقال لأصحابه : كلوا : فقالوا ألا تأكل ؟ فقال إني لست كهيئتكم إنما صيد لأجلي "

( وإن نقل ) محرم ( بيض صيد سليما ففسد ) بنقله ، ولو كان باض على فراشه أو متاعه ونقله برفق ضمنه بقيمته مكانه لتلفه بسببه ( أو أتلف ) محرم بيض صيد ( غير مذر ) غير ( ما فيه فرخ ميت ) ضمنه بقيمته مكان إتلافه إياه فإن كان مذرا أو فيه فرخ ميت فلا ضمان فيه لأنه لا قيمة له ( إلا ) ما كان من ( بيض النعام ) فيضمنه ( لأن لقشره قيمة ) فيضمنها وإن فسد ما فيه

( أو حلب ) محرم ( صيدا ) صاده في إحرامه ولو بعد حله أو محل ما صاده بالحرم ولو بعد إخراجه إلى الحل ( ضمنه ) أي الحليب ( بقيمته نصا مكانه ) أي الإتلاف أما البيض فلقول ابن عباس " في بيض النعام قيمته " ولأنه لا مثل له فوجبت فيه القيمة وحديث ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا { في بيض النعام ثمنه } المراد قيمته وأما اللبن فلأنه لا مثل له من بهيمة الأنعام فكان فيه قيمته ، يفعل بها كجزاء صيد لأنه لا مثل له

وإن كسر بيضة فخرج منها فرخ وعاش فلا شيء فيها لأنه لم يتلف شيئا ( ولا يملك محرم صيدا ابتداء ) أي ملكا متجددا ( بغير إرث ) فلا يملكه بشراء ولا هبة ونحوهما ، ولو بوكيله أو نصب أحبولة قبل إحرامه ، فوقع فيها وهو محرم لخبر الصعب بن جثامة السابق ولأن الصيد ليس محلا لتملك المحرم لتحريمه عليه كالخمر ، ويملكه بالإرث لأنه لا فعل منه [ ص: 545 ] فيه فيشبه الاستدامة وفي معنى الإرث تنصف الصداق وسقوطه وإن رد عليه بعيب أو خيار لزمه إرساله ( فلو قبضه ) أي الصيد ( محرم هبة أو رهنا أو بشراء لزمه رده ) إلى من أقبضه إياه لفساد العقد ( وعليه ) أي قابضه المحرم ( إن تلف ) الصيد ( قبله ) أي الرد ( الجزاء ) لمساكين الحرم ( مع قيمته ) لمالكه ( في هبة وشراء ) لوجود مقتضى الضمانين وعلم منه : أنه لا يضمنه لمالكه في رهن لأنه لا ضمان في صحيحه ولذا قال في الرعاية : لا يضمنه له في الهبة وإن أرسله ولم يرده فضمنه لمالكه ولا جزاء عليه وإن رده لربه فلا شيء عليه مطلقا

( وإن أمسكه ) أي الصيد ( محرما ) بالحرم أو الحل ( أو ) أمسكه ( حلالا بالحرم فذبحه المحرم ولو بعد حله ) من إحرامه ( أو ) ذبحه ممسكه بالحرم ولو بعد ( إخراجه من الحرام إلى الحل ضمنه ) لأنه تلف بسبب كان في إحرامه أو في الحرم كما لو جرحه فمات بعد حله أو بعد خروجه من الحرم ( وكان ما ذبح لغير حاجة أكله ميتة ) نصا ولو لصوله عليه لأنه محرم عليه ، لمعنى فيه لحق الله تعالى كذبيحة المجوسي فساواه فيه وإن خالفه في غيره

ومفهومه إن كان لحاجة أكله فمزكى لحل فعله وقال في الفروع توجيها وقال القاضي : ميتة ( وإن ذبح محل صيد حرم فكالمحرم ) فما لغير حاجة أكله ميتة ( وإن كسر المحرم بيض صيد حل لمحل ) أكله كلبن صيد حلبه محرم ، لأن حله للمحل لا يتوقف على حلب ولا كسر ولا يعتبر فيهما أهلية فاعل وكما لو كسره أو حلبه مجوسي وعلم منه حرمتهما على محرم باشر الحلب والكسر أو لم يباشرهما ( ومن أحرم وبملكه صيد لم يزل ) ملكه عنه لقوة الاستدامة ( ولا ) تزول عنه ( يده الحكمية ) التي لا يشاهدها ، كبيته ونائبه الغائب عنه ( ولا يضمنه ) أي الصيد ( معها ) أي يده الحكمية إذا تلف لأنه لا يلزمه إزالتها ، ولم يوجد منه سبب في تلف وله التصرف فيه بنحو بيع وهبة

( ومن غصبه ) أي الصيد من يد محرم حكمية ( لزمه رده ) إليها ، لاستدامتها عليه ( ومن أدخله ) أي الصيد من محرم أو حلال ( الحرم ) المكي لزمه إرساله ( أو أحرم ) رب صيد ( وهو بيده المشاهدة ) كخيمته أو رحله أو قفص معه أو حبل مربوط به ( لزمه إزالتها ) أي اليد المشاهدة عنه ( بإرساله ) في موضع يمتنع فيه لئلا يكون ممسكا له وهو محرم عليه ، كحالة الابتداء ( وملكه ) أي المحرم على صيد بيده ( باق ) عليه بعد إرساله لعدم ما يزيله ( فيرده ) [ ص: 546 ] أي الصيد ( آخذه ) على مالكه إذا حل ( ويضمنه قاتله ) بقيمته له لبقاء ملكه عليه وزوال اليد لا يزيل الملك كالغصب والعارية

وإذا لم يتمكن ) المحرم أو من دخل الحرم به من إرسال صيد بيده ، بأن نفره فلم يذهب ( وتلف ) بغير فعله ( لم يضمنه ) لأنه غير مفرط ولا متعد وإذا تمكن ) من إرساله ولم يفعل ( ضمنه ) بالجزاء ( وإن لم يرسله فلا ضمان على مرسله من يده قهرا ) لزوال حرمة يده المشاهدة ولأنه من الأمر بالمعروف فإن استمر ممسكا له حتى حل فملكه باق لأنه لا يزول بالإحرام ( ومن قتل ) وهو محرم ( صيدا صائلا ) عليه ( دفعا عن نفسه ) لم يحل ولم يضمنه لأنه التحق بالمؤذيات طبعا ، كالكلب العقور ، وكالآدمي الصائل ، وسواء خشي معه تلفا أو ضررا بجرحه أو إتلاف ماله ، أو بعض حيواناته أو أهله

( أو ) قتل صيدا ( بتخليصه من سبع أو شبكة ليطلقه ) لم يحل ولم يضمنه لأنه مباح لحاجة الحيوان ( أو قطع ) محرم ( منه ) أي الصيد ( عضوا متآكلا فمات لم يحل ولم يضمنه ) لأنه لمداواته الحيوان أشبه مداواة الولي محجوره وليس بمتعمد قتله فلا تتناوله الآية ( ولو أخذه ) أي الصيد الضعيف محرم ( ليداويه فوديعة ) لا يضمنه بلا تعد ولا تفريط لما تقدم ( ولا تأثير لحرم أو إحرام في تحريم ) حيوان ( إنسي ) كبهيمة الأنعام ودجاج لأنه ليس بصيد وقد كان صلى الله عليه وسلم يذبح البدن في إحرامه في الحرم تقربا إلى الله تعالى

وقال : { أفضل الحج : العج والثج } أي إسالة الدماء بالذبح والنحر ( ولا ) تأثير لحرم وإحرام ( في محرم الأكل ) ككلب وخنزير ونمر وأسد وذئب وفهد ( إلا المتولد ) بين أهلي ووحشي ، أو بين مأكول وغيره ، كسمع فيحرم قتله في الإحرام والحرم ، تغليبا للحظر ويفدي ( ويحرم بإحرام قتل قمل وصئبانه ) من رأسه أو بدنه أو ثوبه ( ولو برميه ) لما فيه من الترفه بإزالته أشبه قطع الشعر ( ولا جزاء فيه ) أي القمل لأنه لا قيمة له أشبه البراغيث ولأنه ليس بصيد و ( لا ) يحرم قتل ( براغيث وقراد ونحوهما ) كدلم وبق وبعوض لأن ابن عمر قرد بعيره بالسقيا أي نزع القراد منه فرماه وهذا قول ابن عباس ( ويسن مطلقا ) أي في الحل والحرم ومع وجود أذى ودونه ( قتل كل مؤذ غير آدمي ) لحديث عائشة { أمر صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحرم : الحدأة ، والغراب ، والفأرة ، والعقرب ، والكلب العقور } متفق عليه وفي معناها كل مؤذ

وأما الآدمي [ ص: 547 ] غير الحربي فلا يحل قتله إلا بإحدى الثلاث للخبر ( ويباح ) لمحرم وغيره ( لا بالحرم : صيد ما يعيش في الماء كسمك ، ولو عاش في بر أيضا ، كسلحفاة وسرطان ) لقوله : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } وأما البحر بالحرم فيحرم صيده لأن التحريم فيه للمكان فلا فرق فيه بين صيد البر والبحر ( وطير الماء بري ) لأنه يبيض ويفرخ في البر فيحرم على محرم صيده وفيه الجزاء ( ويضمن جراد ) إذا أتلفه محرم بمباشرة أو سبب لأنه يرى مشاهد طيرانه في البر ويهلكه الماء إذا وقع فيه كالعصافير ( بقيمته ) لأنه غير مثلي ( ولو بمشي محرم على ) جراد ( مفترش بطريق ) وإن لم يكن له طريق غيره لأنه أتلفه لمنفعة نفسه أشبه ما لو اضطر إليه

( وكذا بيض طير أتلفه محرم لحاجة مشي ) عليه ( فيضمنه ) ( ولمحرم احتاج إلى فعل محظور وفعله يفدى ) لقوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية } الآية وحديث كعب بن عجرة وألحق باقي المحظورات ومن ببدنه شيء لا يحب أن يطلع عليه أحد لبس وفدى نصا ( وكذا لو اضطر كمن بالحرم ) إذا ( اضطر لذبح صيد ) فله ذبحه وأكله ( ميتة فيحق غيره فلا يباح إلا لمن يباح له أكلها ) أي الميتة بأن يكون مضطرا وإن رمى محل صيدا ثم أحرم قبل إصابته ضمنه ، لا إن رماه محرما ثم حل قبل إصابته اعتبارا بحالة الإصابة فيهما

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث