الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحامل والمرضع إن لم تقدرا على الصوم

جزء التالي صفحة
السابق

باب الحامل والمرضع

قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن حي : " إذا خافتا على ولديهما أو على أنفسهما فإنهما تفطران وتقضيان ولا كفارة عليهما " .

وقال مالك في المرضع إذا خافت على ولدها ولا يقبل الصبي من غيرها : " فإنها تفطر وتقضي وتطعم عن كل يوم مدا مسكينا ، والحامل إذا أفطرت لا إطعام عليها " ؛ وهو قول الليث بن سعد . وقال مالك : " وإن خافتا على أنفسهما فهما مثل المريض " .

وقال الشافعي : " إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما [ ص: 224 ] القضاء والكفارة ، وإن لم تقدرا على الصوم فهما مثل المريض عليهما القضاء بلا كفارة وروي عنه في البويطي أن الحامل لا إطعام عليها .

واختلف السلف في ذلك على ثلاثة أوجه ؛ فقال علي كرم الله وجهه : " عليهما القضاء إذا أفطرتا ولا فدية عليهما " ، وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء وقال ابن عباس : " عليهما الفدية بلا قضاء " . وقال ابن عمر ومجاهد : " عليهما الفدية والقضاء " .

والحجة لأصحابنا ما حدثنا جعفر بن محمد بن أحمد الواسطي قال : حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال : حدثني أبو قلابة هذا الحديث ، ثم قال : هل لك في صاحب الحديث الذي حدثني ؟ قال : فدلني عليه ، فلقيته ، فقال : حدثني قريب لي يقال له أنس بن مالك قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل لجار لي أخذت ، فوافقته وهو يأكل ، فدعاني إلى طعامه فقلت : إني صائم ، فقال : إذا أخبرك عن ذلك أن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع قال : فكان يتلهف بعد ذلك يقول : ألا أكون أكلت من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاني .

قال أبو بكر : شطر الصلاة مخصوص به المسافر ؛ إذ لا خلاف أن الحمل والرضاع لا يبيحان قصر الصلاة .

ووجه دلالته على ما ذكرنا إخباره عليه السلام بأن وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر ، ألا ترى أن وضع الصوم الذي جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله من حكم المرضع والحامل ؛ لأنه عطفهما عليه من غير استئناف ذكر شيء غيره ؟ فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو في حكم وضعه عن المسافر لا فرق بينهما ، ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية فوجب أن يكون ذلك حكم الحامل والمرضع .

وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ؛ إذ لم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وأيضا لما كانت الحامل والمرضع يرجى لهما القضاء وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس أو الولد مع إمكان القضاء ، وجب أن تكونا كالمريض والمسافر ؛ فإن احتج القائلون بإيجاب القضاء والفدية بظاهر قوله : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين لم يصح لهم وجه الدلالة منه على ما ادعوه وذلك لما روينا عن جماعة من الصحابة الذين قدمنا ذكرهم أن ذلك كان فرض المقيم الصحيح ، وأنه كان مخيرا بين الصيام والفدية ؛ وبينا أن ما جرى مجرى ذلك فليس القول فيه من طريق الرأي وإنما يكون [ ص: 225 ] توقيفا ؛ فالحامل والمرضع لم يجر لهما ذكر فيما حكوا ، فوجب أن يكون تأويلها محمولا على ما ذكرنا .

وقد ثبت نسخ ذلك بقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن جهة أخرى لا يصح الاحتجاج لهم به ، وهو قوله تعالى في سياق الخطاب وأن تصوموا خير لكم ومعلوم أن ذلك خطاب لمن تضمنه أول الآية ، وليس ذلك حكم الحامل والمرضع ؛ لأنهما إذا خافتا الضرر لم يكن الصوم خيرا لهما بل محظور عليهما فعله ، وإن لم تخشيا ضررا على أنفسهما أو ولديهما فغير جائز لهما الإفطار ، وفي ذلك دليل واضح على أنهما لم ترادا بالآية .

ودل على بطلان قول من تأول الآية على الحامل والمرضع من القائلين بإيجاب الفدية والقضاء أن الله تعالى سمى هذا الطعام فدية ، والفدية ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه فغير جائز على هذا الوضع اجتماع القضاء والفدية ؛ لأن القضاء إذا وجب فقد قام مقام المتروك فلا يكون الإطعام فدية ، وإن كان فدية صحيحة فلا قضاء ؛ لأن الفدية أجزأت عنه ، وقامت مقامه .

فإن قيل : ما الذي يمنع أن يكون القضاء والإطعام قائمين مقام المتروك ؟ قيل له : لو كان مجموعهما قائمين مقام المتروك من الصوم لكان الإطعام بعض الفدية ولم يكن جميعها ، والله تعالى قد سمى ذلك فدية ، وتأويلك يؤدي إلى خلاف مقتضى الآية . وأيضا إذا كان الأصل المبيح للحامل والمرضع الإفطار والموجب عليهما الفدية هو قوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين وقد ذكر السلف الذين قدمنا قولهما أن الواجب كان أحد شيئين من فدية أو صيام لا على وجه الجمع ، فكيف يجوز الاستدلال به على إيجاب الجمع بينهما على الحامل والمرضع ؟

ومن جهة أخرى أنه معلوم أن في قوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين حذف الإفطار ، كأنه قال : وعلى الذين يطيقونه إذا أفطروا فدية طعام مسكين فإذا كان الله تعالى إنما اقتصر بالإيجاب على ذكر الفدية فغير جائز إيجاب غيرها معها لما فيه من الزيادة في النص ، وغير جائز الزيادة في المنصوص إلا بنص مثله ؛ وليستا كالشيخ الكبير الذي لا يرجى له الصوم لأنه ميئوس من صومه فلا قضاء عليه , والإطعام الذي يلزمه فدية له إذ هو بنفسه قائم مقام المتروك من صومه , والحامل والمرضع يرجى لهما القضاء فهما كالمريض والمسافر .

وإنما يسوغ الاحتجاج بظاهر الآية لابن عباس لاقتصاره على إيجاب الفدية دون القضاء ، ومع ذلك فإن الحامل والمرضع إذا كانتا إنما تخافان على ولديهما دون أنفسهما فهما تطيقان الصوم فيتناولهما ظاهر قوله : [ ص: 226 ] وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين وكذلك قال ابن عباس ؛ حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبان قال : حدثنا قتادة ، أن عكرمة حدثه ، أن ابن عباس حدثه في قوله : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال : " أثبتت للحامل والمرضع " .

وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد ، عن قتادة ، عن عزرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال : " كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا ، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا " .

فاحتج ابن عباس بظاهر الآية وأوجب الفدية دون القضاء عند خوفهما على ولديهما ؛ إذ هما تطيقان الصوم فشملهما حكم الآية .

قال أبو بكر : ومن أبى ذلك من الفقهاء ذهب إلى أن ابن عباس وغيره ذكروا أن ذلك كان حكم سائر المطيقين للصوم في إيجاب التخيير بين الصوم والفدية ، وهو لا محالة قد يتناول الرجل الصحيح المطيق للصوم ؛ فغير جائز أن يتناول الحامل والمرضع ؛ لأنهما غير مخيرتين ؛ لأنهما إما أن تخافا فعليهما الإفطار بلا تخيير ، أو لا تخافا فعليهما الصيام بلا تخيير وغير جائز أن تتناول الآية فريقين بحكم يقتضي ظاهرها إيجاب الفدية ويكون المراد في أحد الفريقين التخيير بين الإطعام والصيام ، وفي الفريق الآخر إما الصيام على وجه الإيجاب بلا تخيير أو الفدية بلا تخيير ، وقد تناولهما لفظ الآية على وجه واحد فثبت بذلك أن الآية لم تتناول الحامل والمرضع .

ويدل عليه أيضا قوله في نسق التلاوة : وأن تصوموا خير لكم وليس ذلك بحكم الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما ؛ لأن الصيام لا يكون خيرا لهما . ويدل عليه أيضا ما قدمنا من حديث أنس بن مالك القشيري في تسوية النبي صلى الله عليه وسلم بين المريض والمسافر وبين الحامل والمرضع في حكم الصوم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث