الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الغلام يبلغ والكافر يسلم في بعض رمضان

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : فليصمه قال أبو بكر رحمه الله : قد تكلمنا في معنى قوله جل وعلا : فمن شهد منكم الشهر وما تضمنه من الأحكام وحواه من المعاني بما حضر ، ونتكلم الآن بمشيئة الله وعونه في معنى قوله فليصمه وما حواه من الأحكام وانتظمه من المعاني ، فنقول :

إن الصوم على ضربين : صوم لغوي وصوم شرعي ؛ فأما الصوم اللغوي فأصله الإمساك ، ولا يختص بالإمساك عن الأكل والشرب دون غيرهما ، بل كل إمساك فهو مسمى في اللغة صوما ، قال الله تعالى : إني نذرت للرحمن صوما والمراد الإمساك عن الكلام ، يدل عليه قوله عقيبه : فلن أكلم اليوم إنسيا وقال الشاعر :

وخيل صيام يلكن اللجم

وقال النابغة :

خيل صيام وخيل غير صائمة     تحت العجاج وخيل تعلك اللجما

وتقول العرب : " صام النهار ، وصامت الشمس عند قيام الظهرة " ؛ لأنها كالممسكة عن الحركة . وقال امرؤ القيس : [ ص: 236 ]

فدعها وسل الهم عنك بجسرة     ذمول إذا صام النهار وهجرا

فهذا معنى اللفظ في اللغة . وهو في الشرع يتناول ضربا من الإمساك على شرائط معلومة لم يكن الاسم يتناوله في اللغة ؛ ومعلوم أنه غير جائز أن يكون الصوم الشرعي هو الإمساك عن كل شيء لاستحالة كون ذلك من الإنسان ؛ لأن ذلك يوجب خلو الإنسان من المتضادات حتى لا يكون ساكنا ولا متحركا ولا آكلا ولا تاركا ولا قائما ولا قاعدا ولا مضطجعا ، وهذا محال لا يجوز ورود العبادة به ؛ فعلمنا أن الصوم الشرعي ينبغي أن يكون مخصوصا بضرب من الإمساك دون جميع ضروبه .

فالضرب الذي حصل عليه اتفاق المسلمين هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع ، وشرط فيه عامة فقهاء الأمصار مع ذلك الإمساك عن الحقنة والسعوط والاستقاء عمدا إذا ملأ الفم ، ومن الناس من لا يوجب في الحقنة والسعوط قضاء ، وهو قول شاذ والجمهور على خلافه ، وكذلك الاستقاء .

وروي عن ابن عباس أنه قال : " الفطر مما دخل ، وليس مما خرج " وهو قول طاوس وعكرمة ؛ وفقهاء الأمصار على خلافه ؛ لأنهم يوجبون على من استقاء عمدا القضاء . واختلفوا فيما وصل إلى الجوف من جراحة جائفة أو آمة ، فقال أبو حنيفة : والشافعي : " عليه القضاء " وقال أبو يوسف ومحمد : " لا قضاء عليه " وهو قول الحسن بن صالح .

وقد اختلف في ترك الحجامة هل هو من الصوم ؟ فقال عامة الفقهاء : " الحجامة لا تفطره " وقال الأوزاعي : " تفطره " . واختلف أيضا في بلع الحصاة ، فقال أصحابنا ومالك والشافعي : " تفطره " وقال الحسن بن صالح : " لا تفطره " .

واختلفوا في الصائم يكون بين أسنانه شيء فيأكله متعمدا ، فقال أصحابنا ومالك والشافعي : " لا قضاء عليه " وروى الحسن بن زياد عن زفر أنه قال : " إذا كان بين أسنانه شيء من لحم أو سويق أو خبز فجاء على لسانه منه شيء فابتلعه وهو ذاكر فعليه القضاء والكفارة " قال : وقال أبو يوسف : " عليه القضاء ولا كفارة عليه " وقال الثوري : " أستحب له أن يقضي " .

وقال الحسن بن صالح : " إذا دخل الذباب جوفه فعليه القضاء " .

وقال أصحابنا ومالك : " لا قضاء عليه ولا خلاف بين المسلمين أن الحيض يمنع صحة الصوم ؛ واختلفوا في الجنب ، فقال عامة فقهاء الأمصار : " لا قضاء عليه وصومه تام مع الجنابة " وقال الحسن بن حي مستحب له أن يقضي ذلك اليوم " وكان يقول : " يصوم تطوعا ، وإن أصبح جنبا " وقال في الحائض : " إذا طهرت من الليل ، ولم تغتسل حتى أصبحت فعليها قضاء ذلك اليوم " .

فهذه أمور منها متفق [ ص: 237 ] عليه في أن الإمساك عنه صوم ، ومنها مختلف فيه على ما بينا . فالمتفق عليه هو الإمساك عن الجماع والأكل والشرب في المأكول والمشروب ، والأصل فيه قوله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم إلى قوله فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل فأباح الجماع والأكل والشرب في ليالي الصوم من أولها إلى طلوع الفجر ، ثم أمر بإتمام الصيام إلى الليل .

وفي فحوى هذا الكلام ومضمونه حظر ما أباحه بالليل مما قدم ذكره من الجماع والأكل والشرب ، فثبت بحكم الآية أن الإمساك عن هذه الأشياء الثلاثة هو من الصوم الشرعي ، ولا دلالة فيه على أن الإمساك عن غيرها ليس من الصوم ، بل هو موقوف على دلالته . وقد ثبت بالسنة واتفاق علماء الأمة أن الإمساك عن غير هذه الأشياء من الصوم الشرعي على ما سنبينه إن شاء الله تعالى ومما هو من شرائط لزوم الصوم الشرعي - وإن لم يكن هو إمساكا ولا صوما - الإسلام والبلوغ ؛ إذ لا خلاف أن الصغير غير مخاطب بالصوم في أحكام الدنيا ، فإن الكافر ، وإن كان مخاطبا به معاقبا على تركه فهو في حكم من لم يخاطب به في أحكام الدنيا ، فإنه لا يجب عليه قضاء المتروك منه في حال الكفر .

وطهر المرأة عن الحيض من شرائط تكليف صوم الشهر ، وكذلك العقل والإقامة والصحة ، وإن وجب القضاء في الثاني . والعقل مختلف فيه على ما بينا من أقاويل أهل العلم في المجنون في رمضان والنية من شرائط صحة سائر ضروب الصوم ، وهو على ثلاثة أنحاء : صوم مستحق العين ، وهو صوم رمضان ونذر يوم بعينه . وصوم التطوع ، وصوم في الذمة .

فالصوم المستحق العين وصوم التطوع يجوز فيهما ترك النية من الليل إذا نواه قبل الزوال ، وما كان في الذمة فغير جائز إلا بتقدمة النية من الليل ، وقال زفر : " يجوز صوم رمضان بغير نية " . وقال مالك : " يكفي للشهر كله نية واحدة " .

وإنما قلنا إن بلع الحصاة ونحوها يوجب الإفطار وإن لم يكن مأكولا في العادة ، وأنه ليس بغذاء ولا دواء ، من قبل أن قوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل قد انطوى تحته الأكل ، فهو عموم في جميع ما أكل ، ولا خلاف أنه لا يجوز له بلع الحصاة مع اختلافهم في إيجاب الإفطار واتفاقهم على أن النهي عن بلع الحصاة صدر عن الآية فيوجب ذلك أن يكون مرادا بها ، فاقتضى إطلاق الأمر بالصيام عن الأكل والشرب دخول الحصاة فيه كسائر المأكولات . فمن حيث دلت الآية على وجوب القضاء [ ص: 238 ] في سائر المأكولات فهي دالة أيضا على وجوبه في أكل الحصاة .

ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : من أكل أو شرب ناسيا فلا قضاء عليه . وهذا يدل على أن حكم سائر ما يأكله لا يختلف في وجوب القضاء إذا أكله عمدا .

وأما السعوط والدواء الواصل بالجائفة أو الآمة فالأصل فيه حديث لقيط بن صبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما فأمره بالمبالغة في الاستنشاق ونهاه عنها لأجل الصوم ، فدل ذلك على أن ما وصل بالاستنشاق إلى الحلق أو إلى الدماغ أنه يفطر ، لولا ذلك لما كان لنهيه عنها لأجل الصوم معنى مع أمره بها في غير الصوم . وصار ذلك أصلا عند أبي حنيفة في إيجاب القضاء في كل ما وصل إلى الجوف واستقر فيه مما يستطاع الامتناع منه ، سواء كان وصوله من مجرى الطعام والشراب أو من مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان ، أو من غيرها ؛ لأن المعنى في الجميع وصوله إلى الجوف واستقراره فيه مع إمكان الامتناع منه في العادة ، ولا يلزم على ذلك الذباب والدخان والغبار يدخل حلقه ؛ لأن جميع ذلك لا يستطاع الامتناع منه في العادة ، ولا يمكن التحفظ منه بإطباق الفم .

فإن قيل : فإن أبا حنيفة لا يوجب بالإفطار في الإحليل القضاء .

قيل له : إنما لم يوجبه ؛ لأنه كان عنده أنه لا يصل إلى المثانة ؛ وقد روي ذلك عنه منصوصا ، وهذا يدل على أن عنده إن وصل إلى المثانة أفطر . وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما اعتبرا وصوله إلى الجوف من مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان .

وأما وجه إيجاب القضاء على من استقاء عمدا دون من ذرعه القيء ، فإن القياس أن لا يفطره الاستقاء عمدا ، لأن الفطر في الأصل هو من الأكل ، وما جرى مجراه من الجماع كما قال ابن عباس " إنه لا يفطره الاستقاء عمدا ؛ لأن الإفطار مما يدخل ، وليس مما يخرج " والوضوء مما يخرج ، وليس مما يدخل ، وكسائر الأشياء الخارجة من البدن لا يوجب الإفطار بالاتفاق ، فكان خروج القيء بمثابتها وإن كان من فعله ، إلا أنهم تركوا القياس للأثر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولا حظ للنظر مع الأثر والأثر الثابت هو حديث عيسى بن يونس ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ذرعه القيء لم يفطر ولا قضاء عليه ، ومن استقاء عمدا فعليه القضاء .

فإن قيل : خبر هشام بن حسان عن ابن سيرين في ذلك غير محفوظ ، وإنما الصحيح من هذا الطريق في الأكل ناسيا ، قيل له : قد روى عيسى بن يونس الخبرين معا عن هشام بن حسان ، وعيسى بن يونس هو [ ص: 239 ] الثقة المأمون المتفق على ثبته وصدقه . قد حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : روى أيضا حفص بن غياث عن هشام مثله .

وروى الأوزاعي عن يعيش بن الوليد أن معدان بن أبي طلحة حدثه : أن أبا الدرداء حدثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال : فلقيت ثوبان فذكرت له ذلك ، فقال : صدق ، وأنا صببت له وضوءه .

وروى وهب بن جرير قال : حدثنا أبي قال : سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق ، عن حبيش ، عن فضالة بن عبيد قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب ماء ، فقلت : يا رسول الله ألم تك صائما ؟ فقال : بلى ولكني قئت . وإنما تركوا القياس في الاستقاء لهذه الآثار .

فإن قيل : قد روي أن القيء لا يفطر ؛ وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم ، عن رجل من أصحابه ، عن رجل من الصحابة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم .

قيل له : وروى هذا الحديث محمد بن أبان عن زيد بن أسلم عن أبي عبيد الله الصنابحي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصبح صائما فذرعه القيء فلم يفطر ، ومن احتلم فلم يفطر ، ومن احتجم فلم يفطر .

فبين هذا الحديث القيء الذي لا يوجب الإفطار ، ولو لم يذكره على هذا البيان لكان الواجب حمله على معناه ، وأن لا يسقط أحد الحديثين بالآخر ؛ وذلك لأنه متى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبران متضادان ، وأمكن استعمالهما على غير وجه التضاد استعملناهما جميعا ، ولم يلغ أحدهما . وإنما قالوا : إنه إذا استقاء أقل من ملء فيه لم يفطره ، من قبل أنه لا يتناوله اسم القيء ؛ ألا ترى أن من ظهر على لسانه شيء بالجشاء لا يقال إنه قد تقيأ ؟ وإنما يتناوله هذا الاسم عند كثرته وخروجه ؛ وقد كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول في تقدير ملء الفم : " هو الذي لا يمكنه إمساكه في الفم لكثرته فيسمى حينئذ قيئا " .

وأما الحجامة فإنما قالوا : إنها لا تفطر الصائم ؛ لأن الأصل أن الخارج من البدن لا يوجب الإفطار ، كالبول والغائط والعرق واللبن ؛ ولذلك لو جرح إنسان أو افتصد لم يفطره ، فكانت الحجامة قياس ذلك ؛ ولأنه لما ثبت أن الإمساك عن كل شيء ليس من الصوم الشرعي ، لم يجز لنا أن نلحق به إلا ما ورد به التوقيف أو اتفقت الأمة عليه .

وقد ورد بإباحة الحجامة للصائم آثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك : ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا عبيد بن شريك البزاز قال : حدثنا أبو الجماهر قال : حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول [ ص: 240 ] الله صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث لا يفطرن الصائم : القيء والاحتلام والحجامة .

وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا حفص بن عمر قال : حدثنا شعبة عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائما محرما .

وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا حسين بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم قال : حدثنا عيسى بن يونس عن أيوب بن محمد اليماني ، عن المثنى بن عبد الله ، عن أنس بن مالك قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة ثماني عشرة من رمضان برجل ، وهو يحتجم فقال صلى الله عليه وسلم : أفطر الحاجم والمحجوم ثم أتاه رجل بعد ذلك فسأله عن الحجامة في شهر رمضان فقال : إذا تبيغ بأحدكم الدم فليحتجم . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا محمد بن الحسن بن حبيب أبو حصن الكوفي قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون قال : حدثنا أبو مالك عن الحجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم فغشي عليه فلذلك كرهه وحدثنا محمد بن أبي بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي قال : حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة عن ثابت قال : قال أنس : " ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد " .

فإن قال قائل : قد روى مكحول عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم .

وروى أبو قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثماني عشرة خلت من رمضان فقال : أفطر الحاجم والمحجوم . قيل له : قد اختلف في صحة هذا الخبر ، وهو غير صحيح على مذهب أهل النقل ؛ لأن بعضهم رواه عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان ، وبعضهم رواه عن أبي قلابة عن شداد بن أوس ؛ ومثل هذا الاضطراب في السند يوهنه .

فأما حديث مكحول فإن أصله عن شيخ من الحي مجهول عن ثوبان ؛ وعلى أنه ليس في قوله أفطر الحاجم والمحجوم إذا أشار به إلى عين دلالة على وقوع الإفطار بالحجامة ؛ لأن ذكر الحجامة في مثله تعريف لهما ، كقولك : أفطر القائم والقاعد ، وأفطر زيد ؛ إذا أشرت به إلى عين ؛ فلا دلالة فيه على أن القيام يفطر ، وعلى أن كونه زيدا يفطره .

كذلك قوله : أفطر الحاجم والمحجوم لما أشار به إلى رجلين بأعينهما فلا دلالة فيه على وقوع الفطر بالحجامة ، وجائز أن يكون شاهدهما على حال توجب الإفطار من أكل أو غيره فأخبره بالإفطار من غير ذكر علته ، وجائز أن يكون شاهدهما على غيبة منهما للناس فقال : إنهما أفطرا ، كما روى يزيد بن أبان عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الغيبة تفطر [ ص: 241 ] الصائم وليس المعنى فيه عند الفقهاء الخروج منه ، وإنما المراد منه إبطال ثوابه ، فاحتمل أن يكون ذكر إفطار الحاجم والمحجوم لهذا المعنى ، وعلى أن الأخبار التي روينا فيها ذكر تاريخ الرخصة بعد النهي .

وجائز أيضا أن يكون النهي عن الحجامة كان لما يخاف من الضعف ، كما نهى عن الصوم في السفر حين رأى رجلا قد ظلل عليه . وأما وجه قولهم فيمن بلع شيئا بين أسنانه لم يفطره ، فهو أن ذلك بمنزلة أجزاء الماء الباقية في فمه بعد غسل فمه للمضمضة ، ومعلوم وصولها إلى جوفه ، ولا حكم لها كذلك والأجزاء الباقية في فمه هي بمنزلة ما وصفنا ، ألا ترى أن من أكل بالليل سويقا أنه لا يخلو إذا أصبح من بقاء شيء من أجزائه بين أسنانه ، ولم يأمره أحد بتقصي إخراجها بالأخلة والمضمضة ؟ فدل ذلك على أن تلك الأجزاء لا حكم لها .

وأما الذباب الواصل إلى جوفه من غير إرادته ، فإنما لم يفطره من قبل أن ذلك في العادة غير متحفظ منه ، ألا ترى أنه لا يؤمر بإطباق الفم وترك الكلام خوفا من وصوله إلى جوفه ؟ فأشبه الغبار والدخان يدخل إلى حلقه فلا يفطره .

وليس هو بمنزلة من أوجر ماء وهو صائم مكرها فيفطر ، من قبل أنه ليس للعادة في هذا تأثير ؛ وإنما بينا حكم وصول الذباب إلى جوفه معلوما على العادة في فتح الفم بالكلام ، وما كان مبنيا على العادة مما يشق الامتناع عنه فقد خفف الله عن العباد فيه ، قال الله : وما جعل عليكم في الدين من حرج

وأما الجنابة فإنها غير مانعة من صحة الصوم ، لقوله : فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل فأطلق الجماع من أول الليل إلى آخره ، ومعلوم أن من جامع في آخر الليل فصادف فراغه من الجماع طلوع الفجر أنه يصبح جنبا ، وقد حكم الله بصحة صيامه بقوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل

وروت عائشة وأم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم يومه ذلك .

وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ثلاث لا يفطرن الصائم : القيء ، والحجامة ، والاحتلام وهو يوجب الجنابة ، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك بصحة صومه ، فدل على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم .

وقد روى أبو هريرة خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أصبح جنبا فلا يصومن يومه ذلك إلا أنه لما أخبر برواية عائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا علم لي بهذا أخبرني به الفضل بن العباس ، وهذا مما يوهن خبره ؛ لأنه قال بديا : ما أنا قلت ورب الكعبة " من أصبح جنبا فقد أفطر " محمد قال [ ص: 242 ] ذلك ورب الكعبة وأفتى السائل عن ذلك بالإفطار ، فلما أخبر برواية عائشة وأم سلمة تبرأ من عهدته وقال : لا علم لي بهذا إنما أخبرني به الفضل .

وقد روي عن أبي هريرة الرجوع عن فتياه بذلك ؛ حدثنا عبد الباقي قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل قال : حدثنا ابن شبابة قال : حدثنا عمرو بن الهيثم قال : حدثنا هشام عن قتادة عن سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة رجع عن الذي كان يفتي من أصبح جنبا فلا يصوم . وعلى أنه لو ثبت خبر أبي هريرة احتمل أن لا يكون معارضا لرواية عائشة وأم سلمة ، بأن يريد : " من أصبح على موجب الجنابة بأن يصبح مخالطا لامرأته " ومتى أمكننا تصحيح الخبرين واستعمالهما معا استعملناهما على ما أمكن من غير تعارض .

فإن قيل جائز أن يكون رواية عائشة وأم سلمة مستعملة فيما وردت بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك دون أمته ؛ لأنهما أضافتا ذلك إلى فعله ؛ وخبر أبي هريرة مستعمل في سائر الناس .

قيل له : قد عقل أبو هريرة من روايته مساواة النبي صلى الله عليه وسلم لغيره في هذا الحكم ؛ لأنه قال حين سمع رواية عائشة وأم سلمة : " لا علم لي بهذا وإنما أخبرني به الفضل بن العباس ولم يقل إن رواية هاتين المرأتين غير معارضة لروايتي ؛ إذ كانت روايتهما مقصورة على حال النبي صلى الله عليه وسلم وروايتي إنما هي في غيره من الناس ؛ فهذا يبطل تأويلك .

وأيضا فإنه صلى الله عليه وسلم مساو للأمة في سائر الأحكام إلا ما خصه الله تعالى به وأفرده من الجملة بتوقيف للأمة عليه بقوله تعالى : واتبعوه وقوله : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

فهذه الأمور التي ذكرنا مما تعبدنا فيه بالإمساك عنه في نهار رمضان ، هي من الصوم المراد به في قوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل وقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه فهي إذا من الصوم اللغوي والشرعي جميعا .

وأما ما ليس بإمساك مما وصفنا ، فإنما هو من شرائطه ، ولا يكون الإمساك على الوجوه التي ذكرنا صوما شرعيا إلا بوجود هذه الشرائط ، وذلك الإسلام والبلوغ والنية وأن تكون المرأة غير حائض ، فمتى عدم شيء من هذه الشرائط خرج عن أن يكون صوما شرعيا .

وأما الإقامة والصحة فهما شرط صحة لزومه ، ووجود المرض والسفر لا ينافي صحة الصوم وإنما ينافي لزوم الصوم على جهة الوجوب ، ولو صاما لصح صومهما . وإنما قلنا : البلوغ شرط في صحة لزومه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يحتلم ولا خلاف أنه لا يلزمه سائر العبادات ، فكذلك الصوم .

وقد يؤمر به المراهق على [ ص: 243 ] وجه التعليم ليعتاده وليمرن عليه لقوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا قيل في التفسير : أدبوهم وعلموهم ؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها لعشر وليس ذلك على وجه التكليف ، وإنما هو على وجه التعليم والتأديب .

وأما الإسلام فإنما كان شرطا في صحة فعله لقوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك فلا يصح له قربة إلا على شرط كونه مؤمنا

وأما العقل ، فإن فقدت معه النية والإرادة فإنما ينفى عنه صحة الصوم لعدم النية ، فإن وجدت منه النية من الليل ثم عزب عقله لم ينف ذلك صحة صومه .

وإنما قلنا إن النية شرط في صحة الصوم من قبل أنه لا يكون صوما شرعيا إلا بأن يكون فاعله متقربا به إلى الله عز وجل ولا تصح القربة إلا بالنية والقصد لها ، قال الله تعالى : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم فأخبر عز وجل أن شرط التقوى تحري موافقة أمره .

ولما كان شرط كونه متقيا فعل الصوم من المفروض لم يحصل له ذلك إلا بالنية ؛ لأن التقوى لا تحصل له إلا بتحري موافقة أمر الله والقصد إليه ؛ وقال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ولا يكون إخلاص الدين له إلا بقصده به إليه راغبا عن أن يريد به غيره . فهذه أصول في تعلق صحة الفروض بالنيات .

ولا خلاف بين المسلمين في أن من شرط الصلاة والزكاة والحج والكفارات إيجاد النية لها ؛ لأنها فروض مقصودة لأعيانها ، فكان حكم الصوم حكمها لهذه العلة بعينها .

فإن قيل : جميع ما استدللت به على كون النية شرطا في الصوم وفي سائر الفروض يلزمك شرط النية في الطهارة ؛ إذ كانت فرضا من الفروض . قيل له : ليس ذلك على ما ظننت ؛ لأن الطهارة ليست فرضا مقصودا لعينها ، وإنما المقصود غيرها وهي شرط فيه ، فقيل لنا : لا تصلوا إلا بطهارة ، كما قيل : لا تصلوا إلا بطهارة من نجاسة ، ولا تصلوا إلا بستر العورة ؛ فليست هذه الأشياء مفروضة لأنفسها ، فلم يلزم إيجاد النية لها ، ألا ترى أن النية نفسها لما كانت شرطا لغيرهم ، ولم تكن مفروضة لنفسها صحت بغير نية توجد لها ؟ فانفصل بما ذكرنا حكم الفروض المقصودة لأعيانها وحكم ما جعل منها شرطا لغيره وليس هو بمفروض لنفسه ، فلما كانت الطهارة بالماء شرطا لغيرها ، وليست أيضا ببدل عن سواها لم يلزم فيها النية ؛ ولا يلزم على هذا إيجابنا النية في التيمم ؛ لأنه بدل عن غيره فلا يكون طهورا إلا بانضمام النية إليه ؛ إذ ليس هو طهورا في نفسه بل هو بدل عن غيره .

ولم يختلف الأمة في أن كل صوم واجب في الذمة فشرط صحته [ ص: 144 ] إيجاد النية له ، فوجب أن يكون كذلك حكم صوم رمضان في كون النية شرطا لصحته . وشبه زفر صوم رمضان بالطهارة في إسقاط النية لهما ، من قبل أن الطهارة مفروضة في أعضاء بعينها فكان الصوم مشبها لها في كونه مفروضا في وقت مستحق العين له .

وهذا عند سائر الفقهاء ليس كذلك ؛ لأن العلة التي ذكرها للطهارة غير موجودة في الصوم ؛ إذ جعل علة الطهارة أنها مفروضة في موضع بعينه ، وهذا المعنى غير موجود في الصوم ؛ لأنه غير موضوع في موضع بعينه ، وإنما هو موضوع في وقت معين لا في موضع معين .

وعلى أن هذه العلة منتقضة بالطواف ؛ لأنه مفروض في موضع معين ، ولو عدا رجل خلف غريم له يوم النحر حوالي البيت لم يكن طائفا طواف الزيارة ، وكذلك لو كان يسقي الناس هناك وبين الصفا والمروة لم يجزه من الواجب .

فإذا كانت هذه العلة غير موجبة للحكم في معلولها من الطواف والسعي فبأن لا يوجب حكمها فيما ليست فيه موجودة أولى . وعلى أن الطهارة مخالفة للصوم ، لما بينا من أنها غير مفروضة لنفسها ، وإنما هي شرط لغيرها لا على وجه البدل ، فلم تجب أن تكون النية شرطا فيها ، كأنه قيل : لا تصل إلا ، وأنت طاهر من الحدث ، ومن النجاسة ، ولا تصل إلا مستور العورة . وليس شرط غسل النجاسة وستر العورة النية ، كذلك الطهارة بالماء ؛ وأما الصوم فإنه مفروض مقصود لعينه كسائر الفروض التي ذكرنا ، فوجب أن يكون شرط صحته إيجاد النية له .

ومعنى آخر ؛ وهو أنا قد علمنا أن الصوم على الصوم على ضربين : منه الصوم اللغوي ، ومنه الصوم الشرعي . وأن أحدهما إنما ينفصل من الآخر بالنية مع ما قدمنا من شرائطه ، ومتى لم توجد له النية كان صوما لغويا لا حظ فيه للشرع ، فلذلك وجب اعتبار النية في صوم رمضان ، ألا ترى أن من أمسك في يوم من غير رمضان عما يمسك عنه الصائم ، ولم يكن له نية الصوم أن صومه ذلك لا يكون صوم شرع ؟ وصوم التطوع مشبه لصوم رمضان في جواز ترك النية له من الليل ، فلما لم يكن صائما متطوعا بالإمساك دون النية وجب أن يكون صوم رمضان كذلك .

ويلزم زفر أن يجعل المغمى عليه أياما في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب صائما لوجود الإمساك ، وهذا إن التزمه قائل كان قائلا قولا مستشنعا .

وإنما قلنا إنه يحتاج إلى إيجاد النية كل يوم إما من الليل أو قبل الزوال ، من قبل أنا قد بينا أن صوم رمضان لا يصح إلا بنية ، ومن حيث افتقر إلى نية في أول الشهر وجب أن يكون اليوم الثاني مثله ؛ لأنه يخرج بالليل من الصوم ، ومتى خرج منه [ ص: 245 ] احتاج في دخوله فيه إلى نية . وقال مالك : " ما لم يكن وجوبه معينا من الصيام لم يصح إلا بنية من الليل ، وما كان وجوبه في وقت بعينه كان يعلمه ذلك الوقت صائما ، واستغنى عن نية الصيام بذلك ؛ فإذا قال : " لله علي أن أصوم شهرا متتابعا ؛ فصام أول يوم أنه يجزيه باقي الأيام بغير نية " ؛ وهو قول الليث بن سعد .

وقال الثوري في صوم التطوع : " إذا نواه في آخر النهار أجزأه " .

قال : وقال إبراهيم النخعي : " له أجر ما يستقبل " وهو مذهب الحسن بن صالح . وقال الثوري : " يحتاج في صوم رمضان أن ينويه من الليل " . وقال الأوزاعي : " يجزيه نية صوم رمضان بعد نصف النهار " . وقال الشافعي : " لا يجزي كل صوم واجب رمضان وغيره إلا بنية من الليل ، ويجزي صوم التطوع بنية قبل الزوال " .

فأما الدلالة على بطلان قول من اكتفى بنية واحدة للشهر كله ، فهو ما قدمنا من افتقار صوم اليوم الثاني إلى الدخول فيه ، والدخول في الصوم لا يصح إلا بنية ، فوجب أن يكون شرط اليوم الثاني إيجاد النية كاليوم الأول .

فإن قيل : يكتفي بالنية الأولى ، وهي نية لجميع الشهر كما يجتزئ في الصلاة بنية واحدة في أولها ولا يحتاج إلى تجديد النية لكل ركعة ، والمعنى الجامع بينهما أن الصلاة الواحدة لا تتخلل ركعاتها صلاة أخرى غيرها كما لا يتخلل صيام شهر رمضان صيام من غيره . قيل له : لو جاز أن يكتفي بنية واحدة للشهر لجاز أن يكتفي بها لعمره كله ، فلما بطل هذا واحتاج إلى نية لأول يوم لم يجز أن تكون تلك النية لسائر أيام الشهر كما لا يجوز أن تكون لسائر عمره .

وأما تشبيهه بالصلاة فلا معنى له ؛ لأن الصلاة إنما اكتفي فيها بنية واحدة ؛ لأن الجميع مفعول بتحريمة واحدة .

ألا ترى أنه لا يصح بعضها دون بعض فكانت الركعات كلها مبنية على تلك التحريمة ؟ ألا ترى أنه متى ترك ركعة حتى خرج منها بطلت صلاته كلها ، وأنه لو ترك صوم يوم من رمضان بأن أفطر فيه لم يبطل عليه صوم سائر الشهر ؟ ومن جهة أخرى أنه لا يخرج من الصلاة بفعل الركعة الأولى فلم يحتج إلى نية أخرى ، إذ النية إنما يحتاج إليها للدخول فيها ، فأما الصوم ، فإنه إذا دخل الليل خرج من الصوم ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أقبل الليل من هاهنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم فاحتاج بعد الخروج من صوم اليوم الأول إلى الدخول في اليوم الثاني ، فلم يصح له ذلك إلا بالنية المتجددة .

وإنما أجاز أصحابنا ترك النية من الليل في كل صوم مستحق العين إذا نواه قبل الزوال لقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهذا قد شهد الشهر ، فواجب أن يكون مأمورا بصومه [ ص: 246 ] وواجب أن يجزيه إذا فعل ، ما أمر به . ومن جهة السنة ، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء فقال : من أكل فليمسك ، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه .

وقد روي أنه أمر الآكلين بالقضاء ؛ حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا أحمد بن علي بن مسلم قال : حدثنا محمد بن منهال قال : حدثنا يزيد بن ربيع قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن عبد الرحمن بن سلمة ، عن عمه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء فقال : أصمتم يومكم هذا ؟ قالوا : لا قال : فأتموا يومكم هذا واقضوا فدل ذلك على معنيين :

أحدهما : أن صوم يوم عاشوراء كان فرضا ؛ ولذلك أمر بالقضاء من أكل ، والثاني : أنه فرق بين الآكلين ومن لم يأكل فأمر الآكلين بالإمساك والقضاء والذين لم يأكلوا بالصوم ؛ فدل ذلك على أن من الصوم ما كان مفروضا في وقت بعينه فجائز ترك النية من الليل ؛ لأنه لو كان شرط صحته إيجاد النية له من الليل لما أمرهم بالصيام ولكانوا حينئذ بمنزلة الآكلين في باب امتناع صحة صومهم ووجوب القضاء عليهم ، فثبت بما وصفنا أنه ليس شرط صحة الصوم المستحق العين وجود النية له من الليل وأنه جائز له أن يبتدئ النية له في بعض النهار .

فإن قيل : إنما جاز ترك النية له من الليل ؛ لأن الفرض لم يكن تقدم قبل ذلك الوقت ، وإنما هو فرض مبتدأ لزمهم في بعض النهار ؛ فلذلك أجزى له مع ترك النية من الليل ، وأما بعد ثبوت فرض الصوم فغير جائز إلا أن يوجد له نية من الليل .

قيل له : لو كان إيجاد النية من الليل من شرائط صحته لوجب أن يكون عدمها مانعا صحته ، كما أنه لما كان ترك الأكل من شرائط صحة الصوم كان وجوده مانعا منه ، وأن لا يختلف في ذلك حكم الفرض المبتدأ في بعض النهار وحكم ما تقدم فرضه ؛ فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآكلين بالإمساك وأمرهم مع ذلك بالقضاء ؛ لأن ترك الأكل من شرط صحته ، ولم يأمر تاركي النية من الليل بالقضاء ، وحكم لهم بصحة صومهم إذا ابتدءوه في بعض النهار ، ثبت بذلك أن إيجاد النية من الليل ليس بشرط في الصوم المستحق العين ، وصار ذلك أصلا في نظائره مما يوجبه الإنسان على نفسه من الصوم في وقت بعينه أنه يصح بنية يحدثها بالنهار قبل الزوال .

فإن قيل : فرض صوم عاشوراء منسوخ برمضان ، فكيف يستدل بالمنسوخ على صوم ثابت الحكم مفروض ؟ قيل له : إنه نسخ فرضه فلم ينسخ دلالته فيما دلت عليه من نظائره ، ألا ترى أن فرض التوجه إلى بيت المقدس قد نسخ ولم ينسخ بذلك سائر أحكام الصلاة ؟ وكذلك قد نسخ فرض صلاة الليل ، ولم ينسخ سائر أحكام [ ص: 247 ] الصلاة ؟ ولم يمنع نسخها من الاستدلال بقوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر من القرآن في إثبات التخيير في إيجاب القراءة بما شاء منه ، وإن كان ذلك نزل في شأن صلاة الليل ، وإنما قالوا : إنه يجزي أن ينويه قبل الزوال ، ولا يجوز بعده ، لما روي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالي فقال : من تغدى منكم فليمسك ومن لم يتغد فليصم والغداء على ما قبل الزوال .

ثم لا يخلو ذكر الغداء من وجهين إما أن يكون قال ذلك بالغداة قبل الزوال ، أو بين لهم أن جواز النية متعلق بوجودها قبل الزوال في وقت يسمى غداة ، وإلا كان اقتصر على ذكر الأكل دون ذكر الغداة لو كان حكم ما قبل الزوال وبعده سواء ، فلما أوجب أن يكسو هذا اللفظ فائدته لئلا يخلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن فائدة ، وجب أن يختلف حكم نيته قبل الزوال وبعده .

وإنما أجازوا ترك النية من الليل في صوم التطوع بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن السلمي البلخي قال : حدثنا عمر بن هارون ، عن يعقوب بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح ولم يجمع للصوم فيبدو له فيصوم .

قالت عائشة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيقول : هل عندكم من طعام ؟ فإن كان وإلا قال : فإني إذا صائم .

فإن قيل : إذا لم يعزم النية من الليل حتى أصبح فقد وجد غير صائم في بعض النهار ، فكان بمنزلة الآكل ، فلا يصح له صوم يومه .

قيل له : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء صوم التطوع في بعض النهار ، واتفق الفقهاء عليه ، ولم يجعلوا ما مضى من النهار عاريا من نية متقدمة مانعا من صحة صومه ، ولم يكن ذلك بمنزلة الأكل في أول النهار في منع صوم التطوع ؛ فكذلك عدم نية الصوم في المستحق العين من الصيام لا يمنع ابتداء صومه ، ولا يكون عدم النية في أوله بمنزلة وجود الأكل فيه كما لم يكن ذلك حكمه في التطوع ، وأيضا فلو نوى الصوم من الليل ثم عزبت نيته لم يكن عزوب نيته مانعا من صحة صومه ، ولم يكن شرط بقائه استصحاب النية له ؛ فلذلك جاز ترك النية في أول النهار لبعض من الصوم على حسب قيام الدلالة عليه ، ولا يمنع ذلك صحة صومه .

ولو ترك الأكل في أول النهار ثم أكل في آخره كان ذلك مبطلا لصومه ، ولم يكن وجود الأكل بمنزلة عزوب النية ؛ فاستوى حكم الأكل في الابتداء والبقاء واختلف ذلك في حكم النية ؛ فلذلك اختلفا . ولم يمتنع أن يكون غير ناو للصوم في أوله ثم ينويه في بعض النهار ، فيكون ما مضى من اليوم محكوما له بحكم الصوم كما يحكم [ ص: 248 ] له بحكم الصوم مع عزوب النية .

فإن قيل : لما لم يصح له الدخول في الصلاة إلا بنية مقارنة لها ، كان كذلك حكم الصوم . قيل له : هذا غلط ؛ لأنه لا خلاف بين المسلمين في جواز صوم من نواه من الليل ثم نام فأصبح نائما ، وأن صومه تام صحيح من غير مقارنة نية الصوم بحال الدخول ، ولو نوى الصلاة ثم اشتغل عنها ثم تحرم بالصلاة لم تصح إلا بنية يحدثها عند إرادته الدخول ؛ فلما لم يكن شرط الدخول في الصوم مقارنة النية له عند الجميع وكان شرط الدخول في الصلاة مقارنة النية ، لم يجز أن يحكم له بحكم الصلاة إلا بعد وجود نية الدخول في ابتدائها ، ولم يجز اعتبار الصوم بالصلاة في حكم النية .

وأيضا قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبتدئ صوم التطوع في بعض النهار واتفق الفقهاء على تلقي هذا الخبر بالقبول واستعمالهم له ، واتفقوا أيضا أنه لا يصح له الدخول في صلاة التطوع إلا بنية تقارنها ، فعلمنا أن نية الصوم غير معتبرة بنية الصلاة من الوجه الذي ذكرت ، وأما ما كان من الصوم الواجب في الذمة غير مفروض في وقت معين ، فإنه لا يجوز ترك النية فيه من الليل ، والأصل فيه حديث حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا صيام لمن لم يعزم عليه من الليل وكان عموم ذلك يقتضي إيجاد النية من الليل لسائر ضروب الصوم ، إلا أنه لما قامت الدلالة في الصوم المستحق العين وصوم التطوع سلمناه للدلالة له وخصصناه من الجملة وبقي حكم اللفظ فيما عداه ، ولا يختلف على ذلك صوم شهرين متتابعين وقضاء رمضان ؛ لأن صوم الشهرين المتتابعين غير مستحق العين ، وأي وقت ابتدأ فيه فهو وقت فرضه ، فكان كسائر الصوم الواجب في الذمة .

والأحكام المستفادة من قوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه إلزام صوم الشهر من كان منهم شاهدا له ، وشهود الشهر ينقسم إلى أنحاء ثلاثة : العلم به ، من قولهم : شاهدت كذا وكذا ؛ والإقامة في الحضر ، من قولك : مقيم ومسافر وشاهد وغائب ؛ وأن يكون من أهل التكليف على ما بينا .

ثم أفاد من نسخ فرض أيام معدودات ، على قول من قال : إن صوم الأيام المعدودات كان فرضا غير رمضان ثم نسخ به ، ونسخ به أيضا التخيير بين الفدية والصوم للصحيح المقيم ، وأفاد أن من رأى الهلال وحده فعليه صومه . وحكم آخر : وهو أن من علم بالشهر بعدما أصبح ، أو كان مريضا فبرأ ولم يأكل ولم يشرب ، أو مسافرا قدم ؛ فعليهم صومه ؛ إذ هم شاهدون للشهر . وأفاد أن فرض الصيام مخصوص بمن شهد الشهر دون غيره ، وأن من ليس من أهل التكليف أو ليس بمقيم [ ص: 249 ] أو لم يعلم به فغير لازم له .

وأفاد تعيين الشهر لهذا الفرض حتى لا يجوز تقديمه عليه ولا تأخيره عنه لمن شهده . وأفاد أن مراده بعض الشهر لا جميعه في شرط لزوم الصوم ، وأن الكافر إذا أسلم في بعضه والصبي إذا بلغ فعليهما صوم بقية الشهر . وأفاد أن من نوى بصيامه تطوعا أجزأه ، لورود الأمر مطلقا بفعل الصوم غير مخصوص بصفة ولا مقيد بشرط ، فاقتصر جوازه على أي وجه صامه . ويحتج به من يقول : إنه إذا صام وهو غير عالم بالشهر لم يجزه ؛ ويحتج به أيضا من يقول : إذا طرأ عليه شهر رمضان ، وهو مقيم ثم سافر لم يفطر ، لقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه

فهذا الذي حضرنا من ذكر فوائد قوله : فمن شهد منكم الشهر ولا ندفع أن يكون فيه عدة فوائد غيرها لم يحط علمنا بها ، وعسى أن نقف عليها في وقت غيره أو يستنبطها غيرنا .

وأما ما تضمنه قوله : فليصمه فهو ما قدمنا ذكره من الأمور التي أمرنا بالإمساك عنها في حال الصوم ، منها متفق عليه ومنها مختلف ، وما قدمناه من ذكر شرائطه وإن لم يكن صوما في نفسه . وقد تقدم بيان حكم المريض والمسافر بعون الله وكرمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث