الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب الوقوف بجمع قال الله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ولم يختلف أهل العلم أن المشعر الحرام هو المزدلفة وتسمى جمعا . فمن الناس من يقول : إن هذا الذكر هو صلاة المغرب ، والعشاء اللتين يجمع بينهما بالمزدلفة ، والذكر الثاني في قوله : واذكروه كما هداكم هو الذكر المفعول عند الوقوف بالمزدلفة غداة جمع ، فيكون الذكر الأول غير الثاني . والصلاة تسمى ذكرا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : من نام عن صلاة ، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وتلا عند ذلك قوله تعالى : وأقم الصلاة لذكري فسمى الصلاة ذكرا ، فعلى هذا قد اقتضت الآية تأخير صلاة المغرب إلى أن تجمع مع العشاء بالمزدلفة . وروي عن أسامة بن زيد وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى المزدلفة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق المزدلفة : الصلاة فقال : الصلاة أمامك فلما أتى المزدلفة صلاها مع العشاء الآخرة . والأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم متواترة

في جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب ، والعشاء بالمزدلفة

وقد اختلف في من صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة فقال أبو حنيفة ومحمد " لا تجزيه " وقال أبو يوسف : " تجزيه " . وظاهر قوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام إذا كان المراد به الصلاة يمنع جوازها قبله ، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : الصلاة أمامك وحمله على ذلك أولى من حمله على الذكر المفعول في حال الوقوف بجمع ؛ لأن قوله تعالى : واذكروه كما هداكم هو الذكر في موقف جمع ، فواجب أن نحمل الذكر الأول على الصلاة حتى نكون قد وفينا كل واحد من الذكرين حظه من الفائدة ولا يكون تكرارا .

وأيضا فإن قوله : فاذكروا الله عند المشعر الحرام هو أمر يقتضي الإيجاب ، والذكر المفعول بجمع ليس بواجب عند الجميع ومتى حمل على فعل صلاة المغرب بجمع كان محمولا على مقتضاه من الوجوب ، فوجب حمله عليه .

وقد اختلف أهل العلم في الوقوف بالمزدلفة ، هل هو من فروض الحج أم لا ، فقال قائلون : " هو من فروض الحج ومن فاته فلا حج له كمن فاته الوقوف بعرفة " [ ص: 391 ] وقال جمهور أهل العلم : " حجه تام ولا يفسده ترك الوقوف بالمزدلفة " . واحتج من لم يجعله من فروضه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الحج عرفة فمن وقف قبل أن يطلع الفجر فقد تم حجه وقال في بعض الأخبار : من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ، ومن فاته عرفة فقد فاته الحج فحكم بصحة حجه بإدراك عرفة ولم يشترط معه الوقوف بجمع ويدل عليه ما روى ابن عباس وابن عمر ونقله الناس ، قائلين له : إن النبي صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله بليل وفي بعض الأخبار ضعفة الناس من المزدلفة ليلا وقال لهم : لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس فلو كان الوقوف بها فرضا لما رخص لهم في تركه للضعف ، كما لا يرخص في الوقوف بعرفة لأجل الضعف .

فإن قيل : لأنهم كانوا وقفوا ليلا وهو وقت الوقوف بها ، وروى سالم بن عمر وهو أحد من روى حديث تقديم ضعفة الناس من المزدلفة : فكان يقدم ضعفة أهله من المزدلفة فيقفون عند المشعر الحرام بليل ، فيذكرون ما بدا لهم ثم يدفعون قيل له : وقت الوقوف بها بعد طلوع الفجر ، وقد نقل الناس وقوف النبي صلى الله عليه وسلم بها بعد طلوع الفجر ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله بالوقوف حين عجلهم منها ليلا ، ولو كان ذلك وقت الوقوف لأمرهم به ، ولم يرخص لهم في تركه مع إمكانه من غير عذر ؛ وما روي عن ابن عمر فإنما هو من فعله ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل ابن عمر أيضا : إن هذا وقت الوقوف ، وإنما كان ذلك على وجه الاستحباب للذكر قبل الرجوع إلى منى .

ويدل على أن وقت الوقوف بعد طلوع الفجر أنا وجدنا سائر أفعال المناسك إنما وقتها بالنهار ، والليل يدخل فيه على وجه التبع على ما بينا . واحتج من جعل الوقوف بها فرضا بظاهر قوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام فظاهره يقتضي الوجوب . ويحتجون أيضا بحديث مطرف بن طريف عن الشعبي عن عروة بن مضرس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أدرك جمعا ، والإمام واقف فوقف مع الإمام ثم أفاض مع الناس فقد أدرك الحج ، ومن لم يدرك فلا حج له ، وبما روى يعلى بن عبيد قال : حدثنا سفيان عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات ، فأقبل ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج ، فقال : الحج يوم عرفة ومن أدرك جمعا قبل الصبح فقد أدرك الحج . فأما قوله : فاذكروا الله عند المشعر الحرام فلا دلالة فيه على ما ذكروا وذلك لأنه أمر بالذكر ، وقد اتفق الجميع على أن الذكر هناك [ ص: 392 ] غير مفروض ، فإن تركه لا يوجب نقصا في الحج ، وليس للوقوف ذكر في الآية ، فسقط الاحتجاج به ، ومع ذلك فقد بينا أن المراد بهذا الذكر هو فعل صلاة المغرب هناك . وأما حديث مطرف بن طريف عن الشعبي ، فإنه قد رواه خمسة من الرواة غير مطرف ، منهم زكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن أبي السفر وسيار وغيرهم عن الشعبي عن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا فيه أنه قال : من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف وأفاض قبل ذلك من عرفة ليلا ، أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه

ولم يذكر منهم أحد أنه قال فلا حج له . ومع ذلك فقد اتفقوا أن ترك الصلاة هناك لا يفسد الحج ، وقد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فكذلك الوقوف . وقوله : " فلا حج له " يحتمل أن يريد به نفي الفضل لا نفي الأصل ، كما قال صلى الله عليه وسلم : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ، وكما روى عمر من قدم نفله فلا حج له . وأما حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد روى هذا الحديث محمد بن كثير عن سفيان عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه : من وقف قبل أن يطلع الفجر فقد تم حجه فعلمنا أن المراد بذلك الوقوف بعرفة في شرط إدراك الحج ، وأن رواية من روى من أدرك جمعا قبل الصبح وهم ، وكيف لا يكون وهما وقد نقلت الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوفه بها بعد طلوع الفجر ولم يرو عنه أنه أمر أحدا بالوقوف بها ليلا ؟ ومع ذلك فقد عارضته الأخبار الصحيحة التي رويت من قوله : من صلى معنا هذه الصلاة ثم وقف معنا هذا الموقف

وسائر أخبار عبد الرحمن بن يعمر أنه قال : من أدرك عرفة فقد أدرك الحج وقد تم حجه ، ومن فاته عرفة فقد فاته الحج وذلك ينفي رواية من شرط معه الوقوف بالمزدلفة ، وأظن الأصم وابن علية القائلين بهذه المقالة . واحتجوا فيه من طريق النظر ، بأنه لما كان في الحج وقوفان واتفقنا على فرضية أحدهما وهو الوقوف بعرفة ، وجب أن يكون الآخر فرضا ؛ لأن الله عز وجل ذكرهما في القرآن ؛ كما أنه لما ذكر الركوع ، والسجود كانا فرضين في الصلاة . فيقال له : أما قولك " إنهما لما كانا مذكورين في القرآن كانا فرضين " فإنه غلط فاحش ؛ لأنه يقتضي أن يكون كل مذكور في القرآن فرضا ، وهذا خلف من القول .

وعلى أن الله تعالى لم يذكر الوقوف وإنما قال : فاذكروا الله عند المشعر الحرام والذكر ليس بمفروض عند الجميع ، فكيف يكون الوقوف فرضا ؟ فالاحتجاج به من هذا الوجه ساقط . فإن كان أوجبه قياسا على الوقوف بعرفة ، فإنه يطالب [ ص: 393 ] بالدلالة على صحة العلة الموجبة لهذا القياس ، وذلك معدوم ؛ ويقال له : أليس قد طاف النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة وسعى ، ثم طاف أيضا يوم النحر وطاف للصدر وأمر به ؟ فهل وجب أن يكون لهذا الطواف كله حكم واحد في باب الإيجاب ؟ فإذا جاز أن يكون بعض الطواف ندبا وبعضه واجبا ، فما ينكر أن يكون حكم الوقوف كذلك فيكون بعضه ندبا وبعضه واجبا ؟ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث