الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب منفحة الميتة ولبنها

جزء التالي صفحة
السابق

باب النفحة الميتة ولبنها قال أبو حنيفة : لبن الميتة وإنفحتها طاهران لا يلحقهما حكم النجاسة " .

وقال أبو يوسف ومحمد والثوري : " يكره اللبن ؛ لأنه في وعاء نجس ، وكذلك الإنفحة إذا كانت مائعة ، فإن كانت جامدة فلا بأس " . وقالوا جميعا في البيضة إذا كانت من دجاجة ميتة : فلا بأس بها . وقال مالك [ ص: 148 ] وعبد الله بن الحسن والشافعي : " لا يحل اللبن في ضروع الميتة " . وقال الليث بن سعد : " لا تؤكل البيضة التي تخرج من دجاجة ميتة " .

وقال عبد الله بن الحسن : " أكره أن أرخص فيها " قال أبو بكر : اللبن لا يجوز أن يلحقه حكم الموت ؛ لأنه لا حياة فيه . ويدل عليه أنه يؤخذ منها وهي حية فيؤكل ، فلو كان مما يلحقه حكم الموت لم يحل إلا بذكاة الأصل كسائر أعضاء الشاة . وأيضا فإن قوله : نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين عام في سائر الألبان ، فاقتضى ذلك شيئين :

أحدهما : أن اللبن لا يموت ولا يحرمه موت الشاة ، والثاني : أنه لا ينجس بموت الشاة ولا يكون بمنزلة لبن جعل في وعاء ميت . فإن قيل : ما الفرق بينه وبين ما لو حلب من شاة حية ثم جعل في وعاء نجس وبين ما إذا كان في ضرع الميتة ؟ قيل : الفرق بينهما أن موضع الخلقة لا ينجس ما جاوره بما حدث فيه خلقة .

والدليل على ذلك اتفاق المسلمين على جواز أكل اللحم بما فيه من العروق مع مجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل لذلك ، فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق فيه .

ودليل آخر ، وهو قوله : من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين وهذا يدل من وجهين على ما ذكرنا :

أحدهما : ما قدمناه آنفا في صدر المسألة في اقتضائه لبن الحية ولبن الميتة ، والثاني : إخباره بخروجه من بين فرث ودم هما نجسان مع الحكم بطهارته ، ولم تكن مجاورته لهما موجبة لتنجيسه ؛ لأنه موضع الخلقة ، كذلك كونه في ضرع ميتة لا يوجب تنجيسه ويدل على ذلك أيضا ما رواه شريك عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الطائف بجبنة ، فجعلوا يقرعونها بالعصا ، فقال : أين يصنع هذا ؟ فقالوا : بأرض فارس ، فقال : اذكروا اسم الله عليه وكلوا .

ومعلوم أن ذبائح المجوس ميتة ، وقد أباح صلى الله عليه وسلم أكلها مع العلم بأنها من صنعة أهل فارس وأنهم كانوا ؛ إذ ذاك مجوسا ، ولا ينعقد الجبن إلا بإنفحة ، فثبت بذلك أن إنفحة الميتة طاهرة .

وقد روى القاسم بن الحكم ، عن غالب بن عبد الله ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجبن فقال : ضعي السكين واذكري اسم الله تعالى وكلي فأباح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أكل الجميع منه ولم يفصل بين ما صنع منه بإنفحة ميتة أو غيرها .

وقد روي عن علي وعمر وسلمان وعائشة وابن عمر وطلحة بن عبيد الله وأم سلمة والحسن بن علي إباحة أكل الجبن الذي فيه إنفحة الميتة ، فدل ذلك على أن الإنفحة طاهرة وإن كانت [ ص: 149 ] من ميتة . وإذا ثبت بما وصفنا طهارة الإنفحة وإن كانت من ميتة ثبت طهارة لبن الميتة وإنفحتها ، ووجب أن يكون ذلك حكم البيضة الخارجة من الدجاجة الميتة ؛ لأنها تبين منها في حياتها وهي طاهرة يجوز أكلها ، فكذلك بعد موتها ؛ لأنها لو كانت مما يحتاج إلى ذكاة لما أباحها إلا ذكاة الأصل كسائر أعضائها ، لما كان شرط إباحتها الذكاة لم تحل إلا بذكاة الأصل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث