الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التيمم

جزء التالي صفحة
السابق

( وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء ) لأنه خلف عنه فأخذ حكمه ( وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله ) لأن القدرة هي المراد بالوجود الذي هو غاية لطهورية التراب ، [ ص: 134 ] وخائف السبع والعدو والعطش عاجز حكما والنائم عند أبي حنيفة قادر تقديرا ، حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه عنده ، والمراد ماء يكفي للوضوء لأنه لا معتبر بما دونه ابتداء فكذا انتهاء [ ص: 135 ] ( ولا يتيمم إلا بصعيد طاهر ) لأن الطيب أريد به الطاهر في النص ولأنه آلة التطهير فلا بد من طهارته في نفسه كالماء .

التالي السابق


( قوله وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله ) لأن القدرة هي المرادة بالوجود الذي هو غاية لطهورية التراب في قوله صلى الله عليه وسلم { التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء } ومقتضاه خروج ذلك التراب الذي تيمم به عن الطهورية ، ويستلزم انتفاء أثره من طهارة الرجل .

ويرد عليه أن قطع الاعتبار الشرعي طهورية التراب إنما هو عند الرؤية مقتصرا فإنما يظهر في المستقبل ، إذ لو استند ظهر عدم صحة الصلوات السابقة ، وما قيل إنه وصف يرجع إلى المحل فيستوي فيه [ ص: 134 ] الابتداء والبقاء لا يفيد دفعا ولا يمسه ، والأوجه الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم في بقية الحديث { فإذا وجده فليمسه بشرته } وفي إطلاقه دلالة على نفي تخصيص الناقضية بالوجدان خارج الصلاة كما هو قول الأئمة الثلاثة رضي الله عنهم ( قوله وخائف السبع والعدو والعطش ) على نفسه أو دابته أو رقيقه عاجز حكما فيباح له التيمم مع وجود ذلك الماء ، وكذا إذا خاف الجوع بأن كان محتاجا إلى الماء للعجين ، أما إن احتاج إليه للمرقة فلا يتيمم ، لكن هل يعيد إذا أمن بالوضوء ؟ قال في النهاية : قلت جاز أن تجب الإعادة على الخائف من العدو بالوضوء لأن العذر من قبل العباد ا هـ .

يعني وهم يفرقون بين العذر من قبل من له الحق ومن قبل العباد فيوجبون في الثاني ، ولذا وجبت الإعادة على المحبوس إذا صلى بالتيمم ثم خلص ، وقيل فيمن منعه إنسان عن الوضوء بوعيد ينبغي أن يتيمم ويصلي ويعيد بعد ذلك ، لكن قال في الدراية : الأسير منعه الكفار من الوضوء والصلاة يتيمم ويومئ ويعيد وكذا المقيد ، ثم قال : قلت بخلاف الخائف منهم فإن الخوف من الله سبحانه فنص على خلاف ما في النهاية ( قوله والنائم ) أي على غير صفة توجب النقض كالنائم ماشيا أو راكبا إذا مر على ماء مقدور الاستعمال انتقض تيممه عند أبي حنيفة خلافا لهما ، وعن ذلك عبر في المجمع بالناعس .

قال في فتاوى قاضي خان قيل يجب أن لا ينتقض عند الكل ، لأنه لو تيمم وبقربه ماء لا يعلم به صح تيممه فكذا هذا . وفي زيادات الحلواني قال : في انتقاض تيممه روايتان من غير ذكر خلاف .

قال في شرح المجمع في وجه الانتقاض عنده الشرع إن اعتبر هذا القدر من النوم يقظة كان كاليقظان ، وإن لم يعتبره يقظة كان هذا نوما لم يلحق باليقظة ، وكل نوم لم يلحق بها شرعا فهو حدث بالإجماع ا هـ .

ولنا أن نختار الأول ولا يفيده ، فإن اليقظان إذا لم يعلم بالماء لا يبطل تيممه على ما ذكرناه من فتاوى قاضي خان . وفي التجنيس : صلى بالتيمم وفي جنبه بئر لم يعلم به جاز على قولهم ، ولو كان على شاطئ النهر ولم يعلم به ، عن أبي يوسف روايتان في رواية لا يجوز اعتبارا بالإداوة المعلقة في عنقه . وفي رواية يجوز لأنه غير قادر إذ لا قدرة بدون العلم .

وقيل هذا قول أبي حنيفة وهو الأصح ا هـ .

فإذا كان أبو حنيفة يقول في المستيقظ حقيقة على شاطئ نهر لا يعلم به يجوز تيممه ، فكيف يقول في النائم حقيقة بانتقاض تيممه ( قوله والمراد ) من الماء : يعني الماء في قوله وينقضه رؤية الماء ما يكفي ، فلو وجد المتيمم ماء فتوضأ به فنقص عن [ ص: 135 ] إحدى رجليه إن كان غسل كل عضو ثلاثا أو مرتين انتقض تيممه ، أو مرة لا ينتقض لأنه في الأول وجد ما يكفيه ، إذ لو اقتصر على أدنى ما يتأدى به الفرض كفاه بخلاف الثاني . وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يجوز مع وجود الماء وإن قل حتى يستعمله فيفنيه فحينئذ يتيمم ، لأن قوله تعالى { فلم تجدوا ماء } يفيده لأنه نكرة في سياق النفي ، وصار كما إذا وجد ماء يكفي لإزالة بعض النجاسة الحقيقية أو ثوبا يستر بعض عورته .

ولنا أن المراد في النص ماء يكفي لإزالة المانع لأنه سبحانه أمر بغسل الأعضاء الثلاثة والمسح ، ومعلوم أنه بالماء ثم نقل إلى التيمم عند عدمه بقوله { فلم تجدوا ماء } فبالضرورة يكون التقدير : فاغسلوا وامسحوا بالماء ، فإن لم تجدوا ماء تغسلون به وتمسحون ما عينته عليكم فتيمموا .

والقياس على الحقيقة والعورة فاسد لأنهما يتجزءان فيفيد إلزامه باستعمال القليل للتقليل ، ولا يفيد هنا إذ لا يتجزأ هنا بل الحدث قائم ما بقي أدنى لمعة فيبقى مجرد إضاعة مال خصوصا في موضع عزته مع بقاء الحدث كما هو ، والمراد من القدرة أعم من الشرعية والحسية ، حتى لو رأى ماء في حب لا ينتقض تيممه وإن تحققت قدرة حسية لأنه إنما أبيح للشرب ، ولو وهب له ماء وجب القبول وانتقض التيمم ، ولو وجد جماعة من المتيممين ماء مباحا يكفي أحدهم انتقض تيمم الكل لقدرة كل منهم لتحقق الإباحة في حق كل منهم ، بخلاف ما لو وهب لهم بأن قال صاحب الماء هذا لكم أو بينكم فقبضوه حيث لا ينتقض تيمم أحد منهم لأنه لا يصيب كلا منهم ما يكفيه على قولهما .

وعلى قول أبي حنيفة لا تصح هذه الهبة للشيوع ، فلو أذنوا لواحد منهم بالوضوء عنده لا يجوز إذنهم لفساد الهبة ، وعندهما يصح ، فينتقض تيممه ، كما لو عين الواهب واحدا منهم فإنه يبطل تيممه دونهم حتى لو كان إماما بطلت صلاة الكل ، وكذا لو كان غير إمام إلا أنه لما فرغ القوم سأله الإمام فأعطاه تفسد على قول الكل لتبين أنه صلى قادرا على الماء .

واعلم أنهم فرعوا لو صلى بتيمم فطلع عليه رجل معه ماء ، فإن غلب على ظنه أنه يعطيه بطلت قبل السؤال ، وإن غلب أن لا يعطيه يمضي على صلاته ، وإن أشكل عليه يمضي ثم يسأله ، فإن أعطاه ولو بيعا بثمن المثل ونحوه أعاد وإلا فهي تامة . وكذا لو أعطاه بعد المنع إلا أنه يتوضأ هنا لصلاة أخرى ، وعلى هذا فإطلاق فساد الصلاة في صورة سؤال الإمام إما أن يكون محمولا على حالة الإشكال أو أن عدم الفساد عند غلبة ظن عدم الإعطاء مقيد بما إذا لم يظهر له بعد إعطاؤه .

[ فرع ]

يبتلى الحاج بحمل ماء زمزم للهدية ويرصص رأس القمقمة فما لم يخف العطش ونحوه لا يجوز له التيمم . قال المصنف في التجنيس : والحيلة فيه أن يهبه من غيره ثم يستودعه منه . وقال قاضي خان في فتاواه : هذا ليس بصحيح ، فإنه لو رأى مع غيره ماء يبيعه بمثل الثمن أو بغبن يسير لا يجوز له التيمم ، فإن تمكن من الرجوع في الهبة كيف يجوز له التيمم ا هـ . ويمكن أن يفرق بأن الرجوع تملك بسبب مكروه وهو مطلوب العدم شرعا ، فيجوز أن يعتبر الماء معدوما في حقه لذلك وإن قدر عليه حقيقة كماء الحب بخلاف البيع ( قوله ولا يجوز التيمم إلا بصعيد طاهر ) ظاهر حكما ودليلا وانبنى عليه أنه لو تيمم بغبار ثوب نجس لا يجوز إلا إذا وقع [ ص: 136 ] ذلك الغبار عليه بعد ما جف ، وهل يأخذ التراب حكم الاستعمال ؟ في الخلاصة وغيرها لو تيمم جنب أو حائض من مكان فوضع آخر يده على ذلك المكان فتيمم أجزأه ، والمستعمل هو التراب الذي استعمل في الوجه والذراعين ا هـ . وهو يفيد تصور استعماله وكونه بأن يمسح الذراعين بالضربة التي مسح بها وجهه ليس غير



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث