الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الطهارات

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 27 ] ( ومسح الأذنين ) وهو سنة بماء الرأس عندنا خلافا للشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام { الأذنان من الرأس } [ ص: 28 ] والمراد بيان الحكم دون الخلقة . قال ( وتخليل اللحية ) لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمره جبريل عليه السلام بذلك ، [ ص: 29 ] وقيل هو سنة عند أبي يوسف رحمه الله جائز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، لأن السنة إكمال الفرض في محله والداخل ليس بمحل الفرض .

التالي السابق


( قوله ومسح الأذنين ) عن الحلواني وشيخ الإسلام : يدخل الخنصر في أذنيه ويحركهما كذا فعل صلى الله عليه وسلم انتهى .

والذي في ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما { أنه صلى الله عليه وسلم مسح أذنيه فأدخلهما السبابتين ، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما } وقول من قال يعزل السبابتين في مسح الرأس من مشايخنا يدل على أن السنة عنده إدخالهما وهو الأولى ( قوله خلافا للشافعي ) قيل يتعلق بالمجموع من سنة بماء الرأس ، ولا خلاف في المعنى لأن تعليقه بماء الرأس ليس إلا من حيث اتصاله بسنة ( قوله لقوله عليه الصلاة والسلام : { الأذنان من الرأس } ) يعني فلا حاجة إلى أخذ ماء [ ص: 28 ] منفرد لهما ، كما لا يؤخذ في السنة ماءان لعضو واحد في غير التكرار .

قال البيهقي : أشهر إسناد للحديث هذا يعني رواية أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال { توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ، ومسح برأسه قال : الأذنان من الرأس } ثم قال البيهقي : وكان حماد يشك في رفعه في رواية قتيبة عنه فيقول : لا أدري أمن قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي أمامة ، وكان سليمان بن حرب يرويه عن حماد ويقول : هو من قول أبي أمامة انتهى . وقد ضعف شهر أيضا . وأجيب بأنه اختلف فيه على حماد ، فأبو الربيع رفعه عنه ومن سمعت على ما علمت . واختلف على مسدد عن حماد في ذلك أيضا ، وإذا رفع ثقة حديثا ووقفه آخر أو فعل ذلك شخص واحد قدم الرفع ; لأنه زيادة ، والصحيح في شهر التوثيق وثقه أبو زرعة وأحمد ويحيى والعجلي ويعقوب بن شيبة وسنان بن ربيعة ، وقد توهم في البيهقي التحامل بسبب اقتصاره على حديث أبي أمامة والاشتغال بالتكلم فيه

، وفي الباب حديث عبد الله بن زيد أخرجه ابن ماجه عن سويد بن سعيد ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن شعبة عن حبيب بن زيد عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الأذنان من الرأس } وحديث ابن عباس أخرجه الدارقطني عن أبي كامل الجحدري ، حدثنا غندر محمد بن جعفر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال { الأذنان من الرأس } وهما ثابتان للاتصال وثقة الرجال ، وقول الدارقطني في الثاني إسناده وهم إنما هو مرسل محتجا بما أخرجه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . قال ابن القطان بعد حكمه بصحته ثم نقل كلام الدارقطني : ليس بقدح فيه ، وما يمنع أن يكون فيه حديثان مسند ومرسل .

ولنا أحاديث أخر من فعله صلى الله عليه وسلم : منها ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن ابن عباس : { ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره } . وفيه : ثم غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه . وبوب عليه النسائي باب مسح الأذنين مع [ ص: 29 ] الرأس .

وأما ما روي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماء جديدا فيجب حمله على أنه لفناء البلة قبل الاستيعاب توفيقا بينه وبين ما ذكرنا ، وإذا انعدمت البلة لم يكن بد من الأخذ كما لو انعدمت في بعض عضو واحد ، ولو رجحنا كان ما رويناه أكثر وأشهر ، فقد روي من حديث أبي أمامة وابن عباس وعبد الله بن زيد كما ذكرنا ، وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وأنس وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم بطرق كثيرة ، والله سبحانه أعلم

( قوله جائز عند أبي حنيفة ) في غير نسخة من كتب الرواية سنة عند أبي يوسف مستحب عندهما ، وأمثل حديث فيه ما رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عامر بن شقيق الأسدي عن أبي وائل عن عثمان { أنه صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته } . وقال الترمذي : توضأ وخلل لحيته ، وقال حسن صحيح ، وصححه ابن حبان والحاكم وقال : احتجا بجميع رواته إلا عامر بن شقيق ، ولا أعلم فيه طعنا بوجه من الوجوه ، وله شاهد صحيح من حديث عمار بن ياسر وأنس وعائشة رضي الله عنهم ، ثم أخرج أحاديثهم { أنه صلى الله عليه وسلم توضأ وخلل لحيته } ، وزاد في حديث أنس : { بهذا أمرني ربي } . وتعقب بأن عامرا ضعفه ابن معين وقال أبو حاتم ليس بالقوي ، وحاصل الأول طعن مبهم ، وهو غير مقبول على ما عليه العمل لم يقبله الترمذي . والثاني : لا يخرجه إلى الضعف ، ولو سلم ، فغاية الأمر اختلاف فيه لا ينزل به عن الحسن . قال الترمذي في علله الكبير : قال محمد بن إسماعيل : يعني البخاري أصح شيء عندي حديث عثمان وهو حديث حسن انتهى . وكيف وله شواهد كثيرة جدا من حديث عمار وأنس كما رواهما الحاكم والترمذي وابن ماجه رأيته عليه الصلاة والسلام يخلل لحيته ، وإن ضعف بالانقطاع ، وحديث أنس قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل لحيته } . رواه البزار وابن ماجه وحديث أبي أيوب نحوه رواه ابن ماجه وهو ضعيف . وحديث ابن عباس : { دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 30 ] وهو يتوضأ ، وقال فيه : فخلل لحيته . وفيه : فقلت يا رسول الله هكذا الطهور ؟ قال : هكذا أمرني ربي } . رواه الطبراني في الأوسط . وروي أيضا حديث أبي أمامة وحديث عبد الله بن أبي أوفى وحديث أبي الدرداء وحديث أم سلمة : { كان إذا توضأ خلل لحيته } . وضعف بخالد بن إلياس العدوي . وروى البزار عن أبي بكرة { أنه صلى الله عليه وسلم توضأ وخلل } . وروى ابن عدي عن جابر { أنه وضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ، فرأيته يخلل لحيته بأصابعه كأنها أسنان المشط } . وفيه أضرم بن غياث النيسابوري متروك ، وما في الهداية مما أخرجه ابن أبي شيبة عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم قال { أتاني جبريل فقال : يا محمد خلل لحيتك } وهو معلول بالهيثم بن جماز ، ويقرب منه ما في أبي داود عن أنس : { كان صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أخذ كفا من ماء تحت حنكه فخلل به لحيته وقال : بهذا أمرني ربي } وسكت عنه ، وكذا المنذري بعده ، وأعله ابن القطان بأن الوليد بن زروان مجهول . قال الشيخ الإمام : وهو على طريقته من طلب زيادة التعديل مع رواية جماعة عن الراوي . وقد روى عن الوليد هذا جماعة من أهل العلم . فهذه طرق متكثرة عن أكثر من عشرة من الصحابة رضي الله عنهم لو كان كل منها ضعيفا ثبتت حجية المجموع على ما تقدم . فكيف وبعضها لا ينزل عن الحسن فوجب اعتبارها ، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله يقول : لم يثبت منها المواظبة بل مجرد الفعل ، إلا في شذوذ من الطرق فكان مستحبا لا سنة ، لكن ما في أبي داود من قوله : بهذا أمرني ربي ، لم يثبت ضعفه ، وهو مغن عن نقل صريح المواظبة ; لأن أمره تعالى حامل عليها

، فيترجح قول أبي يوسف كما رجحه في المبسوط ، ويتضاءل المعنى المذكور من أن السنة في الوضوء ما كان إكمالا للفرض في محله ، وداخل اللحية ليس به بعد سلامته في نفسه مما نقض به من أن المضمضة والاستنشاق سنة وليسا في محله ; إذ ليس في الوجه بالمنع ، وادعاء أن محليهما منه حكما إذ لهما حكم الخارج من وجه حتى لا يفسد الصوم بإدخالهما شيئا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث