الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الغسل

جزء التالي صفحة
السابق

قال ( { وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغسل للجمعة والعيدين وعرفة والإحرام } ) نص على السنية ، وقيل هذه الأربعة مستحبة ، وسمى محمد الغسل يوم الجمعة حسنا في الأصل . وقال مالك رحمه الله : هو [ ص: 66 ] واجب لقوله عليه الصلاة والسلام { من أتى الجمعة فليغتسل } . ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فهو أفضل } وبهذا يحمل ما رواه على الاستحباب أو على النسخ ، ثم هذا [ ص: 67 ] الغسل للصلاة عند أبي يوسف رحمه الله هو الصحيح لزيادة فضيلتها على الوقت واختصاص الطهارة بها ، وفيه خلاف الحسن ، والعيدان بمنزلة الجمعة لأن فيهما الاجتماع فيستحب الاغتسال دفعا للتأذي بالرائحة . وأما في عرفة والإحرام فسنبينه في المناسك إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


( قوله وقيل هذه الأربعة مستحبة ) وهو النظر ، فإن غسل الجمعة لا مرد لشرعيته ، وكان واجبا على ما يفيده دليل مالك ، وهو من رواية عمر بن الخطاب في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام قال { إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل } .

وفي الصحيحين من حديث الخدري أنه صلى الله عليه وسلم [ ص: 66 ] قال { غسل الجمعة واجب على كل محتلم } فإن عول في الجواب على النسخ مع ما دفع به من أن الناسخ وإن صححه الترمذي لا يقوى قوة حديث الوجوب وليس فيه تاريخ أيضا ، فعند التعارض يقدم الموجب ، فإذا نسخ الوجوب لا يبقى حكم آخر بخصوصه إلا بدليل ، والدليل المذكور يفيد الاستحباب ، وكذا إن عول على أنه من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته ، كما يفيده ما أخرج أبو داود عن عكرمة { أن ناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا : يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجبا ؟ فقال لا ، ولكنه طهور ، وخير لمن اغتسل ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب ، وسأخبركم كيف بدء الغسل : كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم ، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف إنما هو عريش ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعرق الناس في ذلك الصوف حتى صارت منهم رياح حتى آذى بعضهم بعضا ، فلما وجد صلى الله عليه وسلم تلك الرياح قال : يا أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا ، وليمس أحدكم أمثل ما يجده من دهنه وطيبه قال ابن عباس : ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ووسع مسجدهم وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق } .

وإن عول على أن المراد بالأمر الندب وبالوجوب الثبوت شرعا على وجه الندب بالقرينة المنفصلة : أعني قوله صلى الله عليه وسلم { ومن اغتسل فهو أفضل } فدليل الندب يثبت الاستحباب ، إذ لا سنة دون المواظبة منه صلى الله عليه وسلم وليس ذلك لازم الندب ، ثم يقاس عليه باقي الاغتسال ، وإنما يتعدى إلى الفرع حكم الأصل وهو الاستحباب . وأما ما روى ابن ماجه { كان صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم العيدين } وعن الفاكه بن سعد الصحابي { أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم عرفة ويوم النحر ويوم الفطر } فضعيفان ، قاله النووي وغيره .

وأما ما روى الترمذي وحسنه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه { أنه صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل } فواقعة حال لا تستلزم المواظبة ، فاللازم الاستحباب ، إلا أن يقال إهلاله اسم جنس مضاف فيعم لفظه كل إهلال صدر منه فيثبت سنية هذا الغسل ، هذا ومن الأغسال المندوبة : الاغتسال لدخول مكة ، والوقوف بمزدلفة ودخول مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن غسل الميت ، وللحجامة لشبهة الخلاف ، ولليلة القدر إذا رآها ، وللمجنون إذا أفاق ، والصبي إذا بلغ بالسن نص عليه في الغاية ، وكذا يستحب للكافر إذا أسلم .

قال في التجنيس : بذلك أمر صلى الله عليه وسلم من جاءه يريد الإسلام ، وظاهره وكذا واقعة ابن أثال تفيد أن الغسل قبل الإسلام للإسلام ، ويكفي غسل واحد لسنتي العيد والجمعة إذا اجتمعا كما لفرضي جنابة وحيض .

وبعد الاتفاق على الاكتفاء بغسل واحد نقل الخلاف بين أبي يوسف ومحمد أنه منهما أو أنه يقع من السابق منهما ، وجه الأول أن [ ص: 67 ] كلا من الجنابة والحيض يوجب الغسل ، فإذا اجتمعا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر فيوجبانه فيكون منهما ، وجه الثاني أن وجوبه للنجاسة الحكمية الكائنة بالحدث ، وإذا جاءت بالسبب الأول لا يؤثر السبب الثاني إياها ، وهذا لأنها واحدة تثبت بأسباب لا متعددة بتعدد الأسباب ، فإذا ثبتت بأحدهما استحال أن تثبت بالثاني حال قيامها ، وتظهر ثمرة الخلاف في امرأة حلفت لا تغتسل من زوجها من جنابة فحاضت ثم جامعها ثم اغتسلت تحنث على الأول لا الثاني ( قوله للصلاة إلخ ) .

تظهر ثمرته فيمن لا جمعة عليه هل يسن له الغسل أو لا ، وفيمن اغتسل ثم أحدث وتوضأ وصلى به الجمعة لا يكون له فضل غسل الجمعة عند أبي يوسف ، وفيمن اغتسل قبل الغروب ، وفي الكافي لو اغتسل قبل الصبح وصلى به للجمعة نال فضل الغسل عند أبي يوسف ، وعند الحسن لا .

واستشكله شارح الكنز لأنه لا يشترط وجود الاغتسال فيما سن الاغتسال لأجله ، بل أن يكون فيه متطهرا بطهارة الغسل فلا يحسن نفي الحسن



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث