الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قضاء الفوائت

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 489 ] ( ولو فاتته صلوات رتبها في القضاء كما وجبت في الأصل ) { لأن النبي عليه الصلاة والسلام شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن مرتبا ، ثم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي } [ ص: 490 ] ( إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات ) لأن الفوائت قد كثرت ( فيسقط الترتيب فيما بين الفوائت ) نفسها كما سقط بينها وبين الوقتية ، وحد الكثرة أن تصير الفوائت ستا لخروج وقت الصلاة السادسة وهو المراد بالمذكور [ ص: 491 ] في الجامع الصغير ، وهو قوله ( وإن فاتته أكثر من صلاة يوم وليلة أجزأته التي بدأ بها ) لأنه إذا زاد على يوم وليلة تصير ستا . وعن محمد رحمه الله أنه اعتبر دخول وقت السادسة ، والأول هو الصحيح لأن الكثرة بالدخول في حد التكرار وذلك في الأول ، ولو اجتمعت الفوائت القديمة والحديثة ، قيل تجوز الوقتية مع تذكر الحديثة لكثرة [ ص: 492 ] الفوائت ، وقيل لا تجوز ويجعل الماضي كأن لم يكن [ ص: 493 ] زجرا له عن التهاون .

التالي السابق


( قوله ثم قال : { صلوا كما رأيتموني أصلي } ) ليس من تمام ما اتصل به بل هو حديث آخر ، فهو استدلال بمجموع فعله الترتيب بين الأربع وأمره بالصلاة على الوجه الذي فعل فلزم الترتيب ، ولو قاله بالواو لكان أقل إيهاما ، ولا يخفى أن الحديث الثاني ليس على صرافة ظاهره من إيجاب كل ما وقع عليه رؤيتهم من صلاته فإنها وقعت على ما هو من السنن والآداب وليست واجبة فهو على الندب إن اعتبرت هذه المرادة أو على الإيجاب إن اعتبرت غيرها ، وعلى كل حال لا يفيد المطلوب ، أما على التقدير الأول فظاهر ، وكذا على الثاني لأنه فرع ثبوت الوجوب بغيره لأن كون هذا الترتيب واجبا عين النزاع وصلوا إلى آخره إيجاب فعل الواجبات على الوجه الذي رأوه فعلها فلا يقدم السجود على الركوع ولا يقرأ في غير القيام .

وحاصله على هذا التقدير تعيين الكيفيات الواجبة أن تغير ، وذلك فرع ثبوت الوجوب أولا . وغاية ما يدفع به هذا أن يقال هو مفيد وجوب كل ما وقع عليه الرؤية إلا ما قام الدليل فيه على خلافه من كونه سنة أو أدبا ، وحينئذ يقال الترتيب من المستثنى لما قدمنا من استلزام تقديم الظني على القاطع بتقدير ما ذهبوا إليه ، ثم الحديث الثاني هو ذيل حديث مالك بن الحويرث في البخاري وتقدم .

وأما الأول فأخرجه الترمذي والنسائي عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود قال { إن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء } قال الترمذي : ليس بإسناده بأس ، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه : يعني فهو منقطع .

وقول الشيخ محيي الدين النووي في الخلاصة لم يدرك أباه مخالف لقول أبي داود توفي ولولده أبي عبيدة سبع سنين . ورواه النسائي في سننه عن الخدري { حبسنا يوم الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا ذلك ، فأنزل الله تعالى { وكفى الله المؤمنين القتال } فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بلالا فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها قبل ذلك ، ثم أقام فصلى العصر كما كان يصليها قبل ذلك ، ثم أقام فصلى المغرب كما كان يصليها قبل ذلك . ثم أقام فصلى العشاء كما كان يصليها قبل ذلك ، وذلك قبل أن ينزل { فرجالا أو ركبانا } } ورواه ابن حبان في صحيحه في النوع الرابع والثلاثين ولم يذكر فيه العشاء لأنها كانت في وقتها ، وذكرها في الرواية الأخرى باعتبار [ ص: 490 ] أنها تأخرت عن وقتها المعتاد . وأخرجه البزار عن جابر بن عبد الله { أنه صلى الله عليه وسلم شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى ذهبت ساعة من الليل ، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر ، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر ، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب ، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء . ثم قال : ما على ظهر الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم } وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق مضعف . وفي الباب حديث الصحيحين { أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش وقال : يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغيب ، فقال صلى الله عليه وسلم : فوالله ما صليتها ، فنزلنا إلى بطحان فتوضأ صلى الله عليه وسلم وتوضأنا ، فصلى صلى الله عليه وسلم العصر بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب } ولا يعارضه ما انفرد به مسلم من قوله ثم صلاها بين المغرب والعشاء ولا ما انفرد به عن ابن مسعود { حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت ، فقال صلى الله عليه وسلم : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا ، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا } ا هـ .

لوجوب حمل الأول على إرادة بين وقت المغرب والعشاء وهو أحد محتمليه لصحة أنه صلى العصر قبل المغرب ، والمفاد بالثاني أن الحبس تحقق إلى وقت الاحمرار فوقع الدعاء عليهم إذ ذاك وليس فيه أنه صلاها إذ ذاك ، وقد تظافرت رواية الصحيحين مع ما قبلها أن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت بعد الغروب ، وكذا لا يعارض ما في الصحيحين من أنه صلاها بعد الغروب الأحاديث السابقة من أنه صلاها بعد دخول وقت العشاء وذهاب ما شاء الله منه للتصادق ، غير أن المتبادر من تخصيص قوله " فصلى العصر بعد ما غربت " أنه قبل وقت العشاء وإلا لقال بعدما دخل وقت العشاء ، لكن يجب الحمل على مجرد ما يصدق به لأن تلك الأحاديث أيضا صحت بكثرة الطرق وبعضها في حديث ابن حبان ( قوله إلا أن تزيد الفوائت ) استثناء من قوله رتبها في القضاء ، ولا يلزم كون الفوائت سبعا لأن ما به الزيادة لا يوجب اللفظ كونه فائتا بل إذا انضم إلى الفوائت المعينة صلاة صدق أن المسمى بالفوائت زادت وإن لم تكن فائتة ، هذا غاية ما يؤديه اللفظ وإلا استلزم كون الفوائت سبعا ( قوله وحد الكثرة ) قال في شرح الكنز وغيره : المعتبر أن تبلغ الأوقات المتخللة ستا مذ فاتته الفائتة وإن أدى ما بعدها [ ص: 491 ] في أوقاتها ، وقيل يعتبر أن تبلغ الفوائت ستا ولو كانت متفرقة ، وثمرة الخلاف تظهر فيمن ترك ثلاث صلوات مثلا الظهر من يوم والعصر من يوم والمغرب من يوم ، فعلى الأول يسقط الترتيب .

يعني بين المتروكات ، وعلى الثاني لا لأن الفوائت بنفسها يعتبر أن تبلغ ستا ، ومثل هذا ما ذكره في المصفى في وجه اقتصار صاحب المنظومة على نقل الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه فيما إذا ترك ظهرا وعصرا من يومين دون أن يذكره في ثلاثة فصاعدا .

قال للخلاف فيما إذا كانت ثلاثة ، فعند بعضهم يسقط الترتيب ، لأن ما بين الفوائت يزيد على ست ، ومنهم من أوجبه لأن المعتبر كون الفوائت بنفسها ستا : يعني فلما اختلفوا في ثبوت الخلاف بينهم في الزائد على الصلاتين اقتصر في المنظومة على نقل الخلاف فيهما ، ولا يخفى على من علم مذهب أبي حنيفة من أن الوقتية المؤداة مع تذكر الفائتة تفسد فسادا موقوفا إلى أن يصلي كمال خمس وقتيات ، فإن لم يعد شيئا منها حتى دخل وقت السادسة صارت كلها صحيحة ، ولا يخفى أنه لا يتصور على قوله كون المتخللات ست فوائت لأنه مع دخول وقتها ثبتت الصحة فلا يتحقق فائتا سوى المتروكة إذ ذاك ، والمسقط هو ست فوائت لا مجرد أوقات لا فوائت فيها فإنه لا معنى له إذ السقوط بكثرة الفوائت كي لا يؤدي التزام الاشتغال بأدائها إلى تفويت الوقتية ، فمجرد الأوقات بلا فوائت لا أثر له ، فلا وجه لاعتباره .

فإن قلت : إنما ذكر من رأيت في تصوير هذه أنه إذا صلى السادسة من المؤديات وهي سابعة المتروكة صارت الخمس صحيحة ولم يحكموا بالصحة على قوله بمجرد دخول وقتها . فالجواب أنه يجب كون [ ص: 492 ] هذا منهم اتفاقيا ، لأن الظاهر أنه يؤدي السادسة في وقتها لا بعد خروجه . فأقيم أداؤها مقام دخول وقتها لما سنذكر من أن تعليله لصحة الخمس يقطع ثبوت الصحة بمجرد دخول الوقت أداها أو لا ، وعلى هذا يجب أن يحكم على الخلاف المذكور بالخطإ . والتحقيق أن خلاف المشايخ في الثلاث إنما هو في الحكم بأن عدم وجوب الترتيب هو بالاتفاق بين الثلاثة ، أو على الخلاف كما في الثنتين ابتداء كما نحققه بذكر المسألة بشعبها ، وبه يتبين مبنى الخلاف على وجه الصحة إذ قد صرنا إليها إحرازا لفائدتها فإنها مهمة ولم يذكرها في الهداية .

وجه قولهما فيها إلحاق ناسي الترتيب بين الصلاتين الفائتتين بناسي الفائتة فيسقط الترتيب به ، وهو ألحقه بناسي التعيين وهو من فاتته صلاة لم يدر ما هي ولم يقع تحريه على شيء يعيد صلاة يوم وليلة بجامع تحقق طريق يخرج بها عن العهدة بيقين فيجب سلوكها . وهذا الوجه يصرح بإيجاب الترتيب في القضاء عنده فيجب الطريق التي يعينها لا كما قيل إنه مستحب عنده فلا خلاف بينهم . ثم صورة قضاء الصلاتين عنده أن يصلي الظهر ثم العصر ثم الظهر ، فإن كان المتروك أولا هو الظهر فالظهر الأخيرة تقع نفلا . وإن كان هو العصر فالظهر الأولى تقع نفلا .

وكما يجوز أن يبدأ بالظهر يجوز أن يبدأ بالعصر فيصلي العصر ثم الظهر ثم العصر . ولو كانت الفوائت ثلاثا ظهر من يوم وعصر من يوم ومغرب من يوم ولا يدري ترتيبها ولم يقع تحريه على شيء صلى الظهر ثم العصر ثم الظهر ثم المغرب ثم الظهر ثم العصر ثم الظهر سبع صلوات . لأن كلا من الثلاث يحتمل كونها أولى أو أخيرة أو متوسطة تجيء تسعا الثابت في الخارج ست للتداخل لأن توسط الظهر يصدق في الخارج ، أما مع تقدم العصر أو المغرب فلا يكون كل قسما برأسه وكذا هما فخرج بواسطة كل واحدة يبقى الثابت الظهر ثم العصر ثم المغرب أو الظهر ثم المغرب ثم العصر فهذان قسما تقدم الظهر ولتقدم العصر مثلهما وللمغرب كذلك ، فإن فاتته العشاء من يوم آخر مع تلك الثلاثة يصلي تلك السبع ثم يصلي الرابعة وهي العشاء فصارت ثمانية ، ثم يعيد تلك السبع على ذلك الوجه فالجملة خمس عشرة ، فلو كانت خمسا من خمسة أيام بأن ترك الفجر أيضا يصلي إحدى وثلاثين صلاة تلك الخمس عشرة على ذلك النحو ثم يصلي الخامسة : أعني الفجر ثم يعيد تلك الخمسة عشرة ، فالضابط أن المتروكة إن كانتا ثنتين يصليهما ثم يعيد أولاهما ، وإن كانت ثلاثا صلى تلك الثلاث ثم الثالثة ، ثم أعاد تلك الثلاث ، وإن كانت أربعا صلى قضاء الثلاث كما قلنا ثم الرابعة ، ثم أعاد ما يلزمه في قضاء الثلاث .

وإن كانت خامسة فعل ما لو كان المتروك أربعا ثم يصلي الخامسة ثم يفعل ما يلزمه في أربع . وإنما أطنبنا لكثرة سؤال السؤال عنه . وفي فتاوى قاضي خان : الفتوى على قولهما كأنه تخفيفا على الناس لكسلهم . وإلا فدليلهما لا يترجح على دليله .

وإذا عرفت هذا فقد اختلف المشايخ فيما وراء الصلاتين ، فذهب طائفة إلى أنه لا ترتيب بالاتفاق فلا يؤمر بإعادة الأولى في قول الكل . قال في الحقائق : وهو الأصح لأن إعادة ثلاث صلوات في وقت الوقتية لأجل الترتيب مستقيم ، أما إيجاب سبع صلوات [ ص: 493 ] في وقت واحد لا يستقيم لتضمنه تفويت الوقتية انتهى ، فهذا يوضح لك أن خلاف هؤلاء فيما وراء الثنتين لما يلزمه من إيجاب سبع بإيجاب الترتيب ، وهو كسبع فوائت معنى لما علمت من أن إيجاب الترتيب في قضائها يوجب سبع صلوات ، فإذا كان الترتيب يسقط بست فأولى أن يسقط بسبع ، والطائفة الأخرى لم يعتبروا إلا تحقق فوائت ست ، والأولون أوجه لأن المعنى الذي لأجله سقط الترتيب بالست موجود في إيجاب سبع ، فظهر بهذا مبنى الخلاف على وجه الصحة كما ذكر في شرح الكنز ، والله أعلم ( قوله زجرا له عن التهاون ) والفتوى على الأول ، كذا في الكافي وغيره لأن هذا ترجيح بلا مرجح .

وما قالوا يؤدي إلى التهاون لا إلى الزجر عنه ، فإن من اعتاد تفويت الصلاة وغلب على نفسه التكاسل لو أفتى بعدم الجواز يفوت أخرى وهلم جرا حتى يبلغ حد الكثرة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث