الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال ( وإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سودانية أو سام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين بحسب كبر الدلو وصغرها ) يعني بعد إخراج الفأرة لحديث أنس رضي الله عنه { أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها نزح منها عشرون دلوا } [ ص: 103 ] والعصفورة ونحوها تعادل الفأرة في الجثة فأخذت حكمها ، والعشرون بطريق الإيجاب والثلاثون بطريق الاستحباب .

قال ( فإن ماتت فيها حمامة أو نحوها كالدجاجة والسنور نزح منها ما بين أربعين دلوا إلى ستين ، وفي الجامع الصغير أربعون أو خمسون ) وهو الأظهر لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { أنه قال في الدجاجة : إذا ماتت في البئر نزح منها أربعون دلوا } وهذا لبيان الإيجاب ، والخمسون بطريق الاستحباب ، ثم المعتبر في كل بئر دلوها الذي يستقى به منها ، [ ص: 104 ] وقيل دلو يسع فيها صاعا ، ولو نزح منها بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلوا جاز لحصول المقصود .

التالي السابق


( قوله فإن ماتت ) يتعلق بهذا الفصل بيان الآثار والفروع وعبارة الكتاب ظاهرة في ذلك فلنشتغل بسرد الآثار وفروع الباب . أما الأول فما ذكر عن أنس والخدري ذكره مشايخنا غير أن قصور نظرنا أخفاه عنا . وقال الشيخ علاء الدين : إن الطحاوي رواهما فيمكن كونه في غير شرح الآثار ، وإنما أخرج في شرح الآثار بسنده عن علي قال في بئر وقعت فيها فأرة فماتت ينزح ماؤها ، وبسنده إليه أيضا : إذا سقطت الفأرة أو الدابة في البئر فانزحها حتى يغلبك الماء ، وبسنده إلى إبراهيم النخعي في البئر يقع فيها الجرذ أو السنور فتموت قال : يدلو أربعين دلوا ، وبسنده عنه في فأرة وقعت في بئر قال : ينزح منها قدر أربعين دلوا ، وبسنده عن الشعبي في الطير والسنور ونحوهما يقع في البئر قال : ينزح منها أربعون دلوا ، وإسناده صحيح قاله في الإمام ، وبسنده عنه قال : يدلي منها سبعون دلوا ، وبسنده عن عبد الله بن سبرة عن الشعبي قال سألناه عن الدجاجة تقع في البئر فتموت فيها قال : ينزح منها سبعون دلوا ، وبسنده عن حماد بن أبي سليمان قال [ ص: 103 ] في دجاجة وقعت في البئر : ينزح منها قدر أربعين أو خمسين ثم يتوضأ منها .

وأما فتوى ابن عباس فرواها الدارقطني عن ابن سيرين أن زنجيا وقع في زمزم يعني مات فأمر به ابن عباس فأخرج وأمر بها أن تنزح ، قال : فغلبتهم عين جاءت من الركن ، قال : فأمر بها فدست بالقباطي والمطارف حتى نزحوها ، فلما نزحوها انفجرت عليهم . وهو مرسل ، فإن ابن سيرين لم ير ابن عباس . ورواها ابن أبي شيبة عن هشيم عن منصور عن عطاء وهو سند صحيح . ورواها الطحاوي عن صالح بن عبد الرحمن ، حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا منصور عن عطاء أن حبشيا وقع في زمزم فمات ، فأمر عبد الله بن الزبير فنزح ماؤها فجعل الماء لا ينقطع ، فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود ، فقال ابن الزبير : حسبكم . وهذا أيضا صحيح باعتراف الشيخ به في الإمام . وما نقل عن ابن عيينة : أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيرا ولا كبيرا يعرف حديث الزنجي الذي قالوا إنه وقع في زمزم . وقول الشافعي : لا يعرف هذا عن ابن عباس ، وكيف يروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم { الماء لا ينجسه شيء } [ ص: 104 ] ويتركه ، وإن كان قد فعل فلنجاسة ظهرت على وجه الماء أو للتنظيف فدفع بأن عدم علمهما لا يصلح دليلا في دين الله تعالى . ورواية ابن عباس ذلك كعلمك أنت به . فكما قلت يتنجس ما دون القلتين لدليل آخر وقع عندك لا يستبعد مثله عن ابن عباس . والظاهر من السوق واللفظ القائل مات فأمر بنزحها أنه للموت لا لنجاسة أخرى ، على أن عندك لا تنزح أيضا النجاسة ، ثم إنهما بينهما وبين ذلك الحديث قريب من مائة وخمسين سنة ، فكان إخبار من أدرك الواقعة وأثبتها أولى من عدم علم غيره . وقول النووي : كيف يصل هذا الخبر إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة ، استبعاد بعد وضوح الطريق ، ومعارض بقول الشافعي لأحمد : أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا ، فإذا كان خبر صحيح فأعلموني حتى أذهب إليه كوفيا كان أو بصريا أو شاميا ، فهلا قال : كيف يصل هذا إلى أولئك ويجهله أهل الحرمين ، وهذا لأن الصحابة انتشرت في البلاد خصوصا العراق . قال العجلي في تاريخه : نزل الكوفة ألف وخمسمائة من الصحابة ، ونزل قرقيسا ستمائة .

وأما الثاني فظاهر من الكتاب ، وإذا لم يوجد في البئر القدر الواجب نزح ما فيها ، فإذا جاء الماء بعده لا ينزح منه شيء آخر . وعن أبي يوسف أن الأربع كفأرة واحدة ، والخمس كالدجاجة إلى تسع ، والعشر كالشاة .

وعن محمد : الفأرتان إذا كانتا كهيئة الدجاجة ينزح أربعون ، وفي الهرتين ينزح ماؤها كله ، والهرة مع الفأرة كالهرة كذا في التجنيس ولو كانت الفأرة مجروحة نزح الكل للدم ، ولا يفيد النزح قبل الإخراج ، ولو صب منها دلو في بئر طاهرة نزح المصبوب وقدر ما بقي بعد ذلك الدلو من الثانية في رواية أبي حفص ، وفي رواية أبي سليمان قدر الباقي فقط والأصح الأول . فعلى هذا لو صب الدلو الأخير في أخرى طاهرة ينزح منها دلو فقط على القولين ، ولو صب ماء بئر نجسة في بئر أخرى وهي نجسة أيضا ينظر بين المصبوب وبين الواجب فيهما ، فأيهما كان أكثر أغنى عن الأقل .

فإن استويا فنزح أحدهما يكفي . مثاله : بئران ماتت في كل منهما فأرة فنزح من إحداهما عشرة مثلا وصب في الأخرى ينزح عشرون ، ولو صب دلو واحد فكذلك ، ولو ماتت فأرة في بئر ثالثة فصب فيها من إحدى البئرين عشرون ومن الأخرى عشرة ينزح ثلاثون ، ولو صب فيها من كل عشرون نزح أربعون ، وينبغي أن ينزح المصبوب ، ثم الواجب فيها على رواية أبي حفص هذا كله في الفتاوى ، وفي التجنيس ما يخالف هذا عن أبي يوسف أنه قال في بئرين مات في كل منهما سنور فنزح من إحداهما دلو وصب في الأخرى ينزح ماؤها كله [ ص: 105 ] لأنه أخذ حكم النجاسة ، وكذا لو أصاب ثوبا يجب غسله فصار كما إذا وقعت فيه نجاسة أخرى ا هـ .

وهذا إنما يظهر وجهه في المسألة السابقة ، وهي ما إذا كان المصبوب فيها طاهرة ، أما إذا كانت نجسة فلا لأن أثر نجاسة هذا الدلو إنما يظهر فيما إذا ورد على طاهر وقد ورد هنا على نجس فلا يظهر أثر نجاسته فتبقى المورودة على ما كانت فتطهر بإخراج القدر الواجب . وجه دفعه عن السابقة ما في المبسوط من أنا نتيقن أنه ليس في هذا البئر إلا نجاسة فأرة ونجاسة الفأرة يطهرها عشرون دلوا ، ولو نزح بعض الواجب ثم ذهب وجاء في اليوم الثاني ينزح ما بقي ليس غير على المختار ، ولو غار الماء قبل النزح ثم عاد لا يعود نجسا .

وفي النوازل يعود نجسا لأنه لم يوجد المطهر ، وفي التجريد جعل الأول قول محمد ، وقول أبي يوسف لا تطهر ما لم تنزح ، وإذا انفصل الدلو الأخير عن الماء حكم بطهارتها عند محمد وإن كان يتقاطر في البئر ، وعندهما لا يطهر ما لم ينفصل من رأس البئر ، فلو استقى منه قبله فغسل به ثوب نجسه عندهما خلافا له ، ثم بطهارة البئر يطهر الدلو والرشاء والبكرة ونواحي البئر واليد لأن نجاسة هذه الأشياء بنجاسة البئر فتطهر بطهارتهما . روي ذلك عن أبي يوسف .

ومثله عروة الإبريق إذا كان في يده نجاسة رطبة فجعل يده عليها كلما صب على اليد ، فإذا غسل اليد ثلاثا طهرت العروة بطهارة اليد ويد المستنجي تطهر بطهارة المحل ، ودن الخمر إذا تخللت . وقيل الدلو طاهرة في حق هذه البئر لا غيرها كدم الشهيد طاهر في حق نفسه فقط ، ولا يجب نزح الطين في شيء من الصور لأن الآثار إنما وردت بنزح الماء



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث