الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 39 ] سورة البقرة

1- الم قد ذكرت تأويله وتأويل غيره - من الحروف المقطعة - في كتاب: "المشكل" .

2- لا ريب فيه لا شك فيه.

هدى للمتقين أي: رشدا لهم إلى الحق.

3- الذين يؤمنون بالغيب أي: يصدقون بإخبار الله - عز وجل - عن الجنة والنار، والحساب والقيامة، وأشباه ذلك.

ومما رزقناهم ينفقون أي: يزكون ويتصدقون.

5- وأولئك هم المفلحون من الفلاح; وأصله البقاء. ومنه قول عبيد:


أفلح بما شئت ; فقد يبلغ بالض ... ضعف، وقد يخدع الأريب



أي: ابق بما شئت من كيس أو غفلة.

فكأنه قيل للمؤمنين: مفلحون; لفوزهم بالبقاء في النعيم المقيم. هذا هو الأصل. [ ص: 40 ] ثم قيل ذلك لكل من عقل وحزم، وتكاملت فيه خلال الخير.

* * *

7- ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم بمنزلة طبع الله عليها. والخاتم بمنزلة الطابع. وإنما أراد: أنه أقفل عليها وأغلقها، فليست تعي خيرا ولا تسمعه. وأصل هذا: أن كل شيء ختمته، فقد سددته وربطته.

ثم قال عز وجل: وعلى أبصارهم غشاوة ابتداء. وتمام الكلام الأول عند قوله: وعلى سمعهم .

والغشاوة: الغطاء. ومنه يقال: غشه بثوب، أي: غطه. ومنه قيل: غاشية السرج; لأنها غطاء له. ومثله قوله: لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش .

* * *

9- وقوله: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ; يريد: أنهم يخادعون المؤمنين بالله; فإذا خادعوا المؤمنين بالله: فكأنهم خادعوا الله. وخداعهم إياهم، قولهم لهم إذا لقوهم: قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم أي: مردتهم; قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون . وما يخادعون إلا أنفسهم: لأن وبال هذه الخديعة وعاقبتها راجعة عليهم;. وهم لا يشعرون. [ ص: 41 ]

10- في قلوبهم مرض أي: شك ونفاق . ومنه يقال: فلان يمرض في الوعد وفي القول; إذا كان لا يصححه، ولا يؤكده.

13- وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس يعني: المسلمين; قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ؟! أي: الجهلة ومنه يقال: سفه فلان رأيه; إذا جهله . ومنه قيل [للبذاء] : سفه; لأنه جهل.

15- الله يستهزئ بهم أي يجازيهم جزاء الاستهزاء.

ومثله قوله: نسوا الله فنسيهم ; أي جازاهم جزاء النسيان. وقد ذكرت هذا وأمثاله في كتاب "المشكل" .

ويمدهم أي: يتمادى بهم، ويطيل لهم.

في طغيانهم أي: في عتوهم وتكبرهم. ومنه قوله: إنا لما طغى الماء ; أي: علا.

يعمهون يركبون رءوسهم فلا يبصرون. ومثله قوله: [ ص: 42 ] أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ؟ يقال: رجل عمه وعامه; أي: جائر [عن الطريق] . وأنشد أبو عبيدة:


ومهمه أطرافه في مهمه ...     أعمى الهدى بالجاهلين العمه



16- أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى أي: استبدلوا. وأصل هذا: أن من اشترى شيئا بشيء، فقد استبدل منه.

فما ربحت تجارتهم والتجارة لا تربح، وإنما يربح فيها. وهذا على المجاز.

ومثله: فإذا عزم الأمر ; وإنما يعزم عليه. وقد ذكرت هذا وأشباهه في كتاب "المشكل" .

17- و الذي استوقد نارا أي: أوقدها.

19- و (الصيب المطر; "فيعل" من "صاب يصوب": إذا نزل من السماء.

20- يخطف أبصارهم يذهب بها. وأصل الاختطاف: [الاستلاب] ; يقال: اختطف الذئب الشاة من الغنم. ومنه يقال لما يخرج به الدلو: خطاف; لأنه يختطف ما علق به. قال النابغة:


خطاطيف حجن في حبال متينة ...     تمد بها أيد إليك نوازع

[ ص: 43 ] والحجن: المتعقفة.

وهذا مثل ضربه الله للمنافقين; وقد ذكرته في كتاب "المشكل" وبينته .

22- أندادا أي: شركاء أمثالا. يقال: هذا ند هذا ونديده .

وأنتم تعلمون أي: تعقلون.

23- وادعوا شهداءكم أي: ادعوهم ليعاونوكم على سورة مثله. ومعنى الدعاء هاهنا الاستغاثة. ومنه دعاء الجاهلية ودعوى الجاهلية; وهو قولهم: يا آل فلان; إنما هو استغاثتهم.

وشهداؤهم من دون الله: آلهتهم; سموا بذلك لأنهم يشهدونهم ويحضرونهم.

24- فاتقوا النار التي وقودها الناس أي حطبها. والوقود: الحطب; بفتح الواو. والوقود بضمها: توقدها.

والحجارة قال المفسرون: حجارة الكبريت.

25- جنات بساتين.

تجري من تحتها الأنهار ذهب إلى شجرها لا إلى أرضها. لأن الأنهار تجري تحت الشجر.

كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل أي: كأنه ذلك لشبهه به. [ ص: 44 ] وأتوا به متشابها أي يشبه بعضه بعضا في المناظر دون الطعوم.

ولهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والغائط والبول وأقذار بني آدم.

* * *

26- إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها لما ضرب الله المثل بالعنكبوت في سورة العنكبوت، وبالذباب في سورة الحج - قالت اليهود: ما هذه الأمثال التي لا تليق بالله عز وجل؟! فأنزل الله (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها من الذباب والعنكبوت .

وكان أبو عبيدة [رحمه الله] يذهب إلى أن "فوق" هاهنا بمعنى "دون" على ما بينا في كتاب "المشكل" .

فقالت اليهود: ما أراد الله بمثل ينكره الناس فيضل به فريق ويهتدي به فريق؟ قال الله: وما يضل به إلا الفاسقين

27- الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه يريد أن الله سبحانه أمرهم بأمور فقبلوها عنه، وذلك أخذ الميثاق عليهم والعهد إليهم. ونقضهم ذلك: نبذهم إياه بعد القبول وتركهم العمل به.

28 - كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا يعني نطفا في الأرحام. وكل شيء فارق الجسد من شعر أو ظفر أو نطفة فهو ميتة.

فأحياكم في الأرحام وفي الدنيا.

ثم يميتكم ثم يحييكم في البعث. ومثله قوله حكاية عنهم: ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين [ ص: 45 ] فالميتة الأولى: إخراج النطفة وهي حية من الرجل، فإذا صارت في الرحم فهي ميتة; فتلك الإماتة الأولى. ثم يحييها في الرحم وفي الدنيا، ثم يميتها ثم يحييها يوم القيامة.

29- ثم استوى إلى السماء عمد لها. وكل من كان يعمل عملا فتركه بفراغ أو غير فراغ وعمد لغيره، فقد استوى له واستوى إليه .

وقوله: فسواهن ذهب إلى السماوات السبع.

30 - وقوله: وإذ قال ربك للملائكة أراد: وقال ربك للملائكة، و"إذ" تزاد والمعنى إلقاؤها على ما بينت في كتاب "المشكل".

إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها يرى أهل النظر من أصحاب اللغة: أن الله جل وعز قال: إني جاعل في الأرض خليفة يفعل ولده كذا ويفعلون كذا. فقالت الملائكة: أتجعل فيها من يفعل هذه الأفاعيل؟ ولولا ذلك ما علمت الملائكة في وقت الخطاب أن خليفة الله يفعل ذلك. فاختصر الله الكلام على ما بينت في كتاب "المشكل".

31- وعلم آدم الأسماء كلها يريد أسماء ما خلق في الأرض . [ ص: 46 ] ثم عرضهم على الملائكة أي عرض أعيان الخلق عليهم فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء

35- وكلا منها رغدا أي رزقا واسعا كثيرا . يقال: أرغد فلان إذا صار في خصب وسعة.

36- فأزلهما من الزلل بمعنى استزلهما تقول: زل فلان وأزللته. ومن قرأ: "فأزالهما" أراد نحاهما ، من قولك: أزلتك عن موضع كذا أو أزلتك عن رأيك إلى غيره.

وقلنا اهبطوا قال ابن عباس - في رواية أبي صالح عنه -: كما يقال: هبط فلان أرض كذا .

بعضكم لبعض عدو يعني الإنسان وإبليس ويقال: والحية .

ولكم في الأرض مستقر موضع استقرار.

ومتاع أي متعة.

إلى حين يريد إلى أجل.

37- فتلقى آدم من ربه كلمات أي قبلها وأخذها، كأن الله أوحى إليه أن يستغفره ويستقبله بكلام من عنده ففعل ذلك آدم فتاب عليه [ ص: 47 ] وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله كان يتلقى الوحي من جبريل; أي يتقبله ويأخذه.

40- وأوفوا بعهدي أي: أوفوا لي بما قبلتموه من أمري ونهيي.

أوف بعهدكم أي: أوف لكم بما وعدتكم على ذلك من الجزاء.

* * *

44- أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم أي: وتتركون أنفسكم، كما قال: نسوا الله فنسيهم أي: تركوا الله فتركهم.

45- واستعينوا بالصبر أي: بالصوم. في قول مجاهد رحمه الله. ويقال لشهر رمضان: شهر الصبر ، وللصائم صابر. وإنما سمي الصائم صابرا لأنه حبس نفسه عن الأكل والشرب. وكل من حبس شيئا فقد صبره. ومنه المصبورة التي نهي عنها، وهي: البهيمة تجعل غرضا وترمى حتى تقتل.

وإنما قيل للصابر على المصيبة صابر لأنه حبس نفسه عن الجزع.

* * *

46- الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم أي: يعلمون. والظن بمعنيين: شك ويقين على ما بينا في كتاب "المشكل" . [ ص: 48 ]

47- وأني فضلتكم على العالمين أي: على عالمي زمانهم. وهو من العام الذي أريد به الخاص.

* * *

48- واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا أي: لا تقضي عنها ولا تغني. يقال: جزى عني فلان بلا همز، أي ناب عني. وأجزأني كذا - بالألف في أوله والهمز - أي: كفاني.

ولا يؤخذ منها عدل أي فدية قال: وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أي: إن تفتد بكل شيء لا يؤخذ منها.

وإنما قيل للفداء: عدل لأنه مثل للشيء، يقال: هذا عدل هذا وعديله. فأما العدل - بكسر العين - فهو ما على الظهر.

* * *

49- يسومونكم سوء العذاب قال أبو عبيدة: يولونكم أشد العذاب . يقال: فلان يسومك خسفا; أي: يوليك إذلالا واستخفافا.

وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم أي: في إنجاء الله إياكم من آل فرعون نعمة عظيمة.

والبلاء يتصرف على وجوه قد بينتها في كتاب "المشكل" .

50- و آل فرعون أهل بيته وأتباعه وأشياعه. وآل محمد أهل بيته وأتباعه وأشياعه. قال الله عز وجل: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث