الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وأكل ذي ريح كريه ) كبصل أو ثوم أو كراث أو فجل نيء ، ومثله المطبوخ الباقي له ريح قنا ولو قل فيما يظهر ، وإن كان خلاف الغالب ، وقول الرافعي : يحتمل الريح الباقي بعد الطبخ محمول على ريح يسير لا يحصل منه أذى ، وذلك لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم { من أكل بصلا أو ثوما أو كراثا فلا يقربن مسجدنا } وفي رواية { المساجد ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم } كما رواه البخاري .

قال جابر : يعني ما أراه إلا نيئه ، وزاد الطبري : أو فجلا .

ومثل ذلك من بثيابه أو بدنه ريح كريهة كدم فصد وقصاب وأرباب الحرف الخبيثة وذي البخر والصنان المستحكم والجراحات المنتنة والمجذوم والأبرص ومن داوى جرحه بنحو ثوم ; لأن التأذي بذلك أكثر منه بأكل نحو الثوم ، ومن ثم نقل القاضي عياض عن العلماء منع الأجذم والأبرص من المسجد ، ومن صلاة الجمعة ، ومن اختلاطهما بالناس .

ومحل [ ص: 161 ] كون أكل ما مر عذرا عند عسر زوال ريحه بغسل أو معالجة ، بخلاف ما إذا سهل من غير مشقة فلا يكون عذرا . ولا يكره للمعذور دخول المسجد ولو مع الريح صرح به ابن حبان ، بخلاف غيره فإنه يكره في حقه كما في آخر شروط الصلاة من الروضة خلافا لمن صرح بحرمته ، هذا والأوجه كما يقتضيه إطلاقهم عدم الفرق بين المعذور وغيره ; لوجود المعنى ، وهو التأذي ، ولا فرق في ثبوت الكراهة بين كون المسجد خاليا أو لا ، وهل يكره أكله خارج المسجد أو لا ؟ أفتى الوالد رحمه الله تعالى بكراهته نيئا كما جزم به في الأنوار بل جعله أصلا مقيسا عليه حيث قال : وكره له يعني النبي صلى الله عليه وسلم أكل الثوم والبصل والكراث ، وإن كان مطبوخا كما كره لنا نيئا . انتهى . وظاهره أنه منقول المذهب إذ عادته غالبا في غير ذلك عزوه إلى قائله ، وإن اعتمد ، وعلم مما تقرر أن شرط إسقاط الجمعة والجماعة أن لا يقصد بأكله الإسقاط ، وإن تعسر إزالته .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : ريح كريه ) قال حج لمن يظهر منه ريحه ( قوله : أو فجل ) أي لمن يتجشى منه لا مطلقا صرح بذلك النووي تبعا للقاضي ا هـ سم على عباب ، قال الشيخ حمدان بعد مثل ما ذكر : وهو ظاهر إذ لا كراهة لريحه إلا حينئذ . ا هـ ( قوله : فلا يقربن مسجدنا ) ظاهره ولو كان محتاجا لأكله للجوع أو غيره . وفي صحيح البخاري ما نصه : باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم { ومن أكل البصل والثوم من الجوع أو غيره فلا يقربن مسجدنا } عن عبيد الله قال : حدثني نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة خيبر { من أكل من هذه الشجرة : يعني الثوم ، فلا يقربن مسجدنا } إلى أن قال : زعم عطاء أن جابر بن عبد الله زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا } ، أو قال : { فليعتزل مسجدنا ، أو ليقعد في بيته } انتهى عميرة .

قال الإسنوي : مقتضى الحديث التحريم ، وبه قال ابن المنذر انتهى . قال الدميري : وحجة الجمهور حديث { كله فإنى أناجي من لا تناجي } . ا هـ سم على منهج . ( قوله : { فإن الملائكة تتأذى } إلخ ) قد يقتضي أن المراد بهم غير الكاتبين ; لأنهم لا يفارقونه . بقي أن الملائكة موجودون في غير المسجد أيضا فما وجه التقييد بالمسجد .

وقد يجاب بأن المنع من غير المسجد تضييق لا يحتمل وما من محل إلا وتوجد الملائكة فيه ، وأيضا يمكن الملائكة البعد عنه في غير المسجد ، بخلاف المسجد فإنهم يحبون ملازمته فليتأمل .

نعم موضع الجماعة خارج المسجد ينبغي أن حكمه حكم المسجد فليتأمل . ا هـ سم على حج . أقول : أو لشرف ملائكة المسجد على غيرهم كما قيل به في حكمة البصق على اليسار أن ذلك تعظيم ملك اليمين لكتابته الحسنات ( قوله : ريح كريهة إلخ ) ومن الريح الكريهة ريح الدخان المشهور الآن جعل الله عاقبته كأنه ما كان .

( قوله : والصنان ) بكسر الصاد . وعبارة القاموس : الصن بالكسر بول الإبل وأول أيام العجوز وشبه السلة المطبقة يجعل فيها الخبز ، وبها ذفر الإبط كالصنان انتهى .

وهي تقتضي أن الصنان يجوز فيه الكسر وهو الأصل ، والضم على ما هو مضبوط بالقلم به في القاموس والمصباح والصحاح ونهاية ابن الأثير ( قوله : منع الأجذم ) يؤخذ منه جواز التعبير بالأجذم عن صاحب المرض المخصوص ، وبه صرح في القاموس ، لكن في الصحاح أنه يقال لمن به المرض [ ص: 161 ] مجذوم ، ولا يقال أجذم ، فإن الأجذم إنما يقال لمن قطعت يده ( قوله : فلا يكون عذرا ) أي فيندب الحضور : أي إن قلنا إن حضور الجماعة سنة أو يجب : أي إن قلنا إن حضورها فرض وتسن إزالته ( قوله : بكراهته ) وينبغي أن محل الكراهة ما لم يحتج لأكله كفقد ما يأتدم به أو توقان نفسه إليه ، ويحمل عليه قوله : صلى الله عليه وسلم { كله فإنى أناجي من لا تناجي } .

( قوله : وإن كان مطبوخا ) معتمد ( قوله : إذ عادته ) أي صاحب الأنوار ( قوله : أن لا يقصد بأكله الإسقاط ) في شرح العباب ، ومر آنفا أن من أكله بقصد الإسقاط كره له وحرم عليه في يوم الجمعة ، ولم تسقط . انتهى . وينبغي حرمته هنا أيضا إذا توقفت الجماعة المجزئة عليه . انتهى .

وقضية تعبيره بالقصد أنه لو لم يقصد الإسقاط لم يأثم وتسقط عنه وإن تعمد أكله وعلم أن الناس يتضررون به . وقوله ولم تسقط يقتضي وجوب الحضور وإن تأذى به الحاضرون . بقي أن مثل أكل ما ذكر بقصد الإسقاط وضع قدره في الفرن بقصد ذلك ، لكن لا يجب الحضور مع تأديته لتلفه . ا هـ سم على حج .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث