الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ولو نام في تشهده الأول متمكنا ثم انتبه فوجد إمامه راكعا قام وقرأ وجرى على نظم صلاة نفسه ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان طويلة كالناسي كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى ولا يقال : إنه يركع مع الإمام ويتحمل عنه الفاتحة لأنه ليس بمسبوق ولا في حكمه ، والفرق بينه وبين المزحوم حيث يركع مع إمامه إذا رفع رأسه من السجدة فوجده راكعا إلزامه بما فات به محل القراءة بخلاف هذا .

وقد أفتى جمع فيمن سمع تكبير الرفع من سجدة الركعة الثانية فجلس للتشهد ظانا أن الإمام يتشهد [ ص: 225 ] فإذا هو في الثالثة فكبر للركوع فظنه لقيامها فقام فوجده راكعا بأنه يركع معه ويتحمل عنه الفاتحة لعذره : أي مع عدم إدراكه شيئا من القيام .

ويعارضه إفتاء آخرين بأنه كالناسي للقراءة ، ولهذا لو نسي كونه مقتديا وهو في سجوده مثلا ثم ذكر فلم يقم عن سجدتيه إلا والإمام راكع ركع معه كالمسبوق ، ففرقهم بين هاتين الصورتين يصرح بالفرق بين من يدرك قيام الإمام ومن لا يدركه ، هذا والأوجه الثاني وهو كونه كالناسي فلا يسقط عنه القراءة .

وأما قولهم في التعليل : ولهذا لو نسي كونه مقتديا إلخ فلعله مفرع على ما اختاره الزركشي من سقوط الفاتحة عن الناسي ، وتقدم أن الأرجح خلافه ( وركع قبل إتمام المأموم الفاتحة ) ولو اشتغل بإتمامها لاعتدال الإمام وسجد قبله ( فقيل يتبعه ) لتعذر الموافقة ( وتسقط البقية ) لعذره كالمسبوق ( والصحيح ) أنه لا يتبعه بل ( يتمها ) حتما ( ويسعى خلفه ) على ترتيب صلاة نفسه ( ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان مقصودة ) في نفسها ( وهي الطويلة ) فلا يحسب الاعتدال ولا الجلوس بين السجدتين لأنهما قصيران ، وما أفهمه كلامه من أن القصير غير مقصود محمول على أن ذلك باعتبار ذاته إذ هو تابع لغيره وإن كان مقصودا باعتبار أنه لا يقوم غيره عنه مقامه .

والمراد بأكثر من ثلاثة أركان أن يكون السبق بثلاثة والإمام في الرابع كأن تخلف بالركوع والسجدتين والإمام [ ص: 226 ] في القيام ، فهذه ثلاثة أركان طويلة .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : إذا رفع رأسه ) أي المأموم ، وقوله فوجده راكعا : أي الإمام .

( قوله : وقد أفتى جمع فيمن سمع تكبيرة الرفع ) بقي ما لو كان مع الإمام جماعة فكبر شخص للإحرام فظن أحد المأمومين أن الإمام ركع فركع قبل تمام قراءة الفاتحة فتبين أن الإمام لم يركع فيجب عليه العود للقيام ، لكن هل يعد الركوع المذكور قاطعا للموالاة فيستأنف قراءة الفاتحة أو لا وإن طال فيتم عليها ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني لأن ركوعه معذور فيه فأشبه السكوت الطويل سهوا وهو لا يقطع الموالاة ، وبقي أيضا ما لو كان مسبوقا فركع والحالة ما ذكر ، ثم تبين له أن الإمام لم يركع فقام ثم ركع الإمام عقب قيامه فهل يركع معه [ ص: 225 ] نظرا لكونه مسبوقا أولا ، بل يتخلف ويقرأ من الفاتحة بقدر ما فوته في ركوعه لتقصيره ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني أيضا للعلة المذكورة ، ولأن العبرة في العذر بما في الواقع لا بما في ظنه كما يأتي .

( قوله : فكبر ) أي الإمام . ( قوله : فظنه ) أي المأموم . ( قوله : ركع معه ) ضعيف ( قوله ففرقهم بين هاتين الصورتين ) هما قوله وقد أفتى جمع إلخ ، وقوله ويعارضه إلخ هذا ، وأصل هذه العبارة في كلام ابن حجر توجيها لما جرى عليه من أنه لو نام في التشهد الأول ثم قام فوجد الإمام راكعا أنه يركع معه وهو واضح . أما على ما جرى عليه الشارح من أنه يتخلف ويقرأ فلم يظهر عليه وجه لقوله ففرقهم بين هاتين الصورتين إلخ .

( قوله : وهو كونه كالناسي ) أي من جلس ظانا جلوس الإمام للتشهد ( قوله : وتقدم أن الأرجح خلافه ) أي فيتخلف للقراءة ويغتفر له ثلاثة أركان طويلة .

( قوله : والإمام في الرابع ) قضيته أنه لو فرغ من القراءة والإمام في التشهد الأول لم يوافقه بل يسعى على نظم صلاة نفسه ، [ ص: 226 ] لكن عبارة ابن حجر بعد ما ذكر : أو ما هو على صورته انتهى . وهي مخرجة لذلك ، وقد يؤخذ ما قاله ابن حجر من قول الشارح الآتي أو قام أو قعد



حاشية المغربي

( قوله : ولا يقال إنه يركع مع الإمام ) أي الذي قال به الشهاب حج ( قوله : وقد أفتى جمع إلى قوله هذا والأوجه ) تبع في هذا السياق الشهاب حج إلى قوله هذا والأوجه ، لكن ذاك إنما أورده على هذا الوجه ; لأنه يختار في مسألة من نام في تشهده أنه كالمزحوم فجعل هذا استظهارا على اختياره لذلك ، والشارح تبعه في إيراده على وجهه من غير تصرف بعد اختياره في المسألة المذكورة ما مر مما يخالف الشهاب المذكور ، فلم يكن له موقع كما يظهر بالتأمل وإن عقبه بقوله هذا والأوجه إلخ ، وكان المناسب أن يستظهر على اختياره بإفتاء الآخرين الآتي [ ص: 225 ] ويجعله ردا لإفتاء الجمع المذكورين عكس ما صنع الشهاب المذكور ( قوله : ولهذا لو نسي كونه مقتديا إلخ ) صريح هذا السياق أنه تأييد لإفتاء الآخرين بأنه كالناسي ، وليس كذلك إذ لا وجه له ، وعبارة الشهاب حج : وبه : أي بإفتاء الجمع المتقدم يرد إفتاء آخرين بأنه كالناسي للقراءة ومن ثم لو نسي الاقتداء إلخ ، فقوله : ومن ثم الذي عبر عنه الشارح بقوله ولهذا تأييد للرد على الآخرين ، وسيأتي في كلام الشارح الإشارة لما نبهنا عليه في قوله وأما قولهم في التعليل إلخ وإن كانت عبارته هنا قلقة كما عرفت ( قوله : ففرقهم بين هاتين الصورتين ) أي صورتي نسيان القراءة ونسيان كونه مقتديا كما هو ظاهر ; لأنهما محل وفاق ، فالضمير في ففرقهم للأصحاب .

وأما قول الشهاب سم في حواشي التحفة كان مراده صورة من سمع تكبير الرفع وصورة الناسي للقراءة فعجيب ; لأنه إن كان الضمير في ففرقهم للأصحاب فلا يصح ; لأن مسألة من سمع تكبير الرفع ليست محل وفاق حتى تسند للأصحاب وينسب إليهم أنهم فرقوا بينها وبين مسألة الناسي للقراءة وإن كان الضمير فيه راجعا للجمع المفتين بما مر ، فلا يصح أيضا ; لأنهم لم يتعرضوا في إفتائهم لفرق كما ترى بل ولا لمسألة النسيان ، وإنما أيد بها الشهاب ابن حجر إفتاءهم ، وأعجب منه ما في حاشية الشيخ من أن مراده بالصورتين قوله : وقد أفتى جمع إلخ ، وقوله : ويعارضه إلخ إذ ليس هاتان صورتين وإنما هي صورة واحدة اختلف فيها إفتاءان وبتسليمه فما يكون مرجع الضمير في ففرقهم ومن الفارق بينهما على أنه لا معنى له عند التأمل ( قوله : وأما قولهم في التعليل ) فيه أمران : الأول أن القائل لهذا هو [ ص: 226 ] الشهاب حج تأييدا لإفتاء الجمع المذكورين كما عرفت فلا معنى لضمير الجمع . الثاني قوله : في التعليل فيه مساهلة إذ لم يذكر على وجه التعليل بل على وجه التأييد كما هو ظاهر وفرق ما بينهما .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث