الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في زوال القدوة وإيجادها وإدراك المسبوق الركعة وما يتبع ذلك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل في زوال القدوة وإيجادها وإدراك المسبوق الركعة وأول صلاته وما يتبع ذلك

إذا ( خرج الإمام من صلاته ) بحدث أو غيره ( انقطعت القدوة ) به لزوال الرابطة فيسجد لسهو نفسه ويقتدي بغيره وغيره به والأوجه أنه لو تأخر الإمام عن بعض المأمومين تأخرا غير مغتفر مع القدوة كان قاطعا لها لقصة [ ص: 234 ] أبي بكر رضي الله عنه ، لكن بالنسبة لمن تأخر عنه لا لمن لم يتأخر عنه ( فإن ) ( لم يخرج ) أي الإمام ( وقطعها المأموم ) بنية المفارقة ( جاز ) مع الكراهة حيث لا عذر له لما فيه من مفارقة الجماعة المطلوبة وجوبا أو ندبا مؤكدا ، بخلاف مفارقته بعذر فلا تكره ، وصلاته صحيحة في الحالين ; لأنها إما سنة على قول والسنن لا تلزم بالشروع فيها إلا في الحج والعمرة أو فرض كفاية على الراجح ، فكذلك إلا في الجهاد وصلاة الجنازة والحج والعمرة ، ولأن الفرقة الأولى فارقته صلى الله عليه وسلم في ذات الرقاع كما سيأتي ولخبر معاذ { أنه صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم ، فانصرف رجل فصلى ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالقصة ، فغضب وأنكر على معاذ ولم ينكر على الرجل ولم يأمره بالإعادة } . قال المصنف : كذا استدلوا به وهو استدلال ضعيف ، إذ ليس في الخبر أنه فارقه وبنى بل في رواية أنه سلم ثم استأنفها ، فهو إنما يدل على جواز الإبطال لعذر . وأجيب بأن البيهقي قال : إن هذه رواية شاذة انفرد بها محمد بن عباد عن سفيان ولم يذكرها أكثر أصحاب سفيان ، وبتقدير عدم الشذوذ أجيب بأن الخبر يدل على المدعى أيضا ; لأنه إذا دل على جواز إبطال أصل العبادة فعلى إبطال صفتها أولى .

واختلف في أي الصلاة كانت هذه القضية ، ففي رواية النسائي وأبي داود أنها في المغرب ، وفي رواية الصحيحين وغيرهما " أن [ ص: 235 ] معاذا افتتح بسورة البقرة " وفي رواية لأحمد أنها في العشاء فقرأ { اقتربت الساعة } قال في المجموع فيجمع بين الروايات بحمل ذلك على أنهما قضيتان ، ولكن ذلك كان في ليلة واحدة ، فإن معاذا لا يفعله بعد النهي ويبعد أنه نسيه ، وجمع بعضهم بين روايتي البقرة واقتربت بأنه قرأ بهذه في ركعة وبهذه في أخرى .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

فصل في زوال القدوة

( قوله : وما يتبع ذلك ) أي كقيام المسبوق بعد سلام إمامه مكبرا أو غير مكبر .

( قوله : بحدث ) ومنه الموت .

( قوله : انقطعت القدوة ) أي ومع ذلك تجب نية المفارقة إزالة للقدوة الصورية ، وعبارة شيخنا الزيادي قوله إلا لعذر ومن العذر ما يوجب المفارقة : أي بالنية لوجود المتابعة الصورية كمن وقع على ثوب إمامه نجس لا يعفى عنه أو انقضت مدة الخف والمقتدى يعلم ذلك ا هـ .

ويؤخذ من قوله لوجود المتابعة الصورية أن محل وجوب النية حيث بقي الإمام على صورة المصلين أما لو ترك الصلاة وانصرف أو جلس مثلا على غير هيئة المصلين لم يحتج لنية المفارقة وهو ظاهر ، وبه صرح حج حيث قال : وقد تجب المفارقة إن عرض مبطل لصلاة إمامه وقد علمه فيلزمه نيتها فورا وإلا بطلت وإن لم يتابعه اتفاقا كما في المجموع ، ويوجه بأن المتابعة الصورية موجودة فلا بد من قطعها وهو متوقف على نيته ، وحينئذ فلو استدبر الإمام أو تأخر عن المأموم اتجه عدم وجوبها لزوال الصورة ا هـ .

ويستفاد ذلك من قول الشارح الآتي : وقد تجب المفارقة كأن رأى إمامه متلبسا بما يبطل الصلاة . وكتب الشيخ عميرة على قول المتن انقطعت القدوة : أي ولا يقال إن المأموم باق فيها حكما فله أن يقتدي بغيره ويقتدي غيره به ويسجد لسهوه أيضا كذا في الإسنوي ، وهل يسجد لسهوه الحاصل قبل خروج الإمام ؟ الظاهر خلافه ا هـ : أي لأن الإمام تحمله عنه . وأما لو سها الإمام قبل اقتداء المأموم به فلا يسقط السجود عن المأموم إذا بطلت صلاة الإمام لما لحق المأموم من الخلل بمجرد اقتدائه بالإمام ( قوله : تأخرا غير مغتفر ) أي بأن تأخر عقب الإمام عن عقب [ ص: 234 ] المأموم مثلا .

( قوله : إلا في الحج والعمرة ) أي حج الصبي والرقيق فإنهما منهما سنة لا فرض كفاية ومع ذلك يحرم قطعهما ، بمعنى أن الولي يحرم عليه تمكين الصبي من القطع . أما الرقيق فالحرمة متعلقة به نفسه لتكليفه ، وظاهر اقتصاره على استثناء هذين أن الصبي إذا صلى على جنازة أو حضر الصف كان له قطعهما وهو ظاهر لعدم تكليفه . ولو قيل يجب على ولي الصبي منعه من إبطال صلاة الجنازة لسقوط الفرض به كالبالغ ولما فيه من الإزراء بالميت لم يكن بعيدا .

( قوله : إلا في الجهاد وصلاة الجنازة ) أي وإن تأدى الفرض بغيره كأن صلى عليه من يسقط الفرض به ثم صلى عليه غيره فيحرم عليه قطعها لأنها تقع فرضا وإن تعدد الفاعلون وترتبوا . وأما لو أعادها شخص بعد صلاته عليه أولا فيقع له نفلا ، وعليه فهل يحرم عليه قطعها قياسا على المكتوبة المعادة أم لا ؟ فيه نظر . والظاهر الجواز ويفرق بأن المكتوبة المعادة قيل إنها الفرض ، وقيل الفرض واحدة يحتسب الله ما شاء منهما ، وقيل الفرض أكمل الصلاتين بخلاف هذه ، فإنه لا خلاف في كونها نفلا ، على أن إعادة الجنازة غير مطلوبة فكان القياس عدم انعقادها ، إلا أنه جوز ذلك لأن المقصود منها الدعاء ، ثم ظاهر كلامهم أنه لا فرق في حرمة قطع صلاة الجنازة بين كونها على حاضر أو غائب أو قبر وهو ظاهر لما في القطع من الإزراء بالميت في الجملة .

[ فائدة استطرادية ] قال سم على شرح البهجة في الجنائز : قوله ولا على قبر النبي أحمد إلخ ، لا يبعد أن محله إذا دفن بعد الصلاة عليه وإلا فيجوز بل يجب على القبر م ر ا هـ . وظاهره وإن لم يكن المصلي من أهل الفرض إذ ذاك ويوجه بأنه مخاطب بفعلها الآن تنزيلا لهذه الحالة منزلة ما لو كان باقيا لم يدفن .

( قوله : ولخبر معاذ ) عطف على قوله لأنها إما سنة إلخ ، وقوله إنه صلى بأصحابه العشاء هذه لرواية أحمد الآتية .

( قوله : فانصرف ) أي فارق وأتم لنفسه لقوله بعد : ولم يأمره بالإعادة .

( قوله : بل في رواية أنه سلم ) هذه الرواية لا توافق ما هو المقرر عندنا من أن السلام قبل فراغ الصلاة ممتنع ، فلعله لم يأت به على قصد الخروج من الصلاة ، بل بعد أن نوى الخروج سلم على القوم لانصرافه عنهم .

( قوله : واختلف في أي الصلاة كانت ) أي الاستفهامية إذا [ ص: 235 ] دخلت على معرف باللام أو غيرها ، كالعلمية كانت استفهاما عن الأجزاء ، وإذا دخلت على منكر كانت استفهاما عن الأفراد ، فإذا قيل : أي زيد أو الرجل أحسن كان الجواب وجهه مثلا ، وإذا قيل : أي رجل من هؤلاء أحسن ؟ قيل زيد أو عمرو ، فقوله هنا في أي الصلاة معناه : في أي جزء من أجزاء الصلاة أهو الركوع أو غيره ؟ وإذا قيل في أي صلاة كان معناه في المغرب أو غيرها . اللهم إلا أن يجاب بأن في الكلام مضافا محذوفا : أي أي أفراد الصلاة ، أو أن أل للجنس وهو يساوق النكرة وإن اختلف مفهومهما .

( قوله : وجمع بعضهم بين روايتي البقرة ) أي بناء على أنها قضية واحدة

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث