الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شروط القصر وتوابعها

جزء التالي صفحة
السابق

( و ) ثالثها جواز سفره بالنسبة للقصر وجميع الرخص إلا التيمم فإنه يلزمه ، لكن مع إعادة الصلاة به كما مر فحينئذ ( لا يترخص العاصي بسفره كآبق وناشزة ) وقاطع طريق ومسافر بلا إذن أصلا يجب استئذانه فيه ومسافر عليه دين حال قادر على وفائه من غير إذن غريمه ، إذ مشروعية الترخص في السفر للإعانة والعاصي لا يعان ; لأن الرخص لا تناط بالمعاصي ، ويلحق بمن ذكر أن يتعب نفسه ودابته بالركض من غير غرض أو يسافر لمجرد رؤية البلاد والنظر إليها من غير قصد صحيح [ ص: 264 ] كما نقلاه وأقراه ، وإن قال محلي في الأكل ظاهر كلام الأصحاب الحل وفي الثاني أنه مباح ، ومعنى قولهم الرخص [ ص: 265 ] لا تناط بالمعاصي أن فعل الرخصة متى توقف على وجود شيء ، فإن كان تعاطيه في نفسه حراما امتنع معه فعل الرخصة وإلا فلا .

والظاهر أن الآبق ونحوه ممن لم يبلغ كالبالغ وإن لم يلحقه الإثم وخرج بالعاصي بسفره العاصي فيه وهو من يقصد سفرا مباحا فتعرض له فيه معصية فيرتكبها فله الترخص ; لأن سبب ترخصه مباح قبلها وبعدها ( فلو ) ( أنشأ ) سفرا ( مباحا ثم جعله معصية فلا ترخص ) له ( في الأصح ) من حين جعله كما لو أنشأه بهذه النية .

والثاني يترخص اكتفاء بكون السفر مباحا في ابتدائه ، فإن تاب ترخص جزما كما قاله الرافعي في باب اللقطة أي وإن كان الباقي أقل من مرحلتين نظرا لأوله وآخره ، وما ذكره الشيخ في شرح منهجه مما يوهم خلافه مؤول ( ولو أنشأه عاصيا ) به ( ثم تاب ) توبة صحيحة ( فمنشأ السفر من حين التوبة ) فإن كان بين محلها ومقصده مرحلتان قصر وإلا فلا . وفارق ما مر بتقصيره بإنشائه عاصيا فلا يناسبه التخفيف ، وما لا يشترط للترخص طوله كأكل الميتة يستبيحه من حين التوبة مطلقا ، وخرج بقولنا صحيحة ما لو عصى بسفره يوم الجمعة ثم تاب فإنه لا يترخص من حين التوبة بل حتى تفوت الجمعة ، ومن وقت فواتها يكون ابتداء سفره كما في المجموع ، ولو نوى الكافر أو الصبي سفر قصر ثم أسلم أو بلغ في الطريق قصر في بقيته كما في زوائد الروضة خلافا للبغوي في فتاويه من قصر الصبي دون من أسلم .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : يجب استئذانه فيه ) أي في ذلك السفر بأن أراد السفر للجهاد وأصله مسلم فلا بد من استئذانه .

( قوله : ومسافر عليه دين حال ) أي وإن قل .

( قوله : من غير إذن غريمه ) أي أو ظن رضاه كما ذكره الشارح في الجهاد ( قوله : ; لأن الرخص لا تناط بالمعاصى ) ظاهره وإن بعد عن محل رب الدين وتعذر عليه العود أو التوكيل في الوفاء ، وهو ظاهر إن لم يعزم على توفيته إذا قدر بالتوكيل أو نحوه وندم على خروجه بلا إذن قياسا على ما لو عجز عن رد المظالم وعزم على ردها إذا قدر كما اقتضى كلام الشارح في أول الجنائز فيه قبول توبته .

( قوله : ويلحق بمن ذكر أن يتعب نفسه إلخ ) هذا سفر معصية فما وجه الإلحاق ، انتهى سم على منهج ، إلا أن [ ص: 264 ] يقال : المراد بسفر المعصية أن يكون الحامل على السفر نفس المعصية كقطع الطريق ، وما هنا الحامل عليه غرض صحيح كالتجارة ، لكنه أتعب نفسه بالركض في سيره لذلك الغرض فكان فعله هذا كفعل العاصي في السفر ، لكنه لما كان عاصيا بنفس الركض الذي يحصل به قطع المسافة ألحق بالعاصي بالسفر .

( قوله : وإن قال مجلي في الأول ) [ ص: 265 ] هو قوله أن يتعب نفسه وقوله وفي الثاني هو قوله رؤية البلاد .

( قوله : كالبالغ وإن لم يلحقه الإثم ) أي فإذا سافر الصبي بلا إذن من وليه لم يقصر قبل بلوغه وبه صرح سم ، وكذا الناشزة الصغيرة ; وينظر فيما بقي من المدة بعد البلوغ ، فإن بلغ مرحلتين قصر وإلا فلا ; لأنهم وإن لم يكونوا عصاة حال السفر لهم حكم العصاة . وقال حج في شرح العباب ما حاصله أن الصبي يقصر قبل البلوغ وبعده وإن سافر بلا إذن من وليه ; لأنه ليس بعاص ، وامتناع القصر في حقه يتوقف على نقل بخصوصه فإن من فعل ما هو بصورة المعصية وليس بمعصية له حكم العاصي وأنى بذلك .

( قوله : قبلها وبعدها ) أي ، وكذا فيها كأن سار لمقاصده وهو يشرب الخمر فالسير مباح مع إثمه بالشرب .

( قوله : فلو أنشأ سفرا مباحا ) أي شرع فيه ( قوله وما ذكره الشيخ في شرح منهجه إلخ ) وعبارته : فإن تاب فأوله محل توبته انتهى .

وتأويلها كأن يقال قوله محل توبته : أي حيث ابتدأ سفره معصية ، فإن ابتدأه مباحا ثم جعله معصية ثم تاب ترخص وإن كان الباقي دون مرحلتين .

( قوله : فمنشأ السفر ) هو بفتح الميم والشين : أي فموضع إنشاء السفر يعتبر من حين إلخ . هذا وعبارة المحلي فمنشئ السفر بضم الميم وكسر الشين انتهى . وهي تفيد أنه اسم لذات المسافر لا لمكان السفر ومآلها واحد .

( قوله : وفارق ما مر ) أي من أنه إذا أنشأه مباحا ثم جعله معصية ثم تاب يترخص وإن كان الباقي دون مرحلتين .

( قوله : من حين التوبة مطلقا ) بقي مرحلتان أم لا ؟ ( قوله : حتى تفوت الجمعة ) أي بسلام الإمام منها باعتبار غلبة ظنه ، وقضيته أنه قبل ذلك لا يترخص وإن بعد عن محل الجمعة وتعذر عليه إدراكها .

( قوله : أو الصبي ) أي ولم يكن سفره بصورة المعصية بأن كان آبقا أو ناشزة أو بغير إذن وليه على ما مر في قوله : والظاهر أن الآبق ونحوه ممن لم يبلغ كالبالغ وإن لم يلحقه الإثم .

( قوله : قصر في بقيته ) قضيته أنه ليس له القصر قبل البلوغ وليس مرادا ; لأن الفرض أنه مسافر بإذن وليه فلا معصية ، فلعله إنما قيد بما ذكر للرد على البغوي ( قوله : قصر في بقيته ) أي وإن كان دون مرحلتين



حاشية المغربي

( قوله : ويلحق بمن ذكر أن يتعب نفسه ودابته بالركض إلخ ) أي بأن لم يكن له في سفره غرض صحيح ، فإن سفره حينئذ ليس فيه إلا إتعاب نفسه ودابته ، وليس المراد خلافا لمن ادعاه أن الباعث له غرض صحيح لكنه أتعب نفسه ودابته ، فالحرمة إنما جاءت من إتعاب النفس والدابة بأن أسرع في المشي وركض الدابة فوق المحتاج إليه لا لغرض صحيح في ذلك وإن كان هذا ظاهر تعبير الشارح بيلحق وبالركض ، ويدل على ما ذكرته أن الثاني ينافيه قوله : فيما مر قريبا وما اعترض به فيما إذا سلك الأطول لغرض القصر فقط بأن إتعاب النفس من غير غرض حرام يمكن رده إلخ ، فقوله : في الرد لبقاء أصل السفر على إباحته صريح في أن السفر إذا كان الباعث عليه غرضا صحيحا لا يضر في إباحته إتعاب النفس والدابة ، فتعين أن صورة المسألة هنا ما ذكرته .

نعم قوله : ثم بتقدير تسليمها يؤذن بأنه غير مسلم حرمة إتعاب النفس والدابة لغير غرض ، [ ص: 264 ] وهو مناقض لما اقتضاه قوله : الآتي وإن قال مجلي إلخ ، الصريح في أنه قائل بالحرمة فيما ذكر .

ويمكن أن يقال : لا تناقض إذا ما مر ثم أصل السفر فيه لباعث صحيح وما ذكر وقع بعد عقد السفر المباح فلم يكن حراما لوقوعه تابعا لغرض صحيح ، ومما يوضح ما ذكرته أولا من أن صورة المسألة هنا أنه لا باعث له على السفر سوق عبارة مجلي المخالف في حكم المسألة كما يأتي في كلام الشارح ، ونصها حسب ما نقله الأذرعي : فأما إذا لم يكن له غرض في سفره قال الصيدلاني : يكون عاصيا ، وكذا كل من أتعب نفسه لغير غرض كركض دابته ونحو ذلك ، وظاهر كلام الأصحاب يدل على أنه مباح ، وكذلك السفر لرؤية البلاد والتنزه فيها ظاهر المذهب أنه مباح .

وقال أبو محمد : من الأغراض الفاسدة السفر ليرى البلاد ولا أرب له سواه . ا هـ كلام مجلي . فقوله : وكذا كل من أتعب نفسه إلخ معطوف على ما إذا لم يكن له غرض في سفره من عطف العام على الخاص ، فكأنه قال : إذا لم يكن له غرض في سفره ، يكون عاصيا ; لأنه متعب نفسه ودابته لغير غرض ، وكذا حكم كل من أتعبهما لغير غرض ، وإن لم يكن في سفره وتعبيره بهذه الكلية ظاهر فيما قلناه فإنها المعروفة في مثل ذلك ، ويصرح به أن الشارح اقتصر في كلامه على معنى هذه الكلية ولم يذكر ما عطفت عليه اكتفاء بها لعمومها ، ثم صرح بأن مجليا خالف في حكمها مع أن خلاف مجلي مع غيره إنما وقع أصالة في المعطوف عليه وهو ما إذا لم يكن له في سفره غرض صحيح كما عرفت من عبارته ، فهذا التصرف من الشارح تبعا لغيره صريح فيما ذكرته من أن صورة المسألة أن السفر ليس فيه غرض صحيح ، وحينئذ فقول الشارح كمجلي أو يسافر لرؤية البلاد بعد قوله أن يتعب نفسه من عطف الخاص على العام ; لأنه من أفراد ما لا غرض فيه كما هو ظاهر ، بل بحث الأذرعي أنهما مسألة واحدة ، لكن يتعين أن مراده ما ذكرته للقطع بأن الأول أعم من الثاني ، وعبارته أعنى الأذرعي بعد قول الروضة ومما ألحق بسفر المعصية إتعاب نفسه وتعذيبه دابته بالركض لا لغرض ذكره الصيدلاني ; لأنه لا يحل له ذلك ولو كان ينتقل من بلد إلى بلد لغير غرض صحيح لم يترخص .

قال الشيخ أبو محمد : السفر لمجرد رؤية البلاد والنظر إليها ليس من الأغراض الصحيحة . ا هـ .

نصها : أعنى عبارة الأذرعي ، وظاهر كلامه : أي النووي نقل ثلاث صور والموافقة عليها ، وعزا في شرح المهذب الأولة : أي إتعاب النفس والدابة إلى الأصحاب مطلقا ، والظاهر أنها والتي بعدها : أي مسألة الانتقال من بلد إلى بلد والسفر لمجرد رؤية البلاد مسألة واحدة انتهت ، فجعل مؤدى الصور الثلاث واحدا وفيه ما قدمته ، ثم استشهد الأذرعي على ما بحثه بكلام الغزالي وإمامه .

فإن قلت : قد تقرر أن ما ذكر من سفر المعصية عند الشارح بدليل قوله وإن قال مجلي إلخ ومن ثم عبر عنه الشهاب حج بقوله ومن سفر المعصية أن يتعب نفسه إلخ ، فما وجه تعبير الشارح فيه كالروضة بقولهما ويلحق ؟ قلت : وجهه أن صورة السفر فيه ليست معصية ; لأن الباعث عليه ليس إتعاب نفسه ودابته ، وإنما نشأ من انتفاء الغرض في السفر فكان السفر حيث لا غرض فيه صحيحا مقصوده إتعاب النفس والدابة وإن لم يلاحظ المسافر ذلك ، بخلاف السفر لنحو السرقة فإنها الباعثة عليه ، فكان السفر لها سفر معصية في الحقيقة ، والصورة بخلاف مسألتنا ، فإن فرض أن الباعث فيها إتعاب النفس والدابة بأن لاحظ المسافر ذلك عند سفره كان السفر كسفر نحو السرقة من كل وجه وكان أولى بالحكم ، وبما قررته في هذا الجواب يندفع قول الشهاب سم هذا سفر معصية ، فما وجه الإلحاق . ا هـ .

وقد اتضح وجهه بما ذكرته ولله الحمد لا بما ذكره الشيخ في الحاشية مما هو مبني على أن صورة المسألة أن الباعث على السفر في مسألتنا غرض صحيح ولكنه أتعب فيه نفسه ودابته فتأمله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث