الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( الثاني ) من أركانها ( تكبيرة الإحرام ) في قيامه أو بدله لخبر المسيء صلاته { إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها } رواه الشيخان . وفي رواية للبخاري { ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا . ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تستوي قائما ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها } .

وفي صحيح ابن حبان بدل قوله حتى تعتدل قائما : { حتى تطمئن قائما } ، وسميت تكبيرة الإحرام لأنه يحرم بها ما كان حلالا له قبلها من مفسدات الصلاة كأكل وشرب وكلام وغيرها ( ويتعين ) فيها ( على القادر ) بالنطق بها ( الله أكبر ) لأنه المأثور من فعله عليه الصلاة والسلام مع خبر البخاري { صلوا كما رأيتموني أصلي } أي كما علمتموني حتى لا ترد الأقوال ، وصح " تحريمها التكبير " وهي صيغة حصر فلا يجزئ الله كبير لفوات معنى أفعل ولا الرحمن ولا الرحيم أكبر : أي ولا الله أعظم وأجل لأنه لا يسمى تكبيرا ( ولا تضر زيادة لا تمنع الاسم ) أي اسم التكبير ( كالله الأكبر ) لأنها لا تغير المعنى بل تقويه بإفادة الحصر ، لكنه خلاف الأولى خروجا من الخلاف ، ولو أخل بحرف من الله أكبر للتحرم ضر ، ومثله تكبيرات الانتقالات في عدم الاعتداد بها ، وتضر زيادة حرف يغير المعنى كمد همزة الله وألف بعد الباء لأنه يصير جمع كبر بالفتح وهو الطبل الذي له وجه واحد وزيادة واو قبل الجلالة كما في فتاوى القفال وتشديد الباء أو الراء من أكبر كما أفتى به ابن رزين وهو ظاهر في الشق الأول .

أما الثاني فمردود كما قاله ابن العماد وغيره إذ الراء حرف تكرير فزيادته لا تغير المعنى وإبدال همزة أكبر واوا من العالم دون الجاهل وإن كان ظاهر كلام جمع الصحة [ ص: 460 ] مطلقا لأنه لغة وإبدال الكاف همزة وتخلل واو بين الكلمتين ساكنة أو متحركة لأن ذلك لا يسمى حينئذ تكبيرا ولو زاد في المد على الألف التي بين اللام والهاء إلى حد لا يراه أحد من القراء وهو عالم بالحال فيما يظهر ضر ، ووصل همزة الله أكبر بما قبلها كما مر خلاف الأولى وذهب ابن عبد السلام إلى الكراهة ويمكن رده إلى الأول ، وإنما لم تبطل لأنه لم يترك حرفا ثابتا في حال الدرج ولا يضر ضم الراء كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى خلافا لما اعتمده جمع متأخرون تبعا للجيلي الناقل له عن نص الأم فقد رده الجلال البلقيني بأنه لم ير ذلك في الأم وبأن الجيلي لا يعتمد عليه قال وأما ما روي من قوله التكبير جزم فمعناه لا يمد ا هـ أي ويكون معناه الجزم بالمنوي ليخرج به التردد فيه على أن الحافظ ابن حجر نبه على ذلك في تخريج أحاديث الرافعي بأنه لا أصل له وإنما هو قول إبراهيم النخعي ( وكذا ) لا يضر ( الله الجليل أكبر ) أي الله عز وجل أكبر لبقاء النظم والمعنى ( في الأصح ) والثاني تضر الزيادة فيه لاستقلالها بخلاف الأولى ومثل ذلك كل صفة من صفاته تعالى إذا لم يطل الفصل بما عرفا بخلاف ما إذا طال كالله لا إله إلا هو أكبر والتمثيل بما ذكرته هو ما في التحقيق .

فقول الماوردي فيه إنه يسير ضعيف وأولى منه زيادة الشيخ الذي بعد الجلالة ولو تخلل غير النعوت كالله يا أكبر ضر مطلقا كما قاله ابن الرفعة وغيره ، ومثله الله يا رحمن أكبر ونحوه فيما يظهر لإيهامه الإعراض عن التكبير إلى الدعاء ( لا أكبر الله ) فإنه يضر ( على الصحيح ) أو الأكبر الله فلا تنعقد به لأنه لا يسمى تكبيرا ، بخلاف عليكم السلام في التحليل فإنه يسمى سلاما كما سيأتي ، والثاني لا يضر لأن تقديم الخبر جائز والحكمة في افتتاح الصلاة بالتكبير كما ذكره القاضي عياض استحضار المصلي عظمة من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه ليمتلئ هيبة فيحضر قلبه ويخشع ولا يعبث ، فإن قيل : لم اختص انعقادها بلفظ التكبير دون لفظ التعظيم ؟ قلنا : إنما اختص به لأن لفظه يدل على القدم والتعظيم على وجه المبالغة والأعظم لا يدل على القدم ، وكلها تقتضي التفخيم إلا أنها تتفاوت ولهذا قال صلى الله عليه وسلم { سبحان الله نصف الميزان ، [ ص: 461 ] والحمد لله تملأ الميزان ، والله أكبر ملء ما بين السموات والأرض } وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عز وجل { الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني في شيء منهما قصمته ولا أبالي } استعار للكبرياء الرداء وللعظمة الإزار والرداء أشرف من الإزار ،

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : لخبر المسيء صلاته ) واسمه خلاد بن رافع الزرقي ا هـ عميرة .

أقول : وإنما ذكر الخبر بتمامه ولم يقتصر على قوله إذا قمت إلى الصلاة فكبر على عادته من الاقتصار في الأحاديث الطوال على محل الاستدلال ليحيل عليه في الاستدلال على بقية الأركان ، ولم يذكر له التشهد ونحوه من بقية الأركان لكونه كان عالما بها ، وقوله { ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن } أي وكان الذي معه منه الفاتحة فقط ( قوله : ثم اسجد حتى تطمئن إلى قوله حتى تطمئن جالسا ) لا حاجة إليه لأنه مما اتفق عليه الشيخان ، فالأولى الاقتصار على ما بعده كما فعل الشيخ في شرح منهجه ( قوله : من مفسدات الصلاة ) أي وتحريم ذلك عليه يدخل به في أمر محرم : قال ع : يقال أحرم الرجل إذا دخل في حرمة لا تهتك قاله الجوهري .

قال الإسنوي : فلما دخل بهذه التكبيرة في عبادة يحرم فيها أمور قيل لها تكبيرة إحرام ( قوله : الله أكبر ) قال الإسنوي : هي موصولة في هذه العبارة لأن قطعها على الحكاية يوهم أنه يجب على المصلي إيقاعها : أي الإتيان بها مقطوعة وليس كذلك إذ يصح أن يقول مأموما الله أكبر بوصلها جزم به في شرح المهذب ا هـ عميرة . وبقي ما لو فتح الهاء أو كسرها من الله ، وما لو فتح الراء أو كسرها من أكبر هل يضر أو لا ؟ فيه نظر ، والأقرب عدم الضرر لما يأتي من أن اللحن في القراءة إذا لم يغير المعنى لا يضر ، ونقل بالدرس عن فتاوى والد الشارح ما يوافق ما قلناه في المسألة الثانية ( قوله : خروجا من الخلاف ) لم يذكر فيها خلافا ، بل قضية قوله الآتي في توجيه مقابل الأصح ، والثاني تضر الزيادة فيه لاستقلالها ، بخلاف الأولى الجزم بنفيه فليتأمل لكن في الدميري في قول ضعيف يضر الفصل باللام ( قوله : وتضر زيادة حرف ) ظاهره ولو جاهلا به ( قوله : وزيادة واو قبل الجلالة ) ظاهره ولو جاهلا ( قوله : وتشديد الباء ) ظاهره ولو جاهلا ( قوله : وهو ظاهر في الشق الأول ) أي تشديد الباء ( قوله : أما الثاني فمردود ) أي تشديد الراء ( قوله : دون الجاهل ) ظاهر تقييد ما ذكر بالعالم [ ص: 460 ] أن تغيير غير العالم يضر مطلقا في غير هذه الصورة ، ولو قيل بعدم الضرر في بقية الصور مع الجهل لم يبعد لأنه مما يخفى إلا أن يقال ما تغير به المعنى يخرج الكلمة عن كونها تكبيرا ويصيرها أجنبية والصلاة وإن لم تبطل بالكلمة الأجنبية لكن تبطل بنقصان ركن مطلقا كما لو جهل وجوب الفاتحة عليه فصلى بدونها ويحتمل أن يراد بالجاهل هنا ما لو علم الحكم ثم نسيه ( قوله : لا يراه أحد من القراء ) أي في قراءة غير متواترة إذ لا يخرجه ذلك عن كونه لغة وغاية مقدار ما نقل عنهم على ما نقله ابن حجر سبع ألفات وتقدر كل ألف بحركتين وهو على التقريب ويعتبر ذلك بتحريك الأصابع متوالية متقارنة للنطق بالمد ( قوله : بما قبلها ) كأن يقول مقتديا الله أكبر ( قوله : كما مر ) انظر في أي محل مر ولعله في قول المصنف ويتعين على القادر الله أكبر حيث نطق بها موصولة ، ومن ثم قال الإسنوي هي موصولة في هذه العبارة فنسب وصلها للمصنف ( قوله : ويمكن رده إلى الأول ) أي بأن يقال مراده كراهة خفيفة لم يرد فيها نهي خاص ولكنها استفيدت من الأمر بالمحافظة على حروف التكبير ( قوله : بأنه لا أصل له ) أي قوله التكبير جزم ( قوله : بما ذكرته ) أي من قوله ك الله لا إله إلا هو إلخ ( قوله هو ما في التحقيق ) وفيه رد على ما قاله الماوردي من أنه لا يضر ، وعبارة الشيخ عميرة ، وجعل الماوردي من أمثلة عدم الضرر الله لا إله إلا هو كبر ا هـ ( قوله : وأولى منه ) أي بالضعف ، وقوله زيادة الشيخ الذي : أي لفظ الذي مع لا إله إلا هو ( قوله : لا أكبر الله ) هل ولو أتى بأكبر ثانيا كأن قال أكبر الله أكبر ؟ فيه نظر ، والأقرب أن يقال : إن قصد البناء ضر ، وإلا بأن قصد الاستئناف أو أطلق فلا ( قوله : والأعظم لا يدل على القدم ) يتأمل وجه التفرقة بينهما ، قال بعضهم : [ ص: 461 ] لعل وجهه أنه لما شاع أن يقال لمن هو أقدم من آخر أنه أكبر منه على أن فعله من باب علم دون أن يقال أعظم منه . فإذا وصف سبحانه وتعالى بعد حذف المفضل عليه دلالة على العموم صار معناه أنه أقدم من كل قديم ، بخلاف أعظم ا هـ .

وفيه نظر .

وفي طبقات التاج السبكي في ترجمة الغزالي فقال : يعني أبا حنيفة المقصود من كلمة التكبير الثناء على الله بالكبرياء ، فلا فرق بينه وبين ترجمته بكل لسان وبين قوله الله أعظم ، فقال الشافعي : وبم علمت أنه لا فرق في صفات الله بين العظمة والكبرياء ؟ مع أنه تعالى يقول { العظمة إزاري والكبرياء ردائي } والرداء أشرف من الإزار إلخ فليراجع ( قوله فمن نازعني ) أي بأن حاول اتصافه بواحدة منهما بأن اعتقد في نفسه أنه أعظم من غيره أو أكبر من غيره ، بل أو أنه عظيم وإن لم ير أنه أعظم من غيره ، ومعلوم أن ذلك حرام إن أدى إلى استنقاص غيره من الناس معينا ، أما في الحيوان من حيث الخلق فحرام أيضا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث