الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سنن الوضوء

جزء التالي صفحة
السابق

( و ) ينقضه ( قيء ملأ فاه ) بأن يضبط بتكلف ( من مرة ) بالكسر : أي صفراء ( أو علق ) أي سوداء ; وأما العلق النازل من الرأس فغير ناقض ( أو طعام أو ماء ) إذا وصل إلى معدته وإن لم يستقر ، [ ص: 138 ] وهو نجس مغلظ ، ولو من صبي ساعة ارتضاعه ، هو الصحيح لمخالطة النجاسة ، ذكره الحلبي .

ولو هو في المريء فلا نقض اتفاقا كقيء حية أو دود كثير لطهارته في نفسه كماء فم النائم ، فإنه طاهر مطلقا به يفتى ، بخلاف ماء فم الميت فإنه نجس ، كقيء عين خمر أو بول ، وإن لم ينقض لقلته لنجاسته بالأصالة لا بالمجاورة ( لا ) ينقضه قيء من ( بلغم ) على المعتمد ( أصلا ) إلا المخلوط بطعام فيعتبر الغالب ، ولو استويا فكل على حدة ( و ) ينقضه ( دم ) مائع من جوف أو فم [ ص: 139 ] ( غلب على بزاق ) حكما للغالب ( أو ساواه ) احتياطا ( لا ) ينقضه ( المغلوب بالبزاق ) والقيح كالدم والاختلاط بالمخاط كالبزاق .

التالي السابق


( قوله : وينقضه قيء ) أفرده بالذكر مع دخوله في خروج نجس لمخالفته له في حد الخروج ، وأما السيلان في غير السبيلين فمستفاد من الخروج نهر ( قوله : بأن يضبط ) أي يمسك بتكلف ، وهذا ما مشى عليه في الهداية والاختيار والكافي والخلاصة وصححه فخر الإسلام وقاضي خان ، وقيل : ما لا يقدر على إمساكه . قال في البدائع : وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح .

وفي الحلية : الأول : الأشبه ( قوله : بالكسر ) أي مع تشديد الراء المهملة ، وهي أحد الأخلاط الأربعة : الدم ، والمرة السوداء ، والمرة الصفراء ، والبلغم . ا هـ . غاية البيان ( قوله : أو علق إلخ ) العلق لغة : دم منعقد كما هو أحد معانيه ، لكن المراد به هنا سوداء محترقة كما في الهداية وليس بدم حقيقة كما في الكافي ، ولهذا اعتبر فيه ملء الفم ، وإلا فخروج الدم ناقض بلا تفصيل بين قليله وكثيره على المختار ا هـ أخي جلبي وغيره ( قوله : فغير ناقض ) أي اتفاقا كما في شرح المنية . وذكر في الحلية أن الظاهر أن الكثير منه وهو ما ملأ الفم ناقض .

والحاصل أنه إما أن يكون من الرأس أو من الجوف ، علقا أو سائلا ، فالنازل من الرأس إن علقا لم ينقض اتفاقا ، وإن سائلا نقض اتفاقا . والصاعد من الجوف إن علقا فلا اتفاقا ما لم يملأ الفم ، وإن سائلا فعنده ينقض مطلقا . وعند محمد لا ما لم يملأ الفم كذا في المنية وشرحها والتتارخانية .

وذكر في البحر قول أبي يوسف مع الإمام وقال : واختلف التصحيح فصحح في البدائع قولهما . قال : وبه أخذ عامة المشايخ . وقال الزيلعي : إنه المختار ، وصحح في المحيط قول محمد وكذا في السراج معزيا إلى الوجيز . ا هـ . [ ص: 138 ]

واعلم أنه وقع في عبارة كل من البحر والنهر والزيلعي إيهام ، وبما نقلناه من الحاصل يتضح المرام ( قوله : وهو نجس مغلظ ) هذا ما صرحوا به في باب الأنجاس ، وصحح في المجتبى أنه مخفف . قال في الفتح : ولا يعرى عن إشكال ، وتمامه في النهر ( قوله : هو الصحيح ) مقابله ما في المجتبى عن الحسن أنه لا ينقض لأنه طاهر حيث لم يستحل ، وإنما اتصل به قليل القيء فلا يكون حدثا . قال في الفتح : قيل وهو المختار . ونقل في البحر تصحيحه عن المعراج وغيره ( قوله : ذكره الحلبي ) أي في شرح المنية الكبير ، حيث قال : والصحيح ظاهر الرواية أنه نجس لمخالطته النجاسة وتداخلها فيه بخلاف البلغم . ا هـ .

أقول : وحيث صحح القولان فلا يعدل عن ظاهر الرواية ، ولذا جزم به الشارح ( قوله : ولو هو في المريء ) محترز قوله : إذا وصل إلى معدته قال ح : المريء بفتح الميم مهموز الآخر ، مجرى الطعام والشراب . ا هـ . ( قوله : لطهارته في نفسه ) أفرد الضمير لأن العطف بأو ، ط . وينبغي النقض إذا ملأ الفم على القول بنجاسته بحر ونهر ، ولكن سيأتي في باب المياه أن الحية البرية تفسد الماء إذا ماتت فيه ، ومقتضاه أنها نجسة فلعل ما هنا محمول على ما إذا كانت صغيرة جدا بحيث لا يكون لها دم سائل لأنها حينئذ لا تفسد الماء فتكون طاهرة كالدود ( قوله : في نفسه ) أي وما عليه قليل لا يملأ الفم فلا يعتبر ناقضا ط ( قوله : مطلقا ) أي سواء كان من الرأس أو من الجوف ، أصفر منتنا أو لا ( قوله : به يفتى ) كذا في البحر عن التجنيس : أي خلافا لما اختاره أبو نصر ، من أنه لو صعد من الجوف أصفر منتنا كان كالقيء ولقول أبي يوسف إنه نجس ( قوله : كقيء عين خمر أو بول ) أي بأن شرب خمرا أو بولا ثم قاء نفس الخمر أو البول .

( قوله : وإن لم ينقض لقلته إلخ ) أي وإن لم يكن ناقضا لأجل قلته لو فرض قليلا فهو أيضا نجس لنجاسته بالأصالة ، بخلاف قيء نحو طعام فإنه إنما ينجس بالمجاورة إذا كان كثيرا ملء الفم ، فلا ينقض القليل منه ولا ينجس ( قوله : لقلته ) علة لقوله لم ينقض ، وقوله : لنجاسته علة لقوله بخلاف ح . والأولى جعله علة لتشبيهه بماء فم الميت فافهم ( قوله : أصلا ) أي سواء كان صاعدا من الجوف أو نازلا من الرأس ح خلافا لأبي يوسف في الصاعد من الجوف وإليه أشار بقوله على المعتمد ، ولو أخره لكان أولى ( قوله : فيعتبر الغالب ) فإن كانت الغلبة للطعام وكان بحال لو انفرد ملأ الفم نقض ، وإن كانت الغلبة للبلغم وكان بحال لو انفرد ملأ الفم كانت المسألة على الاختلاف . ا هـ . تتارخانية ( قوله : فكل على حدة ) فإن كان كل منهما ملأ الفم انتقض الوضوء بالطعام اتفاقا وإلا فلا اتفاقا ، ولا يضم أحدهما إلى الآخر فلا يعتبر ملء الفم منهما جميعا .

( قوله : مائع ) احتراز عن العلق ، وقد مر ( قوله : من جوف أو فم ) هو ظاهر كلام الشارحين ، وكذا صرح ابن مالك بأن الخارج من الجوف إذا غلبه البزاق لا ينقض اتفاقا ، وظاهر كلام الزيلعي أنه ينقض وإن قل ، ولا يخفى عدم صحته لمخالفته المنقول مع عدم تعقل فرق بين الخارج من الفم والخارج من الجوف المختلطين بالبزاق بحر ، وعبارة النهر هنا مقلوبة ، فتنبه .

ورد الرحمتي ما في البحر بأن كلام ابن مالك لا يعارض كلام الزيلعي لعلو مرتبة الزيلعي ، وبأن قوله مع عدم [ ص: 139 ] تعقل فرق إلخ يقال عليه هو متعقل واضح لأن المغلوب الخارج من الفم لم يخرج بقوة نفسه بل بقوة البزاق فلم يكن ناقضا كما عللوه بذلك ، والخارج من الجوف قد خرج بقوة نفسه لأنه لم يختلط بالبزاق إلا بعد خروجه من الجوف لأن البزاق لا يخرج من الجوف بل محله الفم انتهى ، وحينئذ فإطلاق الشارحين محمول على غير الخارج من الجوف ، فلا يكون كلام الزيلعي مخالفا للمنقول ، والله أعلم ( قوله : غلب على بزاق ) بالزاي والسين والصاد كما في شرح المنية ، وعلامة كون الدم غالبا أو مساويا أن يكون البزاق أحمر ، وعلامة كونه مغلوبا أن يكون أصفر بحر ط ( قوله : احتياطا ) أي لاحتمال السيلان وعدمه فرجح الوجود احتياطا ، بخلاف ما إذا شك في الحدث لأنه لم يوجد إلا مجرد الشك ولا عبرة له مع اليقين بحر عن المحيط ( قوله : والقيح كالدم ) قال العلامة الشيخ إسماعيل : لم أقف لأحد على ذكر علامة الغلبة وعدمها فيه ( قوله : والاختلاط بالمخاط إلخ ) وما نقل عن الثاني من نجاسة المخاط فضعيف ، نعم حكي في البزازية كراهة الصلاة على خرقته عندهما للإخلال بالتعظيم .

وفي المنية : انتثر فسقط من أنفه كتلة دم لم ينتقض ا هـ أي لما تقدم من أن العلق خرج عن كونه دما باحتراقه وانجماده شرح .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث