الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 397 ] ( أو أدخل أصبعه اليابسة فيه ) أي دبره أو فرجها ولو مبتلة فسد ، ولو أدخلت قطنة إن غابت فسد وإن بقي طرفها في فرجها الخارج لا ، ولو بالغ في الاستنجاء حتى بلغ موضع الحقنة فسد وهذا قلما يكون ولو كان فيورث داء عظيما ( أو نزع المجامع ) حال كونه ( ناسيا في الحال عند ذكره ) وكذا عند طلوع الفجر وإن أمنى بعد النزع لأنه كالاحتلام ، ولو مكث حتى أمنى ولم يتحرك قضى فقط وإن حرك نفسه قضى وكفر [ ص: 398 ] كما لو نزع ثم أولج ( أو رمى اللقمة من فيه ) عند ذكره أو طلوع الفجر ولو ابتلعها إن قبل إخراجها كفر وبعده لا ( أو جامع فيما دون الفرج ولم ينزل ) يعني في غير السبيلين [ ص: 399 ] كسرة وفخذ وكذا الاستمناء بالكف وإن كره تحريما لحديث { ناكح اليد ملعون } ولو خاف الزنى يرجى أن لا وبال عليه .

التالي السابق


( قوله : أي دبره أو فرجها ) أشار إلى أن تذكير الضمير العائد إلى المقعدة لكونها في معنى الدبر ونحوه وإلى أن فاعل أدخل ضمير عائد على الشخص الصائم الصادق بالذكر والأنثى ( قوله : ولو مبتلة فسد ) لبقاء شيء من البلة في الداخل وهذا لو أدخل الأصبع إلى موضع المحقنة كما يعلم مما بعده قال ط ومحله إذا كان ذاكرا للصوم وإلا فلا فساد كما في الهندية عن الزاهدي ا هـ وفي الفتح خرج سرمه فغسله فإن قام قبل أن ينشفه فسد صومه وإلا فلا ; لأن الماء اتصل بظاهره ثم زال قبل أن يصل إلى الباطن بعود المقعدة ( قوله : حتى بلغ موضع الحقنة ) هي دواء يجعل في خريطة من أدم يقال لها المحقنة مغرب ثم في بعض النسخ المحقنة بالميم وهي أولى قال في الفتح : والحد الذي يتعلق بالوصول إليه الفساد قدر المحقنة ا هـ .

أي قدر ما يصل إليه رأس المحقنة التي هي آلة الاحتقان وعلى الأول فالمراد الموضع الذي ينصب منه الدواء إلى الأمعاء ( قوله : عند ذكره ) بالضم ويكسر بمعنى التذكر قاموس ( قوله : وكذا عند طلوع الفجر ) أي وكذا لا يفطر لو جامع عامدا قبل الفجر ونزع في الحال عند طلوعه ( قوله : ولو مكث ) أي في مسألة التذكر ومسألة الطلوع ( قوله : حتى أمنى ) هذا غير شرط في الإفساد وإنما ذكره لبيان حكم الكفارة إمداد ( قوله : وإن حرك نفسه قضى وكفر ) أي إذا أمنى كما هو فرض المسألة وقد علمت أن تقييده بالإمناء لأجل الكفارة لكن جزم هنا بوجوب الكفارة مع أنه في الفتح وغيره حكى قولين [ ص: 398 ] بدون ترجيح لأحدهما .

وقد اعترضه ح بأن وجوبها مخالف لما سيأتي من أنه إذا أكل أو جامع ناسيا فأكل عمدا لا كفارة عليه على المذهب لشبهة خلاف مالك ; لأنه يقول بفساد الصوم إذا أكل أو جامع ناسيا . ا هـ .

قلت : ووجه المخالفة أنه إذا لم تجب الكفارة في الأكل عمدا بعد الجماع ناسيا يلزم منه أن لا تجب بالأولى فيما إذا جامع ناسيا فتذكر ومكث وحرك نفسه ; لأن الفساد بالتحريك إنما هو لكون التحريك بمنزلة ابتداء جماع والجماع كالأكل وإذا أكل أو جامع عمدا بعد جماعه ناسيا لا تجب الكفارة فكذا لا تجب إذا حرك نفسه بالأولى ، لكن هذا لا يخالف مسألة الطلوع .

نعم يؤيد عدم الوجوب فيها أيضا إطلاق ما في البدائع حيث قال هذا أي عدم الفساد إذا نزع بعد التذكر أو بعد طلوع الفجر ، أما إذا لم ينزع وبقي فعليه القضاء ولا كفارة عليه في ظاهر الرواية . وروي عن أبي يوسف وجوب الكفارة في الطلوع فقط ; لأن ابتداء الجماع كان عمدا وهو واحد ابتداء وانتهاء والجماع العمد يوجبها وفي التذكر لا كفارة ووجه الظاهر أن الكفارة إنما تجب بإفساد الصوم وذلك بعد وجوده ، وبقاؤه في الجماع يمنع وجود الصوم فاستحال إفساده فلا كفارة . ا هـ .

فهذا يدل على أن عدم وجوبها في التذكر متفق عليه ; لأن ابتداءه لم يكن عمدا وهو فعل واحد فدخلت فيه الشبهة ولأن فيه شبهة خلاف مالك كما علمت وإنما الخلاف في الطلوع وما وجه به ظاهر الرواية يدل على عدم الفرق بين تحريك نفسه وعدمه .

هذا وفي نقل الهندية عبارة البدائع سقط فافهم ( قوله : كما لو نزع ثم أولج ) أي في المسألتين لما في الخلاصة ، ولو نزع حين تذكر ثم عاد تجب الكفارة وكذا في مسألة الصبح . ا هـ .

لكن في مسألة التذكر ينبغي عدم الكفارة لما علمت من شبهة خلاف مالك ولعل ما هنا مبني على القول الآخر بعدم اعتبار هذه الشبهة تأمل ( قوله : وبعده لا ) أي لاستقذارها وهذا هو الأصح كما في شرح الوهبانية عن المحيط ، وفيه عن الظهيرية إن قبل أن تبرد كفر وبعده لا وعن ابن الفضل إن كانت لقمة نفسه كفر وإلا فلا ا هـ .

مطلب مهم المفتي في الوقائع لا بد له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس قلت : والتعليل للأصح بالاستقذار يدل على تقييده بأن تبرد فيتحد مع القول الثاني لقولهم : إن اللقمة الحارة يخرجها ثم يأكلها عادة ولا يعافها ، لكن هذا مبني على أن الفداء الموجب للكفارة ما يميل إليه الطبع ، وتنقضي به شهوة البطن لا ما يعود نفعه إلى صلاح البدن والشارح فيما سيأتي اعتمد الثاني وسيأتي الكلام فيه وذكر في الفتح فيما لو أكل لحما بين أسنانه قدر الحمصة فأكثر عليه الكفارة عند زفر لا عند أبي يوسف ; لأنه يعافه الطبع فصار بمنزلة التراب فقال : والتحقيق أن المفتي في الوقائع لا بد له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس ، وقد عرف أن الكفارة تفتقر إلى كمال الجناية فينظر في صاحب الواقعة إن كان ممن يعاف طبعه ذلك أخذ بقول أبي يوسف وإلا أخذ بقول زفر ( قوله : ولم ينزل ) .

أما لو أنزل قضى فقط كما سيذكره المصنف أي بلا كفارة قال في الفتح وعمل المرأتين كعمل الرجال جماع أيضا فيما دون الفرج لا قضاء على واحدة منهما إلا إذا أنزلت ولا كفارة مع الإنزال . ا هـ .

( قوله : يعني في غير السبيلين ) أشار لما في الفتح حيث قال أراد بالفرج كلا من القبل والدبر ، فما دونه حينئذ التفخيذ والتبطين ا هـ أي ; لأن الفرج لا يشمل الدبر لغة وإن شمله حكما قال في المغرب الفرج قبل الرجل والمرأة باتفاق أهل اللغة ثم قال وقوله القبل والدبر كلاهما فرج يعني في الحكم . ا هـ .

[ ص: 399 ] مطلب في حكم الاستمناء بالكف ( قوله : وكذا الاستمناء بالكف ) أي في كونه لا يفسد لكن هذا إذا لم ينزل أما إذا أنزل فعليه القضاء كما سيصرح به وهو المختار كما يأتي لكن المتبادر من كلامه الإنزال بقرينة ما بعده فيكون على خلاف المختار ( قوله : ولو خاف الزنى إلخ ) الظاهر أنه غير قيد بل لو تعين الخلاص من الزنى به وجب ; لأنه أخف وعبارة الفتح فإن غلبته الشهوة ففعل إرادة تسكينها به فالرجاء أن لا يعاقب ا هـ زاد في معراج الدراية وعن أحمد والشافعي في القديم الترخص فيه وفي الجديد يحرم ويجوز أن يستمني بيد زوجته وخادمته ا هـ وسيذكر الشارح في الحدود عن الجوهرة أنه يكره ولعل المراد به كراهة التنزيه فلا ينافي قول المعراج يجوز تأمل وفي السراج إن أراد بذلك تسكين الشهوة المفرطة الشاغلة للقلب وكان عزبا لا زوجة له ولا أمة أو كان إلا أنه لا يقدر على الوصول إليها لعذر قال أبو الليث أرجو أن لا وبال عليه وأما إذا فعله لاستجلاب الشهوة فهو آثم ا هـ .

بقي هنا شيء وهو أن علة الإثم هل هي كون ذلك استمتاعا بالجزء كما يفيده الحديث وتقييدهم كونه بالكف ويلحق به ما لو أدخل ذكره بين فخذيه مثلا حتى أمنى ، أم هي سفح الماء وتهييج الشهوة في غير محلها بغير عذر كما يفيده قوله وأما إذا فعله لاستجلاب الشهوة إلخ ؟ لم أر من صرح بشيء من ذلك والظاهر الأخير ; لأن فعله بيد زوجته ونحوها فيه سفح الماء لكن بالاستمتاع بجزء مباح كما لو أنزل بتفخيذ أو تبطين بخلاف ما إذا كان بكفه ونحوه وعلى هذا فلو أدخل ذكره في حائط أو نحوه حتى أمنى أو استمنى بكفه بحائل يمنع الحرارة يأثم أيضا ويدل أيضا على ما قلنا ما في الزيلعي حيث استدل على عدم حله بالكف بقوله تعالى { والذين هم لفروجهم حافظون } الآية وقال فلم يبح الاستمتاع إلا بهما أي بالزوجة والأمة ا هـ فأفاد عدم حل الاستمتاع أي قضاء الشهوة بغيرهما هذا ما ظهر لي والله سبحانه أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث