الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فإن ماتوا فيه ) [ ص: 424 ] أي في ذلك العذر ( فلا تجب ) عليهم ( الوصية بالفدية ) لعدم إدراكهم عدة من أيام أخر ( ولو ماتوا بعد زوال العذر وجبت ) الوصية بقدر إدراكهم عدة من أيام أخر ، وأما من أفطر عمدا فوجوبها عليه بالأولى ( وفدى ) لزوما ( عنه ) أي عن الميت ( وليه ) الذي يتصرف في ماله ( كالفطرة ) قدرا ( بعد قدرته عليه ) أي على قضاء الصوم ( وفوته ) أي فوت القضاء بالموت فلو فاته عشرة أيام فقدر على خمسة فداها فقط ( بوصيته من الثلث ) متعلق بفدى وهذا لو له وارث وإلا فمن الكل قهستاني ( وإن ) لم يوص [ ص: 425 ] و ( تبرع وليه به جاز ) إن شاء الله ويكون الثواب للولي اختيار ( وإن صام أو صلى عنه ) الولي ( لا ) لحديث النسائي " { لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد ولكن يطعم عنه وليه } " ( وكذا ) يجوز ( لو تبرع عنه ) وليه ( بكفارة يمين أو قتل ) بإطعام أو كسوة ( بغير إعتاق ) .

[ ص: 426 ] لما فيه من إلزام الولاء للميت بلا رضاه

التالي السابق


( قوله فإن ماتوا إلخ ) ظاهر في رجوعه إلى جميع ما تقدم حتى الحامل والمرضع وقضية [ ص: 424 ] صنيع غيره من المتون اختصاص هذا الحكم بالمريض والمسافر . وقال في البحر : ولم أر من صرح بأن الحامل والمرضع كذلك ، لكن يتناولهما عموم قوله في البدائع من شرائط القضاء القدرة على القضاء فعلى هذا إذا زال الخوف أياما لزمهما بقدره بل ولا خصوصية فإن كل من أفطر بعذر ومات قبل زواله لا يلزمه شيء فيدخل المكره والأقسام الثمانية . ا هـ .

ملخصا من الرحمتي ( قوله أي في ذلك العذر ) على تقدير مضاف أي في مدته ( قوله لعدم إدراكهم إلخ ) أي فلم يلزمهم القضاء ووجوب الوصية فرع لزوم القضاء وإنما تجب الوصية إذا كان له مال في شرح الملتقى ط ( قوله بقدر إدراكهم إلخ ) ينبغي أن يستثنى الأيام المنهية لما سيأتي أن أداء الواجب لم يجز فيها قهستاني .

وقد يقال لا حاجة إلى الاستثناء لأنه ليس بقادر فيها على القضاء شرعا بل هو أعجز فيها من أيام السفر والمرض لأنه لو صام فيها أجزأه ولو صام في الأيام المنهية لم يجزه رحمتي ( قوله فوجوبها عليه بالأولى ) رد لما في القهستاني من أن التقييد بالعذر يفيد عدم الإجزاء ، لكن ذكر بعده أن في ديباجة المستصفى دلالة على الإجزاء .

قلت : ووجه الأولوية أنه إذا أفطر لعذر وقد وجبت عليه الوصية ولم يترك هملا فوجوبها عند عدم العذر أولى فافهم . قال الرحمتي ولا يشترط له إدراك زمان يقضي فيه لأنه كان يمكنه الأداء وقد فوته بدون عذر ( قوله وفدى عنه وليه ) لم يقل عنهم وليهم وإن كان ظاهر السياق إشارة إلى أن المراد بقوله : فإن ماتوا موت أحدهم أيا كان لا موتهم جملة ( قوله لزوما ) أي فداء لازما فهو مفعول مطلق أي يلزم الولي الفداء عنه من الثلث إذا أوصى وإلا فلا يلزم بل يجوز قال في السراج : وعلى هذا الزكاة لا يلزم الوارث إخراجها عنه إلا إذا أوصى إلا أن يتبرع الوارث بإخراجها ( قوله الذي يتصرف في ماله ) أشار به إلى أن المراد بالولي ما يشمل الوصي كما في البحر ح ( قوله قدرا ) أي التشبيه بالفطرة من حيث القدر إذ لا يشترط التمليك هنا بل تكفي الإباحة بخلاف الفطرة وكذا هي مثل الفطرة من حيث الجنس وجواز أداء القيمة .

وقال القهستاني : وإطلاق كلامه يدل على أنه لو دفع إلى فقير جملة جاز ولم يشترط العدد ولا المقدار ، لكن لو دفع إليه أقل من نصف صاع لم يعتد به وبه يفتى ا هـ أي بخلاف الفطرة على قول كما مر ( قوله بعد قدرته ) أي الميت وقوله وفوته مصدر معطوف على قدرته ، والظرف متعلق بقوله وفدى . والمعنى أنه إنما يلزمه الفداء إذا مات بعد قدرته على القضاء وفوته بالموت ( قوله فلو فاته إلخ ) تفريع على قوله بقدر إدراكهم أو على قوله بعد قدرته عليه فإنه يشير إلى أنه إنما يفدي عما أدركه وفوته دون ما لم يدركه وأشار به إلى رد قول الطحاوي أن هذا قول محمد وعندهما تجب الوصية والفداء عن جميع الشهر بالقدرة على يوم ، فإن الخلاف في النذر فقط كما يأتي بيانه آخر الباب ، أما هنا فلا خلاف في أن الوجوب بقدر القدرة فقط كما نبه عليه في الهداية وغيرها ( قوله من الثلث ) أي ثلث ماله بعد تجهيزه وإيفاء ديون العباد ، فلو زادت الفدية على الثلث لا يجب الزائد إلا بإجازة الوارث ( قوله وهذا ) أي إخراجها من الثلث فقط لو له وارث لم يرض بالزائد ( قوله وإلا ) أي بأن لم يكن له وارث فتخرج من الكل : أي لو بلغت كل المال تخرج من الكل ; لأن منع الزيادة لحق [ ص: 425 ] الوارث ، فحيث لا وارث فلا منع كما لو كان وأجاز وكذا لو كان له وارث ممن لا يرد عليه كأحد الزوجين ، فتنفذ الزيادة على الثلث بعد أخذ الوارث فرضه كما سيأتي بيانه آخر الكتاب إن شاء الله تعالى ( قوله جاز ) إن أريد بالجواز أنها صدقة واقعة موقعها فحسن ، وإن أريد سقوط واجب الإيصاء عن الميت مع موته مصرا على التقصير فلا وجه له والأخبار الواردة فيه مؤولة إسماعيل عن المجتبى .

أقول : لا مانع من كون المراد به سقوط المطالبة عن الميت بالصوم في الآخرة وإن بقي عليه إثم التأخير كما لو كان عليه دين عبد وماطله به حتى مات فأوفاه عنه وصيه أو غيره ويؤيده تعليق الجواز بالمشيئة كما نقرره وكذا قول المصنف كغيره وإن صام أو صلى عنه فإن معناه لا يجوز قضاء عما على الميت ، وإلا فلو جعل له ثواب الصوم والصلاة يجوز كما نذكره ، فعلم أن قوله جاز أي عما على الميت لتحسن المقابلة ( قوله إن شاء الله ) قبل المشيئة لا ترجع للجواز بل للقبول كسائر العبادات وليس كذلك ، فقد جزم محمد رحمه الله في فدية الشيخ الكبير وعلق بالمشيئة فيمن ألحق به كمن أفطر بعذر أو غيره حتى صار فانيا ، وكذا من مات وعليه قضاء رمضان وقد أفطر بعذر إلا أنه فرط في القضاء وإنما علق لأن النص لم يرد بهذا كما قاله الأتقاني ، وكذا علق في فدية الصلاة لذلك ، قال في الفتح والصلاة كالصوم باستحسان المشايخ .

وجهه أن المماثلة قد ثبتت شرعا بين الصوم والإطعام والمماثلة بين الصلاة والصوم ثابتة ومثل مثل الشيء جاز أن يكون مثلا لذلك الشيء وعلى تقدير ذلك يجب الإطعام وعلى تقدير عدمها لا يجب فالاحتياط في الإيجاب فإن كان الواقع ثبوت المماثلة حصل المقصود الذي هو السقوط وإلا كان برا مبتدأ يصلح ماحيا للسيئات ، ولذا قال محمد فيه يجزيه إن شاء الله تعالى من غير جزم كما قال في تبرع الوارث بالإطعام بخلاف إيصائه به عن الصوم فإنه جزم بالإجزاء . ا هـ . ( قوله ويكون الثواب للولي اختيار ) أقول : الذي رأيته في الاختيار هكذا وإن لم يوص لا يجب على الورثة الإطعام لأنها عبادة فلا تؤدى إلا بأمره إن فعلوا ذلك جاز ويكون له ثواب . ا هـ .

ولا شبهة في أن الضمير في له للميت وهذا هو الظاهر لأن الوصي إنما تصدق عن الميت لا عن نفسه فيكون الثواب للميت لما صرح به في الهداية من أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما أو صدقة أو غيرها كما سيأتي في باب الحج عن الغير وقدمنا الكلام على ذلك في الجنائز قبيل باب الشهيد فتذكره بالمراجعة نعم ذكرنا هناك أنه لو تصدق عن غيره لا ينقص من أجره شيء ( قوله لحديث النسائي إلخ ) هو موقوف على ابن عباس ، وأما ما في الصحيحين عن ابن عباس أيضا أنه قال " { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها ؟ فقال : لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها ؟ قال نعم ، قال : فدين الله أحق } " فهو منسوخ لأن فتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ وقال مالك : ولم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أن أحدا منهم أمر أحدا يصوم عن أحد ، وهذا مما يؤيد النسخ وأنه الأمر الذي استقر الشرع عليه ، وتمامه في الفتح وشرح النقاية للقاري ( قوله بكفارة يمين أو قتل إلخ ) كذا في الزيلعي والدرر والبحر والنهر .

قال في الشرنبلالي أقول : لا يصح تبرع الوارث في كفارة القتل بشيء لأن الواجب فيها ابتداء عتق رقبة مؤمنة ولا يصح إعتاق الوارث عنه كما ذكره والصوم فيها بدل عن الإعتاق لا تصح فيه الفدية كما سيأتي وليس [ ص: 426 ] في كفارة القتل إطعام ولا كسوة فجعلها مشاركة لكفارة اليمين فيهما سهو . ا هـ . ومثله في العزمية .

وأجاب العلامة الأقصرائي كما نقله أبو السعود في حاشية مسكين بأن مرادهم بالقتل قتل الصيد لا قتل النفس لأنه ليس فيه إطعام . ا هـ . قلت : ويرد عليه أيضا أن الصوم في قتل الصيد ليس أصلا بل هو بدل لأن الواجب فيه أن يشترى بقيمته هدي يذبح في الحرم أو طعام يتصدق به على كل فقير نصف صاع أو يصوم عن كل نصف صاع يوما فافهم . قلت : وقد يفرق بين الفدية في الحياة وبعد الموت بدليل ما في الكافي النسفي على معسر كفارة يمين أو قتل وعجز عن الصوم لم تجز الفدية كمتمتع عجز عن الدم والصوم لأن الصوم هنا بدل ولا بدل للبدل ، فإن مات وأوصى بالتكفير صح من ثلثه ، وصح التبرع في الكسوة والإطعام ، لأن الإعتاق بلا إيصاء إلزام الولاء على الميت ولا إلزام في الكسوة والإطعام ا هـ .

فقوله فإن مات وأوصى بالتكفير صح ظاهر في الفرق المذكور ، وبه يتخصص ما سيأتي من أنه لا تصح الفدية عن صوم هو بدل من غيره . ثم إن قوله وأوصى بالتكفير شامل لكفارة اليمين والقتل لصحة الوصية بالإعتاق بخلاف التبرع به ، ولذا قيد صحة التبرع بالكسوة والإطعام وصرح بعدم صحة الإعتاق فيه وهذا قرينة ظاهرة على أن المراد التبرع بكفارة اليمين فقط لأن كفارة القتل ليس فيها كسوة ولا إطعام .

فتلخص من كلام الكافي أن العاجز عن صوم هو بدل عن غيره كما في كفارة اليمين والقتل لو فدى عن نفسه في حياته بأن كان شيخا فانيا لا يصح في الكفارتين ، ولو أوصى بالفدية يصح فيهما ، ولو تبرع عنه وليه لا يصح في كفارة القتل لأن الواجب فيها العتق ولا يصح التبرع به ويصح في كفارة اليمين لكن في الكسوة والإطعام دون الإعتاق لما قلنا هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام فاغتنمه فقد زلت فيه أقدام الأفهام ( قوله لما فيه إلخ ) أي لأن { الولاء لحمة كلحمة النسب } على أن ذلك ليس نفعا محضا لأن المولى يصير عاقلة عتيقه وكذا عصباته بعد موته .

ولا يرد ما مر عن الهداية من أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره وهو شامل للعتق لأن المراد هنا إعتاقه على وجه النيابة عن الميت بدلا عن صيامه ، بخلاف ما لو أعتق عبده وجعل ثوابه للميت فإن الإعتاق يقع عن نفسه أصالة ويكون الولاء له ، وإنما جعل الثواب للميت وبخلاف التبرع عنه بالكسوة والإطعام فإنه يصح بطريق النيابة لعدم الإلزام .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث