الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( وهي ) على ما ذكره أربعة عشر ( قراءة فاتحة الكتاب ) فيسجد للسهو بترك أكثرها لا أقلها ، لكن في المجتبى يسجد بترك آية منها وهو أولى

قلت : وعليه فكل آية واجبة ككل تكبيرة عيد وتعديل ركن وإتيان كل وترك تكرير كل كما يأتي فليحفظ ( وضم ) أقصر ( سورة ) كالكوثر أو ما قام مقامها ، هو ثلاث آيات قصار ، نحو { ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر } وكذا لو كانت الآية أو الآيتان تعدل ثلاثا قصارا ذكره الحلبي [ ص: 459 ]

( في الأوليين من الفرض ) وهل يكره في الأخريين ؟ المختار لا ( و ) في ( جميع ) ركعات ( النفل ) لأن كل شفع منه صلاة ( و ) كل ( الوتر ) احتياطا وتعيين القراءة ( في الأوليين ) من الفرض على المذهب

التالي السابق


( قوله على ما ذكره ) وإلا فهي أكثر من ذلك بكثير كما سيأتي بيانه ( قوله قراءة فاتحة الكتاب ) هذا إذا لم يخف فوت الوقت وإلا اكتفى بآية واحدة في جميع الصلوات وخص البزدوي الفجر به كما في القنية إسماعيل ( قوله بترك أكثرها ) يفيد أن الواجب الأكثر ، ولا يعرى عن تأمل بحر . وفي القهستاني أنها بتمامها واجبة عنده ; وأما عندهما فأكثرها ، ولذا لا يجب السهو بنسيان الباقي كما في الزاهدي ، فكلام الشارح جار على قولهما ط ( قوله وهو أولى ) لعله للمواظبة المفيدة للوجوب ط ( قوله وعليه ) أي وبناء على ما في المجتبى فكل آية واجبة ، وفيه نظر لأن الظاهر أن ما في المجتبى مبني على قول الإمام بأنها بتمامها واجبة وذكر الآية تمثيل لا تقييد إذ بترك شيء منها آية أو أقل ولو حرفا لا يكون آتيا بكلها الذي هو الواجب ، كما أن الواجب ضم ثلاث آيات ، فلو قرأ دونها كان تاركا للواجب أفاده الرحمتي .

( قوله ككل تكبيرة عيد ) وهي ست تكبيرات كما سيأتي في محله ح ( قوله وتعديل ركن ) عطف على تكبيرة : أي وككل تعديل ركن ومثله تعديل القومة وتعديل الجلسة على ما يأتي قريبا ح ( قوله وإتيان كل إلخ ) بالرفع عطفا على كل الأول أو بالجر عطفا على كل الثاني ، والمراد أن من الواجبات إتيان كل فرض أو واجب في محله ، وترك تكرير كل منهما ، وأفاد هذا المراد بقوله كما يأتي أي في آخر الواجبات ( قوله وترك تكرير كل ) هكذا في بعض النسخ ، وعلمت المراد منه . والذي في عامة النسخ : وترك كل بإسقاط تكرير . وتوجيهه بأن يجعل قوله ككل تكبيرة تنظير الآية في قوله يسجد بترك آية ، والمعنى كما يسجد بترك كل تكبيرة عيد بمفردها ، وترك كل تعديل ركن بمفرده ، وترك إتيان كل من التكبيرات أو التعديلات جملة ، وكذا بترك كل هذه المذكورة جملة ، ولا يخفى ما فيه .

( قوله تعدل ثلاثا قصارا ) أي مثل - { ثم نظر } - إلخ وهي ثلاثون حرفا ، فلو قرأ آية طويلة قدر ثلاثين حرفا يكون قد أتى بقدر ثلاث آيات ، لكن سيأتي في فصل يجهر الإمام أن فرض القراءة آية وأن الآية عرفا طائفة من القرآن مترجمة أقلها ستة أحرف ولو تقديرا كلم يلد إلا إذا كانت كلمة فالأصح عدم الصحة ا هـ ومقتضاه أنه لو قرأ آية طويلة قدر ثمانية عشر حرفا يكون قد أتى بقدر ثلاث آيات .

وقد يقال : إن المشروع ثلاث آيات متوالية على النظم القرآني مثل { - ثم نظر - } إلخ ولا يوجد ثلاث متوالية أقصر منها ، فالواجب إما هي أو ما يعدلها من غيرها لا ما يعدل ثلاثة أمثال أقصر آية وجدت في القرآن ، ولذا قال تعدل ثلاثا قصارا ولم يقل تعدل ثلاثة أمثال أقصر آية . على أن في بعض العبارات تعدل أقصر سورة فليتأمل وسنذكر في فصل الجهر زيادة في هذا البحث ( قوله ذكره الحلبي ) أي في شرحه الكبير عن المنية . وعبارته : وإن قرأ ثلاث آيات قصارا أو كانت الآية أو الآيتان تعدل ثلاث آيات قصار خرج عن حد الكراهة المذكورة يعني كراهة التحريم . قال الشارح في شرحه عن الملتقى : ولم أره لغيره وهو مهم فيه يسر عظيم لدفع كراهة التحريم . ا هـ . [ ص: 459 ]

قلت : قد صرح به في الدرر أيضا حيث قال : وثلاث آيات قصار تقوم مقام الصورة وكذا الآية الطويلة ا هـ ومثله في الفيض وغيره . وفي التتارخانية : لو قرأ آية طويلة كآية الكرسي أو المداينة البعض في ركعة والبعض في ركعة اختلفوا فيه على قول أبي حنيفة ، قيل لا يجوز لأنه ما قرأ آية تامة في كل ركعة ، وعامتهم على أنه يجوز لأن بعض هذه الآيات يزيد عن ثلاث قصار أو يعدلها فلا تكون قراءته أقل من ثلاث آيات ا هـ وهذا يفيد أن بعض الآية كالآية في أنه إذا بلغ قدر ثلاث آيات قصار يكفي ( قوله في الأوليين ) تنازع فيه قراءة وضم في قول المصنف قراءة فاتحة الكتاب وضم سورة لأن الواجب في الأوليين كل منهما فافهم ( قوله وهل يكره ) أي ضم السورة ( قوله المختار لا ) أي لا يكره تحريما بل تنزيها لأنه خلاف السنة . قال في المنية وشرحها : فإن ضم السورة إلى الفاتحة ساهيا يجب عليه سجدتا السهو في قول أبي يوسف لتأخير الركوع عن محله وفي أظهر الروايات لا يجب لأن القراءة فيهما مشروعة من غير تقدير ، والاقتصار على الفاتحة مسنون لا واجب . ا هـ . وفي البحر عن فخر الإسلام أن السورة مشروعة في الأخريين نقلا . وفي الذخيرة أنه المختار . وفي المحيط وهو الأصح . ا هـ . والظاهر أن المراد بقوله نفلا الجواز ، والمشروعية بمعنى عدم الحرمة فلا ينافي كونه خلاف الأولى كما أفاده في الحلية . مطلب كل شفع من النفل صلاة

( قوله لأن كل شفع منه صلاة ) كأنه والله أعلم لتمكنه من الخروج على رأس الركعتين ، فإذا قام إلى شفع آخر كان بانيا صلاة على تحريمة صلاة ، ومن ثمة صرحوا بأنه لو نوى أربعا لا يجب عليه بتحريمتها سوى الركعتين في المشهور عن أصحابنا ، وأن القيام إلى الثالثة بمنزلة تحريمة مبتدأة ، حتى أن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول ، وقالوا : يستحب الاستفتاح في الثالثة والتعوذ ، وتمامه في الحلية وسيأتي أيضا في باب الوتر والنوافل . قال ح : ولا ينافيه عدم افتراض القعدة الأولى فيه الذي هو الصحيح لأن الكل صلاة واحدة بالنسبة إلى القعدة كما في البحر عند قول الكنز فرضها التحريمة ( قوله احتياطا ) أي لما ظهرت آثار السنية فيه ، من أنه لا يؤذن له ولا يقام ، أعطيناه حكم السنة في حق القراءة احتياطا ح ( قوله وتعيين القراءة في الأوليين ) لا يتكرر هذا مع قوله قبله الأوليين لأن المراد هنا القراءة ولو آية فتعيين القراءة مطلقا فيهما واجب وضم السورة مع الفاتحة واجب آخر ط .

( قوله من الفرض ) أي الرباعي أو الثلاثي ، وكذا في جميع الفرض الثنائي كالفجر والجمعة ومقصورة السفر ( قوله على المذهب ) اعلم أن في محل القراءة المفروضة في الفرض ثلاثة أقوال : الأول أن محلها الركعتان الأوليان عينا وصححه في البدائع . والثاني أن محلها ركعتان منها غير عين : أي فيكون تعيينها في الأوليين واجبا ، وهو المشهور في المذهب . الثالث أن تعيينها فيهما أفضل ، وعليه مشى في غاية البيان وهو ضعيف ، والقولان الأولان اتفقا على أنه لو قرأ في الأخريين فقط يصح ، ويلزمه سجود السهو لو ساهيا لكن سببه على الأول تغيير الفرض عن محله وتكون قراءته قضاء عن قراءته في الأوليين ، وسببه على الثاني ترك الواجب وتكون قراءته في الأخريين أداء كذا في نوافل البحر وفيه من سجود السهو .

واختلفوا في قراءته في الأخريين : هل هي قضاء أو أداء ، فذكر القدوري أنها أداء لأن الفرض القراءة في ركعتين غير عين . وقال غيره : أنها قضاء في الأخريين استدلالا بعدم صحة اقتداء المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت ، وإن لم يكن قرأ الإمام في الشفع الأول ولو كانت في الأخريين أداء لجاز لأنه يكون اقتداء المفترض [ ص: 460 ] بالمفترض في حق القراءة فلما لم يجز علم أنها قضاء وأن الأخريين خلتا عن القراءة وبوجوب القراءة على مسبوق أدرك إمامه في الأخريين ولم يكن قرأ في الأوليين كذا في البدائع . ا هـ .

أقول : لي هاهنا إشكال ، وهو أنه لا خلاف عندنا في فرضية القراءة في الصلاة ، وإنما الكلام في تعيين محلها وحاصل الأقوال الثلاثة أن تعيينها في الأوليين فرض أو واجب أو سنة ، وقد علمت تصحيح القول الأول وحينئذ فلا يخلو إما أن يراد أنه فرض قطعي أو فرض عملي وهو ما يفوت الجواز بفوته . وعلى كل يلزم من عدم القراءة في الأوليين فساد الصلاة كما لو أخر الركوع عن السجود ولا قائل بذلك عندنا فيتعين المصير إلى القول بالوجوب الذي عليه المتون . والذي يظهر لي أن في المسألة قولين فقط ، وأن القول الأول والثاني واحد ، فقولهم محلها الركعتان الأوليان عينا معناه أن التعيين فيهما واجب ، وهو المراد بالقول الثاني ، فيكون تأخير القراءة إلى الأخريين قضاء مثل تأخير السجدة من الركعة الأولى إلى آخر الصلاة ، ويقابل ذلك القول بأن تعيين الأوليين أفضل ، وعليه فالقراءة في الأخريين أداء لا قضاء ، وهما القولان اللذان ذكرهما صاحب البحر في سجود السهو عن البدائع ، ويدل لذلك أن صاحب المنية ذكر من واجبات الصلاة تعيين القراءة في الأوليين فقال في الحلية : وهذا عند القائلين بأن محلها الركعتان الأوليان عينا ، وقد عرفت أنه الصحيح ، وعليه مشى في الخلاصة والكافي وأما عند القائلين بأن محلها ركعتان منها بغير أعيانهما فظاهر قولهم أن القراءة في الأوليين أفضل أنه ليس بواجب بل الظاهر أنه سنة ، وغير خاف أن ثمرة الخلاف تظهر في وجوب سجود السهو إذا تركها في الأوليين أو في إحداهما سهوا لتأخير الواجب سهوا عن محله ، وعلى السنة لا يجب ا هـ ملخصا ، وهو صريح في أن الأقوال اثنان لا ثلاثة ، وفي أن المراد بالقول بأن محل القراءة الأوليان عينا هو الوجوب لا الافتراض ، وظهر بهذا أن صاحب البحر لم يصب في بيان الأقوال ولا في التفريع عليها كما لم يصب من نقل عبارته على غير وجهها ، وبما قررناه ارتفع الإشكال واتضح الحال .

والحاصل أنه قيل إن محل القراءة ركعتان من الفرض غير عين ، وكونهما في الأوليين أفضل ، وقيل إن محلها الأوليان منه عينا فيجب كونها فيهما ، وهو المشهور في المذهب الذي عليه المتون وهو المصحح ، وعلمت تأييده بما مر في عبارة البحر عن البدائع من مسألة المسافر والمسبوق . وقال القهستاني : إنه الصحيح من مذهب أصحابنا فلا جرم قال الشارح على المذهب فافهم . الحمد لله على التوفيق ، والهداية إلى أقوم طريق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث