الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فروع قرأ بالفارسية أو التوراة أو الإنجيل

جزء التالي صفحة
السابق

( ثم يكبر ) مع الخرور ( ويسجد واضعا ركبتيه ) أولا لقربهما من الأرض ( ثم يديه ) إلا لعذر ( ثم وجهه ) [ ص: 498 ] مقدما أنفه لما مر ( بين كفيه ) اعتبارا لآخر الركعة بأولها ضاما أصابع يديه لتتوجه للقبلة ( ويعكس نهوضه وسجد بأنفه ) أي على ما صلب منه ( وجبهته ) حدها طولا من الصدغ إلى الصدغ ، وعرضا من أسفل الحاجبين إلى القحف ; ووضع أكثرها واجب .

وقيل فرض كبعضها وإن قل . ( وكره اقتصاره ) في السجود ( على أحدهما ) ومنعا الاكتفاء بالأنف بلا عذر وإليه صح رجوعه وعليه الفتوى كما حررناه في شرح الملتقى [ ص: 499 ] وفيه يفترض وضع أصابع القدم [ ص: 500 ] ولو واحدة نحو القبلة وإلا لم تجز ، والناس عنه غافلون ( كما يكره تنزيها بكور عمامته ) إلا بعذر ( وإن صح ) عندنا ( بشرط كونه على جبهته ) كلها أو بعضها كما مر .

( أما إذا كان ) الكور ( على رأسه فقط وسجد عليه مقتصرا ) أي ولم تصب الأرض جبهته ولا أنفه على القول به ( لا ) يصح لعدم السجود على محله وبشرط طهارة المكان وأن يجد حجم الأرض والناس عنه غافلون :

التالي السابق


( قوله ثم يكبر ) أتى بثم للإشعار بالاطمئنان فإنه سنة أو واجب على ما اختاره الكمال ( قوله مع الخرور ) بأن يكون ابتداء التكبير عند ابتداء الخرور وانتهاؤه عند انتهائه شرح المنية ، ويخر للسجود قائما مستويا لا منحنيا لئلا يزيد ركوعا آخر يدل عليه ما في التتارخانية : لو صلى فلما تكلم تذكر أنه ترك ركوعا ، فإن كان صلى صلاة العلماء الأتقياء أعاد ، وإن صلى صلاة العوام فلا لأن العالم التقي ينحط للسجود قائما مستويا والعامي ينحط منحنيا وذلك ركوع لأن قليل الانحناء مسحوب من الركوع ا هـ تأمل ( قوله واضعا ركبتيه ثم يديه ) قدمنا الخلاف في أنه سنة أو فرض أو واجب وأن الأخير أعدل [ ص: 498 ] الأقوال ، وهو اختيار الكمال ، ويضع اليمنى منهما أولا ثم اليسرى كما في القهستاني ، لكن الذي في الخزائن واضعا ركبتيه ثم يديه إلا أن يعسر عليه لأجل خف أو غيره فيبدأ باليدين ويقدم اليمنى . ا هـ . ومثله في البدائع والتتارخانية والمعراج والبحر وغيرها ، ومقتضاه أن تقديم اليمنى إنما هو عند العذر الداعي إلى وضع اليدين أولا ، وإنه لا تيامن في وضع الركبتين ، وهو الذي يظهر لعسر ذلك .

( قوله مقدما أنفه ) أي على جبهته ، وقوله لما مر : أي لقربه من الأرض ، وما ذكره مأخوذ من البحر ، لكن في البدائع : ومنها أي السنن أن يضع جبهته ثم أنفه وقال بعضهم أنفه ثم جبهته . ا هـ . ومثله في التتارخانية والمعراج عن شرح الطحاوي ، ومقتضاه اعتماد تقديم الجبهة وأن العكس قول البعض تأمل ( قوله بين كفيه ) أي بحيث يكون إبهاماه حذاء أذنيه كما في القهستاني . وعند الشافعي يضع يديه حذو منكبيه . والأول في صحيح مسلم . والثاني في صحيح البخاري . واختار المحقق ابن الهمام سنية كل منهما بناء على أنه عليه الصلاة والسلام فعل كلا أحيانا قال : إلا أن الأول أفضل لأن فيه زيادة المجافاة المسنونة . ا هـ . وأقره شراح المنية والشرنبلالي ( قوله اعتبارا لآخر الركعة بأولها ) فكما يجعل رأسه بين يديه عند التحريمة فكذا عند السجود سراج عن المبسوط ، وباقي الركعات ملحقة بأولاها التي فيها التحريمة ( قوله ضاما أصابع يديه ) أي ملصقا جنبات بعضها ببعض قهستاني وغيره ، ولا يندب الضم إلا هنا ولا التفريج إلا في الركوع كما في الزيلعي وغيره ( قوله لتتوجه للقبلة ) فإنه لو فرجها يبقى الإبهام والخنصر غير متوجهين ، وهذا التعليل عزاه في هامش الخزائن إلى الشمني وغيره .

قال : وعلله في البحر بأن في السجود تنزل الرحمة وبالضم ينال أكثر ( قوله ويعكس نهوضه ) أي يرفع في النهوض من السجدة وجهه أولا ثم يديه ثم ركبتيه وهل يرفع الأنف قبل الجبهة : أي على القول بأنه يضعه قبلها قال في الحلية : لم أقف على صريح فيه ( قوله أي على ما صلب منه ) وأما ما لان منه فلا يجوز الاقتصار عليه بإجماعهم بحر ( قوله حدها طولا إلخ ) الصدغ : بضم الصاد ما بين العين والأذن والقحف : بالكسر العظم فوق الدماغ قاموس ، وهذا الحد عزاه في هامش الخزائن إلى شرح المنية عن التجنيس ، ثم قال : وقيل هي ما اكتنفه الجبينان ، وقيل هي ما فوق الحاجبين إلى قصاص الشعر وهذا أوضح ، والمعنى واحد . ا هـ . ( قوله ووضع أكثرها واجب إلخ ) اختلف هل الفرض وضع أكثر الجبهة أم بعضها وإن قل ؟ قولان أرجحهما الثاني ، نعم وضع أكثر الجبهة واجب للمواظبة كما حرره في البحر . وفي المعراج : وضع جميع أطراف الجبهة ليس بشرط إجماعا ، فإذا اقتصر على بعض الجبهة جاز وإن قل ، كذا ذكره أبو جعفر خزائن ( قوله كبعضها وإن قل ) لما كان وضع ما دون الأكثر متفقا على فرضيته جعله مشبها به . وحاصله أن صاحب هذا القيل ألحق الأكثر بما دونه في الفرضية ( قوله كما حررناه في شرح الملتقى ) حيث قال وإليه صح رجوع الإمام كما في الشرنبلالية عن البرهان وعليه الفتوى كما في المجمع وشروحه والوقاية وشروحها والجوهرة وصدر الشريعة والعيني والبحر والنهر وغيرها . ا هـ .

وذكر العلامة قاسم في تصحيحه أن قولهما رواية عنه وأن عليها الفتوى . هذا ، وقد استشكله المحقق في الفتح بأن القول بعدم جواز الاقتصار على الأنف يلزم منه الزيادة على الكتاب [ ص: 499 ] بخبر الواحد ، يعني حديث { أمرت أن أسجد على سبعة أعظم } وقال : الحق أن مقتضاه ومقتضى المواظبة الوجوب فلو حمل قوله على كراهة التحريم وقولهما على وجوب الجمع لارتفع الخلاف ، وأقره في شرح المنية وكذا في البحر وزاد أن الدليل يقتضي وجوب السجود على الأنف أيضا كما هو ظاهر الكنز والمصنف ، فإن الكراهة عند الإطلاق للتحريم ، وبه صرح في المفيد والمزيد ، فما في البدائع والتحفة والاختيار من عدم كراهة ترك السجود على الأنف ضعيف . ا هـ . وهذا الذي حط عليه كلام صاحب الحلية فقال بعدما أطال في الاستدلال : فالأشبه وجوب وضعهما معا ، وكراهة ترك وضع كل تحريما ، وإذا كان الدليل ناهضا به فلا بأس بالقول به . ا هـ . والله سبحانه أعلم ( قوله وفيه إلخ ) أي في شرح الملتقى ، وكذا قال في الهداية . وأما وضع القدمين فقد ذكر القدوري أنه فرض في السجود . ا هـ . فإذا سجد ورفع أصابع رجليه لا يجوز ، كذا ذكره الكرخي والجصاص ، ولو وضع إحداهما جاز .

قال قاضي خان : ويكره . وذكر الإمام التمرتاشي أن اليدين والقدمين سواء في عدم الفرضية ، وهو الذي يدل عليه كلام شيخ الإسلام في مبسوطه ، وكذا في النهاية والعناية . قال في المجتبى : قلت ظاهر ما في مختصر الكرخي والمحيط والقدوري أنه إذا رفع إحداهما دون الأخرى لا يجوز . وقد رأيت في بعض النسخ فيه روايتان . ا هـ . ومشى على رواية الجواز برفع إحداهما في الفيض والخلاصة وغيرهما ، فصار في المسألة ثلاث روايات : الأولى فرضية وضعهما . الثانية فرضية إحداهما . الثالثة عدم الفرضية ، وظاهره أنه سنة . قال في البحر : وذهب شيخ الإسلام إلى أن وضعهما سنة فتكون الكراهة تنزيهية ا هـ . وقد اختار في العناية هذه الرواية الثالثة وقال إنها الحق ، وأقره في الدرر . ووجهه أن السجود لا يتوقف تحققه على وضع القدمين فيكون افتراض وضعهما زيادة على الكتاب بخبر الواحد ، لكن رده في شرح المنية وقال إن قوله هو الحق بعيد عن الحق وبضده أحق ، إذ لا رواية تساعده والدراية تنفيه لأن ما لا يتوصل إلى الفرض إلا به فهو فرض .

وحيث تظافرت الروايات عن أئمتنا بأن وضع اليدين والركبتين سنة ، ولم ترد رواية بأنه فرض تعين وضع القدمين أو إحداهما للفرضية ، ضرورة التوصل إلى وضع الجبهة ، وهذا لو لم ترد به عنهم رواية كيف والروايات فيه متوافرة . ا هـ .

ويؤيده ما في شرح المجمع لمصنفه حيث استدل على أن وضع اليدين والركبتين سنة بأن ماهية السجدة حاصلة بوضع الوجه والقدمين على الأرض إلخ وكذا ما في الكفاية عن الزاهدي من أن ظاهر الرواية ما ذكر في مختصر الكرخي ، وبه جزم في السراج فقال : لو رفعهما في حال سجوده لا يجزيه ، ولو رفع إحداهما جاز . وقال في الفيض : وبه يفتى .

هذا ، وقال في الحلية : والأوجه على منوال ما سبق هو الوجوب لما سبق من الحديث ا هـ أي على منوال ما حققه شيخه من الاستدلال على وجوب وضع اليدين والركبتين ، وتقدم أنه أعدل الأقوال فكذا هنا ، فيكون وضع القدمين كذلك واختاره أيضا في البحر والشرنبلالية .

قلت : ويمكن حمل كل من الروايتين السابقتين عليه بحمل ما ذكره الكرخي وغيره من عدم الجواز برفعهما على عدم الحل لا عدم الصحة ، وكذا نفي التمرتاشي وشيخ الإسلام فرضية وضعهما لا ينافي الوجوب ، وتصريح القدوري بالفرضية يمكن تأويله فإن الفرض قد يطلق على الواجب تأمل ، وما مر عن شرح المنية للبحث فيه مجال ، لأن وضع الجبهة لا يتوقف تحققه على وضع القدمين ، بل توقفه على الركبتين واليدين أبلغ ، فدعوى فرضية وضع القدمين دون غيرهما ترجيح بلا مرجح ، والروايات المتظافرة إنما هي في عدم الجواز كما يظهر من كلامهم في الفرضية ، وعدم الجواز صادق بالوجوب كما ذكرنا . ولم ينقل التعبير بالفرضية إلا عن القدوري ، ولهذا والله أعلم [ ص: 500 ] قال في البحر وذكر القدوري أن وضعهما فرض ، وهو ضعيف . ا هـ . والحاصل أن المشهور في كتب المذهب اعتماد الفرضية والأرجح من حيث الدليل والقواعد عدم الفرضية ، ولذا قال في العناية والدرر : إنه الحق . ثم الأوجه حمل عدم الفرضية على الوجوب ، والله أعلم ( قوله ولو واحدة ) صرح به في الفيض ( قوله نحو القبلة ) قال في البزازية : والمراد بوضع القدم هنا وضع الأصابع أو جزء من القدم وإن وضع أصبعا واحدة أو ظهر القدم بلا أصابع ، إن وضع مع ذلك إحدى قدميه صح وإلا لا . ا هـ . قال في شرح المنية بعد نقله ذلك : وفهم منه أن المراد بوضع الأصابع توجيهها نحو القبلة ليكون الاعتماد عليها ، وإلا فهو وضع ظهر القدم ، وقد جعلوه غير معتبر ، وهذا مما يجب التنبه له ، فإن أكثر الناس عنه غافلون . ا هـ .

أقول : وفيه نظر ، فقد قال في الفيض : ولو وضع ظهر القدم دون الأصابع ، بأن كان المكان ضيقا أو وضع إحداهما دون الأخرى لضيقه جاز كما لو قام على قدم واحد وإن لم يكن المكان ضيقا يكره . ا هـ . فهذا صريح في اعتبار وضع ظاهر القدم ، وإنما الكلام في الكراهة بلا عذر ، لكن رأيت في الخلاصة إن وضع إحداهما بإن الشرطية بدل أو العاطفة . ا هـ . لكن هذا ليس صريحا في اشتراط توجيه الأصابع ، بل المصرح به أن توجيهها نحو القبلة سنة يكره تركها ، كما في البرجندي والقهستاني وسيأتي تمامه عند تعرض المصنف له قريبا ( قوله تنزيها ) لما كان في المتن اشتباه فإنه جعل الكراهة في الاقتصار على أحدهما . وفي السجود على الكور واحدة ، وهي في الأولى تحريمية وفي الثانية تنزيهية ، أشار إلى توضيحه ، وقد أفاده في البحر ط ( قوله بكور ) الباء بمعنى على كما في أبي السعود ، وهو بفتح الكاف كما في القاموس . والذي في الشبراملسي على المواهب عن عصام أنه بالضم ، وبالفتح شاذ ، وهو دور العمامة ط ( قوله بشرط كونه ) أي كون الكور الذي سجد عليه على الجبهة لا فوقها . ولما كان الكور مفردا مضافا يعم ربما يتوهم أنه إذا كانت العمامة ذات أكوار : كور منها على الجبهة ، وكور منها أرفع منه على الرأس ، وهكذا إنه يصح السجود على أي كور منها نبه على دفعه بقوله بشرط إلخ وهذا معنى قوله في الشرنبلالية أي دور من أدوارها نزل على جبهته ، لا جملتها كما يفعله بعض من لا علم عنده . ا هـ . ، فقوله لا جملتها معناه ما قلناه .

وليس معناه أنه إذا كان على الجبهة أكثر من كور واحد لا يصح السجود عليه حتى يعترض عليه بأن العلة وجدان الحجم فلا يتقيد بكور واحد ، فإن هذا المعنى لا يتوهمه أحد ، ويدل على أن مراد الشرنبلالي ما قلناه آخر عبارته حيث قال قد نبهنا بما ذكرنا تنبيها حسنا ، وهو أن صحة السجود على الكور إذا كان على الجبهة أو بعضها ، أما إذا كان على الرأس فقط وسجد عليه ولم تصب جبهته الأرض على القول بتعيينها ولا أنفه على مقابله لا تصح . ا هـ . فافهم ( قوله كما مر ) أي قوله وقيل فرض كبعضها وإن قل ح ( قوله أي ولم تصب ) الأولى حذف الواو لأنه بيان لقوله مقتصرا ط ( قوله على القول به ) أي بجواز الاقتصار على الأنف ( قوله على محله ) أي محل السجود الذي هو الجبهة والأنف ( قوله وبشرط ) معطوف على قول المصنف بشرط ( قوله وأن يجد حجم الأرض ) تفسيره أن الساجد لو بالغ لا يتسفل رأسه أبلغ من ذلك ، فصح على طنفسة وحصير وحنطة وشعير وسرير وعجلة وإن كانت على الأرض لا على ظهر حيوان كبساط مشدود بين أشجار ، ولا على أرز أو ذرة [ ص: 501 ] إلا في جوالق أو ثلج إن لم يلبده وكان يغيب فيه وجهه ولا يجد حجمه ، أو حشيش إلا إن وجد حجمه ، ومن هنا يعلم الجواز على الطراحة القطن ، فإن وجد الحجم جاز وإلا فلا بحر ( قوله والناس عنه غافلون ) أي عن اشتراط وجود الحجم في السجود على نحو الكور والطراحة ، كما يغفلون عن اشتراط السجود على الجبهة في كور العمامة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث