الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من نسي الوتر أو نام عنه

. ما جاء فيمن نسي الوتر أو نام عنه فانتبه قبل أن تطلع الشمس قال ابن القاسم : وقال مالك : من نسي الوتر أو نام عنه فانتبه وهو يقدر على أن يوتر ويصلي الركعتين ويصلي الصبح قبل أن تطلع الشمس فعل ذلك كله ، يوتر ثم يصلي ركعتي الفجر وصلاة الصبح ، وإن كان لا يقدر إلا على الوتر وصلاة الصبح ، صلى الوتر وصلاة الصبح وترك ركعتي الفجر ، وإن كان لا يقدر إلا على الصبح وحدها إلى أن تطلع الشمس ، صلى الصبح وترك الوتر وركعتي الفجر ولا قضاء عليه في الوتر ولا في ركعتي الفجر ، إلا أن يشاء أن يصلي ركعتي الفجر بعدما تطلع الشمس .

قال مالك : وذلك أنه بلغني أن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد قضياهما بعد طلوع الشمس ، فمن أحب أن يقضيهما بعد طلوع الشمس فليفعل من غير أن أراهما واجبتين عليه .

قال : وقال مالك : الوتر واحدة والذي أقر به وأقرأ به فيها في خاصة نفسي : { قل هو الله أحد } و { قل أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } في الركعة الواحدة مع أم القرآن : قال ابن القاسم : وكان لا يفتي به أحدا ولكنه كان يأخذ به في خاصة نفسه .

قال : وأخبرني ابن وهب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعة الوتر بقل هو الله أحد والمعوذتين ، ومن حديث حيوة بن شريح عن أبي عيسى الخراساني عن عبد الكريم بن طارق عن الحسن بن أبي الحسن سحنون عن عبد الله بن نافع قال : أخبرني حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده أنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعة الآخرة من الوتر بقل هو الله أحد والمعوذتين يجمعهن في ركعة الوتر } .

قال عبد الله بن نافع فسألني مالك عن ذلك ؟ فحدثت به مالكا فأعجبه .

قال : وقال مالك : لا ينبغي لأحد أن يوتر بواحدة ليس قبلها شيء لا في حضر ولا في سفر ، ولكن يصلى ركعتين ثم يسلم ثم يوتر بواحدة .

قال : وقال مالك : لا بأس بأن يوتر على راحلته حيثما كان وجهه في السفر . ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن [ ص: 213 ] سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على راحلته قبل أيما وجه توجه ، ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة } .

قال ابن القاسم وسألت مالكا عن الرجل تكون له صلاة بعد العشاء الآخرة وهو في سفره في محمله أو على دابته ، أيستحب له أن يؤخر وتره حتى يركع على دابته أو في محمله بعد أن يفرغ من حزبه أو لعله أن يطول صلاته من الليل ، أم يركع ركعتين ويوتر على الأرض ؟

قال : أحب إلي أن يركع ركعتين ويوتر على الأرض ويركب دابته فيتنفل عليها ما شاء وقد أجزأ عنه وتره .

قال : وقال مالك : من أوتر قبل أن يصلي العشاء الآخرة ناسيا فليصل العشاء الآخرة وليوتر .

قلت لابن القاسم : فإن أتى في رمضان والقوم في الوتر فصلى معهم جاهلا حتى فرغ من الوتر ولم يكن صلى العشاء الآخرة كيف يصنع في قول مالك ؟

قال : يضيف ركعة أخرى إلى صلاته ثم يقوم فيصلي العشاء ثم يعيد الوتر ، قال : وإن هو لم يضف ركعة أخرى إلى الوتر الذي صلى مع القوم حتى سلم الإمام ومضى وتطاول ذلك ، أو يكون قد خرج من المسجد ، فإنه لا يضيف الركعة إلى الوتر إلا إذا كان بحضرة ذلك ، ولكن فليصل العشاء ثم ليعد الوتر .

قلت : أرأيت من صلى العشاء الآخرة على غير وضوء ثم انصرف إلى بيته فتوضأ وأوتر ثم ذكر أنه صلى العشاء على غير وضوء ؟

قال : يعيد العشاء ثم يعيد الوتر وإن كان ذلك في آخر الليل .

قلت : وهذا قول مالك ؟

قال : نعم هذا قوله .

قال : وكان مالك يستحب إذا دخل الرجل في صلاة الصبح وقد كان نسي الوتر وتر ليلته أن يقطع ثم يوتر ثم يصلي الصبح ، قال : وكذلك إن كان خلف إمام قطع وأوتر وصلى الصبح ، وإن كان في فضل الجماعة فإنما أرى أن يقطع ويوتر ; لأن الوتر سنة ، فهو إن ترك فضل الجماعة في هذا الموضع صلى صلاة هي سنة ثم صلى الصبح . قال ابن القاسم وقد أسكت عبادة بن الصامت المؤذن بعد إقامة الصلاة صلاة الصبح ، قال ابن القاسم : للوتر أسكته . قال : وقد سمعت مالكا يرخص فيه يقول : إذا دخل الرجل مع الإمام فلا يقطع وليمض ولكن الذي كان يأخذ به هو في نفسه خاصة أن يقطع وإن كان خلف الإمام فيما رأيته وقفته عليه فرأيت ذلك أحب إليه .

وقال مالك : لم أسمع أحدا قط قضى الوتر بعد صلاة الصبح ، قال : وليس هو كركعتي الفجر في القضاء .

قال : وقال مالك : من ترك الوتر حتى ينفجر الصبح فإنه يوتر ، قال : وإن صلى الصبح فلا يوتر بعد ذلك .

قلت : أرأيت لو سها في الوتر فلما صلى ركعة الوتر أضاف إليها أخرى كيف يصنع أيعيد وتره أم يجزئه هذا الوتر ويسجد السهوة ؟

قال : يسجد سجدتين لسهوه ويجتزئ بوتره يعمل في السنن كما يعمل في الفرائض ، وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوتر واحدة .

قال : وسمعت مالكا وسئل عن رجل سها فلم يدر أهو في الشفع أم في الوتر ؟ [ ص: 214 ] قال : قال مالك : يسلم ويسجد لسهوه ثم يقوم فيوتر بركعة .

قلت : ولم ؟

قال : ذلك قال ; لأنه قد أيقن بالشفع وشك في الوتر فأمره مالك أن يلغي ما شك فيه .

قلت : أرأيت إذا شك فلم يدر أفي أول الركعة هو أم في الركعة الثانية أم في ركعة الوتر كيف يصنع ؟

قال : يبني على اليقين ; لأن مالكا قال : من شك فليبن على اليقين ، فهذا في أول الشفع فليضف إليها ركعة ، ثم يسلم ويسجد لسهوه ثم يقوم فيوتر بواحدة .

قال سحنون عن علي بن زياد عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم قال : إذا طلعت الشمس فلا قضاء عليه للوتر ، وإذا صلى الفجر فلا قضاء عليه للوتر سحنون عن علي بن زياد عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن { علي بن أبي طالب قال : ليس الوتر بحتم كالمكتوبة ، ولكنها سنة سنها رسول الله } ابن وهب عن يونس بن يزيد أنه سأل ابن شهاب عمن نسي الوتر حتى صلى الصبح ، قال : قد ضيع وفرط في سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليستغفر الله وليستعتب فإنما الوتر بالليل وليس بالنهار ابن وهب وقاله ابن نافع وابن قسيط وعطاء ويحيى بن سعيد وإبراهيم النخعي .

قال ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن ميمون الصفدي عن الحسن { أن رجلا قال : يا رسول الله أوتر بعد الفجر ؟ فقال له في الثالثة : أوتر } قال سحنون : يعني بعد ثلاث مرات كلمه وأجابه أن افعل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث