الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يستحب لمن يتوفى فجأة أن يتصدقوا عنه وقضاء النذور عن الميت

2609 22 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي افتلتت نفسها ، وأراها لو تكلمت تصدقت ، أفأتصدق عنها ، قال : نعم ، تصدق عنها .

التالي السابق


مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير بن العوام ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عائشة .

والحديث أخرجه النسائي أيضا في الوصايا عن محمد بن سلمة ، عن ابن القاسم ، عن مالك به .

قوله : ( افتلتت ) بلفظ المجهول من الافتلات ، أي : ماتت بغتة ، وكل شيء عوجل مبادرة ، فهو فلتة . قوله : ( نفسها ) بالنصب على أنه مفعول ثان ، وبالرفع على أنه مفعول أقيم مقام الفاعل ، والنفس مؤنثة ، وهي هنا الروح ، وقد تكون النفس بمعنى الذات ، وقال بعضهم : كأن البخاري رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة الذي تقدم في حديث ابن عباس في قصة سعد بن عبادة بلفظ آخر ، ولا تنافي بين قوله : ( إن أمي ماتت وعليها نذر ) وبين قوله : ( إن أمي توفيت وأنا غائب عنها ، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها ) لاحتمال أن يكون سأل عن النذر ، وعن الصدقة عنها . انتهى . ( قلت ) : المنافاة بين حديث عائشة وبين حديث ابن عباس ظاهرة بلا شك إن قرئ قوله : أراها بفتح الهمزة ، وإن قرئ بضمها ، فكذلك ; لأن الرجل يخبر عن حال أمه مشاهدة ، ( فإن قلت ) : يحتمل أن الرجل سأل عن النذر ، وعن الصدقة جميعا ، ( قلت ) : هذا هنا احتمال ، ومثل هذا الاحتمال لا يقطع به ، فالمنافاة حاصلة ، ( فإن قلت ) : الحديث قد مضى في كتاب الجنائز في باب موت الفجاءة ، ولفظه : ( إن أمي افتلتت نفسها ، وأظنها لو تكلمت تصدقت ) الحديث ، فهذا يدل قطعا على أن الهمزة في أراها مضمومة ، وأنه بمعنى : وأظنها لو تكلمت ، فهذا يوجه دعوى عدم المنافاة ، ( قلت ) : في رواية النسائي عن ابن القاسم ، عن مالك بلفظ : ( وأنها لو تكلمت تصدقت ) ، فهذا صريح في أن هذا الرجل في حديث عائشة غير سعد بن عبادة ، وأنه سأل عن الصدقة عن أمه ، وأن سعدا سأل عن الصدقة في رواية ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه أنه سأل عن النذر ، وعدم المنافاة يتأتى في رواية سعد فقط ، وأما المنافاة بين حديث عائشة هنا ، وبين حديث ابن عباس فظاهرة برواية النسائي ، والله أعلم . قوله : ( أفأتصدق عنها ) ، قال ، وفي الرواية التي مرت في الجنائز : ( فهل لها أجر إن تصدقت عنها ) ، قال : نعم . قوله : ( نعم ) يدل على أن الصدقة تنفع الميت ، وكذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ) الحديث يدل على ذلك ، وحديث سعد بن عبادة لما أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتصدق عن أمه ، قال : ( أي الصدقة أفضل ، قال : سقي الماء ) ، فهذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دلت على أن تأويل قوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى على الخصوص ، وقال ابن المنذر : أما العتق عن الميت ، فلا أعلم فيه خبرا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أعتقت عبدا عن أخيها عبد الرحمن ، وكان مات ولم يوص ، وأجاز ذلك الشافعي ، قال بعض أصحابه : لما جاز أن يتطوع [ ص: 56 ] بالنفقة ، وهي مال ، فكذا العتق ، وفرق غيره بينهما ، فقال : إنما أجزناها للأخبار الثابتة ، والعتق لا خير فيه ، بل في قوله : ( الولاء لمن أعتق ) دلالة على منعه ; لأن الحي هو المعتق بغير أمر الميت ، فله الولاء إذا ثبت له الولاء ، فليس للميت منه شيء ، وهذا ليس بصحيح ; لأنه قد روي في حديث سعد بن عبادة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها ، قال : نعم ) فدل على أن العتق ينفع الميت ، ويشهد لذلك فعل عائشة الذي سبق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث